الأمن الثقافي المفقود … بقلم: د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم

 

هل من الممكن القول بان هناك جهة في السودان تهتم ببناء قدرات ثقافية متوافق عليها يمكنها مقاومة الافكار الدخيلة و الشاذة عن قواعد السلوك الاجتماعي ( السليم ) ؟ و تعمل علي التاسيس لثقافة معافاة تمكن المواطن السوداني من ممارسة حياته المعاصرة ( حسب مواصفات العصر الذين نعيش فيه و ليس عصر متخيل او افتراضي ) بشكل تلقائي و ايجابي و غير مستفز لنظام القيم الاجتماعية الغالبة المتفق عليها؟ من الصعب الاجابة علي مثل تلك الاسئلة لانه لا توجد جهة تعمل علي تحديد مفهوم الامن الثقافي و ترسيخه في المجتمع . الامن الثقافي لا يعتبر وظيفة امنية ناهيك عن ان يكون وظيفة بوليسية و انما يرتكز الي معايير و محددات معينة منها وجود ثقافة و حضارة وطنية تجعل المواطن يعتز بها باعتبارها وعاءا حاملا للموروث الثقافي برموزه و افكاره و قيمه و مختلف مكوناته. من معايير الامن الثاقفي الانفتاح و الحوار مع الثقافات الاخري  كون الثقافة عملية مستمرة لا تتوقف عند نمط او قالب معين و لا يوجد منها ” اكتفاء ذاتي” ، ذلك مع ضرورة الاعتزاز بالذات و هضم معطيات الاخر خاصة و ان السودان بلد متعدد الثقافات و الاعراق و الاديان تتمازج في تنوع حميد و تتعايش مع بعضها دون تضاد عدا ذلك المصطنع و المغذي بدعاوي متطرفة.

  من المهم و الحال كذلك العمل علي تحديد اسس و قواعد ثقافتنا و العمل علي منع حالات الاختراق الثقافي و الغزو الفكري ، لكن ذلك لا يمكن ان يتم بالحجر القسري و منع التواصل مع الاخرين و انما ببناء و ترسيخ القدرات الثقافية. لاستعادة الامن الثقافي المفقود في السودان لا بد من اعتماد مفهومه في المناهج المدرسية و و استعادة الاهتمام بالقراءة و النشر و توفير الكتاب الثقافي بالجودة المطلوبة و باسعار في متناول الجمهور. كما يجب اعادة النظر في تأسيس المكتبات بالجامعات و اعادة ” المكتبة”للمدارس و توسيع شبكة المكتبات العامة مع ضرورة دعم انواعا معينة من الكتب. هناك ظاهرة في السودان تتمثل في كثرة المراكز البحثية و لكنها لا تلبي متطلبات المراكز العلمية و الثقافية بالشكل المتعارف عليه عالميا مما يستدعي ان تتدخل الدولة بإقامة المراكز الثقافية المتكاملة و اعادة تنظيم الاندية لتشتمل علي الجوانب الثقافية و الاجتماعية بدلا من ان تكون محال للعب الورق و غيره من العاب التسلية و استهلاك الشيشة و اقامة القاعات الفخمة و الحيشان لإيجارها للمناسبات باسعار تصلح للسياحة المدارية عبر مركبات الفضاء. بالضرورة ان تستوعب المراكز و الاندية مختلف الشرائح الاجتماعية سنيا و ثقافيا و حسب النوع مع اتاحة مجال اوسع لساحات العرض السينمائي و المسرحي و دعم الإنتاج الفني و الثقافي و الادبي بمختلف ضروبه. كل ذلك يمكنه ان يسهم في بناء اركان الامن الثقافي و اشاعة روح التعايش السلمي بين الثقافات و نبذ العنف و ترسيخ الانضباط و النظام دون الحوجة لجزم غليظة او لدوي المدافع و ارتفاع أصوات العصي و السياط و في ذلك تبرز ضرورة التكامل بين الجهود الرسمية و المجتمع المدني ، هذا بالطبع اذا كان هناك من يريد ان يكون لدي السودان امن ثقافي.  

عن د. حسن بشير

د. حسن بشير

شاهد أيضاً

اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)

أ.د. حسن بشير محمد نور كان سيد انسانا حقيقيا بسيطا جدا مليئا بالحب والجمال وكان …

اترك تعليقاً