الإرتقاء بالتنمية البشرية في السودان: دور التخطيط الحضري .. بقلم: عمار محمد محمود
12 مايو, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
92 زيارة
ammar.mahmoud@outlook.com
(1)
أواخر الأسبوع الماضي أوردت إحدى الصحف خبراً على لسان عضو البرلمان عن الحركة الشعبية- تيار السلام، صالح جمعة، يفيد بمقتل (35) مواطناً سودانياً لعبورهم الحدود بحثاً عن المياه نسبة لندرة المياه في المناطق السودانية المتاخمة لحدود دولة الجنوب، إضافةً لمقتل (10) مواطنين في الولاية بسبب المياه، وأشار إلى أن المياه أصبحت تشكل عاملاً أساسياً في الصراعات بالمنطقة (الصيحة، الخميس 4 مايو). في ذات اليوم نشرت صحيفة “السوداني” تقريراً جيّداً لتفاؤل العامري وإيمان كمال الدين عن البؤس الذي يلف قرية “أم ميكح” بولاية نهر النيل، حيث يعاني سكانها من شح الماء وإنعدام الخدمات الصحية والاتصالات ووسائل المواصلات، إلى جانب تفشي العقارب والثعابين بأطرافها!
ما ورد آنفاً يصلح مدخلاً تنطلق منه هذه المقالة الموجزة لمناقشة إفتراض مؤداه أن زيادة نسبة النمو الحضري المخطط في السودان ستسهم بقسط وافر في زيادة معدلات التنمية البشرية في السودان.
(2)
اعتمد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي منذ العام 1990 مؤشراً لقياس مستوى التنمية في أكثر من 180 بلداً حول العالم أسماه (مؤشر التنمية البشرية- Human Development Index)، ويُصدِر البرنامج قائمة سنوية تضم تلك الدول مرتّبة وفقاً لأدائها في مجالات الصحة والتعليم ورفاهية السكان.. قبل اعتماد هذا المؤشر كانت الأدبيات السائدة في مجال التنمية الإقتصادية تقيس معدلاتها من خلال معايير إقتصادية كمية محضة تأخذ بنظر الاعتبار مجرد نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة، ولكن نقاشات وسط الأكاديميين والمختصين بالتنمية أفضت إلى أن النمو الاقتصادي لا يعني شيئاً ما لم ينعكس على الأوضاع الاجتماعية للسكان في أي بلد، وشاعت حينها مقولة “التنمية هدفها الإنسان” التي لا تزال تحظى برواج وبريق كبيرين، وقد تم اعتماد مؤشر التنمية البشرية الذي طوّره الاقتصادي الباكستاني محبوب الحق، بمعاونة نخبة من الإقتصاديين العالميين رفيعي المستوى، لينقل النظر للتنمية من محتوى الاهتمام بالمعطيات الرقمية الاقتصادية إلى فضاء يهتم بنتائج ذلك على حياة الناس، وعليه، فقد أصبحت معدلات التنمية في أي بلد تُقاس من خلال ثلاثة عناصر، هي؛ مستوى الخدمات الصحية: ويُقاس ذلك من خلال النظر في العمر المتوقع للشخص عند ولادته، ومستوى التعليم: الذي يُنظر فيه إلى عدد السنوات الدراسية المتوقع أن يقضيها الطفل في سن الدراسة بمقاعد التعليم، من ناحية، وكذلك نسبة الأمية في الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن الخمسة وعشرين عاماً، من ناحية أخرى.. وأخيراً المستوى المعيشي للسكان والذي يُقاس من خلال قسمة الناتج القومي الإجمالي على مجموع عدد السكان. وبذا، فقد أصبحت بعض الدول تحتل مراتب مختلفة في مؤشر التنمية البشرية رغم اشتراكها في ذات نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي.
يحتل السودان المرتبة 165 في مؤشر التنمية البشرية الأخير الذي صدر في 2016م من جملة 188 دولة حول العالم، وعلى الرغم من أن موقع السودان في المؤشر أفضل من خمسة من الدول السبعة التي تشاركه الجوار المباشر، إلا أن موقعه يندرج ضمن مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة.
(3)
هناك تلازم وثيق بين ارتفاع نسبة التمدن والنمو العمراني (Urbanization) في أي دولة، وبين ارتفاع مستوى التنمية البشرية فيها، حيث تبلغ نسبة الذين يعيشون في المدن والمراكز الحضرية بأميركا الشمالية 82%، وفي أوروبا 73%، و80% في أميركا اللاتينية، وتحتل بلدان هذه المناطق المواقع المتقدمة في مؤشر التنمية البشرية.. في المقابل فإن نسبة السكان الذين يعيشون في المدن والحضر بأفريقيا تبلغ 40% وآسيا 48%، وهي المناطق الجغرافية التي تتدنى فيها مؤشرات التنمية البشرية!
لا غرابة في ذلك، فالمدن هي مكمن الفرص للباحثين عن تحسين أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية ولذلك يهاجر إليها الناس وتزداد، بالنتيجة، المدن إزدهاراً. وقد أثبتت الكثير من الدراسات أن العديد من معايير النمو الاجتماعي والاقتصادي، الإيجابية منها والسلبية أحياناً، ترتفع بزيادة عدد السكان الذين يقطنون منطقة سكانية ما، فكلما كبر حجم المنطقة كلما ارتفع متوسط دخول ساكنيها، وازداد مستوى الإنتاج والإنتاجية فيها. وسلبياً، تتنامى معدلات الجريمة، ويقل مستوى إرتباط الفرد بالأواصر الأسرية.
تبلغ نسبة الذين يعيشون في مناطق حضرية في السودان 33.2%، وهي نسبة قليلة حتى بمقارنتها مع الكثير من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وكذلك بمقارنتها بنسبة المتوسط العالمي للسكان الذين يعيشون في المدن والتي تبلغ 52.1%.
(4)
من أجل تحقيق تنمية بشرية مستدامة في السودان، تحتاج الجهات المختصة إلى النظر في تقليل الفجوة الريفية التي تبلغ نسبتها حالياً 66.8% من خلال تجميع القرى المتناثرة في أنحاء البلاد في مستوطنات ومراكز حضرية كبيرة يسهل فيها تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية، وتتوفر فيها بنى التحتية من طرق وكهرباء واتصالات ومياه نقية للشرب، إذ لا يمكن تصور أن تملك الدولة القدرة على بسط تلك الخدمات إلى آلاف القرى التي لا يضم بعضها سوى بضعة أسر تعيش في ظروف لا يتوفر فيها الحد الأدنى من المعطيات اللازمة لتحقيق الكرامة الآدمية.
لتحقيق ذلك، يمكن للسلطات أن تبدأ مشروعاً تجريبياً في إحدى الولايات يتم فيه تجميع عدد من القرى، بالتشاور المكثّف مع سكانها، في مركز حضري جديد تتوفر فيه الخدمات.. وبنجاحه يسهل تعميم التجربة في أنحاء أخرى من البلاد. ويمكن لإحدى ولايات دارفور المتأثرة بالحرب أن تصلح مكاناً للمشروع، فالظروف الأمنية هناك جعلت العديد من سكان مختلف القرى يتجمّعون بطبيعة الحال في معسكرات للنزوح، وستساعد الروابط الاجتماعية والإقتصادية التي نشأت بينهم في هذه المعسكرات في تسهيل مساكنتهم ومعايشتهم في مراكز حضرية جديدة بعيدة عن المدن القديمة، وكذلك في تجربة نقل بعض القرى المتأثرة بمشاريع السدود مكان لمشروع تجريبي مماثل. ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال طريقة أخرى تتمثل في إقامة مراكز محلية بكل ولاية تجتذب بخدماتها الناس الذين يعيشون في مناطق ريفية متباعدة.
ونظراً للحساسية التي تحظى بها قضية ملكية الأراضي في السودان، لأسباب اجتماعية واقتصادية وعاطفية، فقد يستلزم الأمر قيادة حملات للتشاور ووضع تشريعات تبث الطمأنينة في نفوس المواطنين بأن الأوضاع الجديدة ستحّسن من واقعهم وستجعل من مستقبلهم أكثر إزدهاراً.
(5)
إن بحث الناس عن حياة أفضل هو الذي يدفع ببعضهم لهجر قراهم ومناطقهم الريفية والانتقال للمراكز الحضرية، وبما أن هذه الهجرة غير مخطط لها، كما أنها تفوق قدرة هذه المراكز الحضرية والمدن على استيعابها، نتج عن ذلك ظاهرة نمو العشوائيات في أطراف بعض المدن الكبيرة في السودان، ورغم محاولات المعالجة لهذه الظاهرة إلا أنها لن تزول ما لم تنتفِ أسبابها نشوئها في المقام الأول، وهي أسباب تتصل بإنعدام الفرص والخدمات في المناطق التي تبعد عن الحواضِر..
إن التقليل المخطط والمدروس للفجوة الريفية سيحِد من تلك الهجرة وما يرتبط بها من أنشطة هامشية في المدن، وسيجعل من شعار “نقل المدينة إلى الريف” واقعاً متجسداً، وسيقفز بشكل مضطرد بوضع السودان في مؤشر التنمية البشرية.
ما يدفع الناس لترك ديارهم، رغم شدة إرتباطهم بها، والهجرة إلى مناطق أخرى ليس سوى البحث عن خدمات جيدة وأمل بمستقبل أفضل، والنظر الإستشرافي ينبغي أن يتجه لتمدين الريف حتى لا تتريّف الحواضر.