(الإخوة صديقوف) .. بقلم: ناجي شريف بابكر

تلك الأيام

“مما لا شك فيه أن كل جيل من الأجيال يعتقد أنه مسخر لإعادة صياغة الحياة.. إلا جيلي.. فقد كان على دراية تامة أنه سوف لن يتمكن
من إعادة صياغتها.. إنما كان يعتقد أن الأعباء التي تؤرقه أعظم من ذلك بكثير وهي أن يتمكن من حمايتها من الإنفضاض”..

ألبرت كامو

النص:
كنا في تلك الأيام، شبابا في مقتبل العمر صهرتنا بوتقة الإشعاع الثقافي والمعرفي بجامعة الخرطوم، بزخمها وكنوزها الزاخرات..
كالأشقاء تماما كنا، علي مختلف سحناتنا وألسنتنا، نحلم فيما نحلم بغدٍ أفضلَ.. ونحمل بين جوانحنا وطياتنا تطلعاتٍ وأمانيا.. كنا نتوهم أن
الله قد أودع فينا السحرا.. وخصنا بسرٍ ما.. وأنه تعالي قد جعل فينا من الطاقة والتصميم ما يقهر التحديات، وما تصير معه كل تلك
الأماني ممكنة للتبلور باكرا خلال رصيد العمر .. فكل شئ كان يبدو ممكنا.. وكنا من الثقة كأنما مفاتح ذلك الحلم قد أودعها الله لدينا،
هكذا، دون من سبقونا من الأجيال. وقد كان ذلك لعمري الخطل الأول الذي ارتكبناه..
.
لم نكن لنتصور أن الذين كانوا قبلنا من الأجيال، من هم الآن لحم الحياة وسداتها.. بكافة مكونات وشرائح المجتمع السوداني، بواقعه
الكائن.. عذبه وأُجاجه.. خيره وشره، هِناته وفضائله.. قد كانوا أكثر منا قوة وأشد بأسا، وكانوا يحملون أحلاما كأحلامنا، وأثقالا كأثقالنا،
وطموحاتٍ كتلك التي كنا نحملها .. لكن حقائق الحياة حينما بدت لهم، كما بدت لنا آخر الأمر، وهي سافرةَ كاشفةً عن ساقها، قد هزمتهم
وألانت عريكتهم.. وها نحن قد وعينا ما وعينا، لكن بعد فوات الأوان، فمن مبلغٍ عنا ما تأخر من الأجيال .
.
هزمتنا الحياة بتحدياتها القاهرة.. وتضاءلت الأمال وتقاصرت ظلالها.. فكان أشدَّ الناسِ فينا بلاءً الأنبياء .. أصبحنا نري بأم أعيننا كيف
أن يكون السقوط من أعلى التلِّ إلي سفح الجبل.. داويا.. مأساويا، ومقززا في الوقت نفسه.. كيف يكون أحدُنا إذا تردَّى.. كيف أن
الأنسان يمكن أن تعصف أعاصيرُ الحياة برَبْعِهِ وخيمته، بقيمه ومُثـُلِهِ وفضائله.. مبادئه وتطلعاته، دون أن يطرف له جفن.. فيصبح
الرجل فينا مؤمنا ويمسي، حين يمسي، كافرا..
.
تضاءلنا أمام تحدياتنا وأحلامنا.. تقاصرت قاماتنا وأنحنت أمام الشعب السوداني الباسل، الذي صبر في صمت وأناة علي خطل من
سبقونا، وصبر علينا وعلي خطلنا كذلك، دون أن يفقد رباطة جأشه وتماسكه.. دون أن يهتز، ودون حتى أن يعيد موضعة العمامة من
رأسه .. ظل يطعمنا ويسقينا ونحن رجالا ناضجين، كما كان يطعمنا ويسقينا ونحن طلابا .. يوفر لنا المأوي والطعام والحليب، لا يسألنا
عليه أجرا.. لا يكل عن ذلك ولايضنى، بينما نحن، من بأسنا وغلظتنا، نرجم العسس بالحجارة حتي نُدمي هاماتهم.. كأنما ننسي أننا عالةً
نتكففُ الطعام والشراب والمعرفة علي أكتاف ذلك الشعب ومؤسساته.
.
كان الشعب فيما أرى، كحال قريةٍ تضجع علي حافة النهر وادعة مطمئنة، أهلها يعبرون من ضفة إلي أخرى علي ظهر حصانٍ مُتعبٍ
مُسِن .. يعتلي صهوته في كل مرة أحدهم، حتي إذا تيسر له أن عبر النهر آمنا، أرسله عائدا ليعبر عليه الباقون من المنتظرين من أهل
القرية علي التوالي.. لكن جيلنا، على تعاسته وبؤسه، بعد أن عبر النهر.. قد عقر الحصانا.. فكان شأننا كالمنبتِّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً
أبقي.
.
هذا ما كان من شأن كل منا علي صعيد خيبة العطاء العام.. لكنا علي الصعيد الخاص تمايزت أقدارنا، وصفوفنا كذلك.. فمنا من صرعته
الحياة وويلاتها وآثر أن يركن إليها وأن يقايض نفسه، طائعا مختارا، مقابل الحرير والخبز الناعم .. ومنا من إنزوى وقد رضي أن يغالب
الحياة ويعاركها ما ادخر في ذلك وسعا، يصرعها وتصرعه، فيظل علي حاله ذاك طوال العمر منهكا في جُنَّة الليل، يكافح طواحينها
وغيلانها، منذ حلول الغسق وحتي الساعات الأولى من الفجر.
.
كثيرون منا أدمنوا السير علي الأزقة وحافة الطرقات، يمشي الواحد منهم وحيدا ويموت وحيدا كما بدا.. فتراهم وكأنما ينجرّون بالجدران
حتى تدميهم، تماما كما تفعل الشياه المجروبة.. لكنهم صاروا قانعين أن أحلامهم وتطلعاتهم التي كانوا قد قايضوها بالأمس بثمن باهظ، لم
تكن سوى حلوى مسمومة..
.
من بقي منا، بقي علي حافة أرصفة المدينة يتسكع فيها كالضيف خائفا مترفقا.. ومتأففا .. وإذا ما شاءت الأقدار أن تجمعه برفاق قدماء
ظلوا علي قيد الحياة وقد إستطالت من العزلة شهورهم وأظافرهم، وما زالوا يتحلون بتمائمهم القديمة .. تتهلل أساريره ويخالطه أحساسٌ،
أن هناك من أهل كهفه، من مازال حيٌّ يرزق، وأن منهم من يقبلَ وَرَقَهُ وعملته البالية المندثرة، ويمنحه بالمقابل من طعام المدينة ما كان
منه زاكيا، وما أقل ما كان زاكيا من طعام أهل المدينة..

nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً