الإمام الصادق… بين التأصيل والتحديث! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش

 

gush1981@hotmail.com

الإمام الصادق عادة ما يأتي بعبارات حمّالة أوجه، إذا لم نقل إنها يكتنفها الغموض والغرابة. فهو سياسي متمرس يعرف كيف يستخدم الألفاظ والعبارات؛ بحيث لا يستطيع أحد أن يمسك عليه شيئاً، ولا أدري إن كانت هذه محمدة أم هي نوع من البراغماتية اللغوية التي يلجأ لها الحبيب الإمام في كثير من الأحيان. سيد صادق، كما تقول عنه زميلتنا، سليلة الأنصار، ملكة الفاضل عمر، رجل واسع الاطلاع وغزير المعرفة، ولكنه لم يستطع حتى الآن الخروج من العباءة التقليدية، بيد أنه عرك السياسة في السودان منذ نعومة أظفاره! ففي خطابه الذي ألقاه أمام جمع غفير من أنصاره في الجزيرة أبا مؤخراً، تناول الإمام الوضع الراهن في السودان وعبّر عن موقف حزب الأمة من الحكومة الانتقالية، قائلاً: “نحن في المرحلة المقبلة سنقف مع الحكومة الانتقالية ونتصدى لكل مؤامرة ضدها”. إلا أن أهم ما جاء في خطابه هو الإعلان عن سعي حزبه للتحالف خلال الفترة القادمة مع من يجمعون بين التأصيل والتحديث. وكعادته لم يفصح الحبيب عمن يعني بهذه العبارة!
فهل يا ترى نسي الإمام ما فعلته بعض مكونات قحت في أهل الجزيرة أبا في سبعينات القرن الماضي، أم أنه غض الطرف عن مذبحة ود نوباوي، في نفس التاريخ المذكور؛ حتى يقف اليوم أمام أحفاد الشهداء الكرام ليعلن وقفة تاريخية مع عناصر اليسار والشيوعيين الذين يشكلون الغالبية المطلقة في الحكومة الانتقالية؟ ليس هذا فحسب بل إنهم أعلنوا مواقف تتعارض بالضرورة مع توجهات حزب الأمة ومنطلقات الأنصار ومبادئهم القائمة على العقيدة والجهاد في سبيل الله. بصراحة هذه براغماتية واضحة يا أيها الإمام!
سيدي الإمام: هل نسيت الشهيد محمد صالح عمر، والأستاذ مهدي إبراهيم، وصحبهم من الذين وقوفوا مع الإمام الراحل الهادي المهدي، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وقنابل النابالم يومئذ تمزق أجساد الأنصار، تحت ضربات طائرات سلاح الجو المصري، وهي ترمي بالحمم الملتهبة على رؤوس سكان الجزيرة أبا، بإيعاز وتخطيط من قيادة الحزب الشيوعي السوداني، بشقيها السياسي والعسكري؛ من أجل استئصال شأفة الإسلام والرجعية والطائفية من السودان بزعمهم؟ نحن نعلم أن لديك مرارات تجاه الإنقاذ التي انقلبت على حكومتك المنتخبة في عام 1989، ولكن ذلك كله لا يبرر وقوفك اليوم مع من يدعون صراحة لنبذ القرآن المدني وفتح الأندية الليلية المجانية لحفيدات مهيرة في الخرطوم، فإنّ مثلك ما ينبغي أن يغير مبادئه، وفقاً لمقتضى الحال.

عندما تكونت الجبهة الوطنية، المناهضة لحكم مايو، وقد كانت تضم حزب الأمة بجناحيه، والإخوان المسلمين، وعناصر من الوطني الاتحادي وأخرين، كنا طلاباً في المرحلة الجامعية آنذاك، وكنا نعتقد أن المنقذ الوحيد للسودان يومئذ هو الإمام الصادق بما كان يمثله من رمزية للشباب، فهو أحد الذين تلقوا تعليماً رفيعاً في أرقى الجامعات البريطانية، وهو صاحب فكر إسلامي معتدل، هكذا كنا نظن، والأهم من ذلك كله أنه مناهض للمد الشيوعي واليساري بشكل عام!
نعتقد أن تجربة الجبهة الوطنية كانت مبادرة وطنية رائدة لولا أنك أجهضتها بالتسرع غير المبرر سيدي الإمام؛ إذ لجأت للقاء الرئيس الراحل جعفر نميري في بورتسودان، ولم تلتزم بما أجمع عليه قادة الجبهة الآخرين مما سبب خللاً كبيراً لذلك التجمع الوطني حتى تصدع بعد المحاولة التي قادها الشهيد محمد نور سعد، رحمه الله. وفي هذا الصدد يقول الشريف حسين الهندي: “اجتمعنا نحن في المكتب السِّياسي للجبهة الوطنيَّة، وحدَّدنا عشرة شروط مختلفة كثيراً عن شروط السيِّد الصَّادق المهدي، ولكنها في جماعها شروطٌ ديمقراطيَّة، ووقَّعناها جميعاً؛ وتسلَّمها أمامنا السيِّد الصَّادق، وقال إنَّ هذه هي جماع مفاوضاتي، إذا وجدتها فسأرجع إليكم بها، وإذا لم أجدها فليس هناك تفاوض ولا مفاوضات.” ومع هذا الإجماع لم يُلقِ الإمام بالاً لرؤية رفاقه في الكفاح، وبذلك أضاع على السودان فرصة نجاح أعرض جبهة وطنية كانت تقوم على مرتكزات هذا الشعب وتجمع بين التأصيل والتحديث والوسطية والديمقراطية، وتحظى بتأييد واسع النطاق من معظم جماهير الشعب السوداني في كافة أرجاء الوطن.
أيها الإمام الحبيب نحن نعلم حبك للزعامة وسعيك الحثيث للحصول عليها بكل السبل، فحبِّ الرئاسة موجود منذ نشأة المجتمعات البشريَّة، وهو جزء أصيل في نفوس كثير من الأشخاص، وقد يكون جزءاً من طبيعتهم بحكم النشأة والتكوين!
سيدي الإمام: أعتقد أن الفرصة مواتية الآن أكثر من أي وقت مضى لتكوين جبهة وطنية عريضة، تضم كافة الذين لا يرقبون في حكم شيوعي أو يساري، أو غير ذلك من الأفكار المنحرفة، بقيادة شخصك الكريم، وحزبك الكبير؛ شريطة أن تضع في الحسبان عدة متغيرات طرأت على الساحة السودانية في جوانب كثيرة، فقد تخرجت أجيال شابة من الجامعات التي انتشرت في كثير من مناطق نفوذكم التقليدية، من الجزيرة أبا وحتى الجنينة؛ وهذا يتطلب، بالضرورة، التعامل بطريقة بعيدة عن أسلوب الإشارة، ويستوجب مراعاة المصداقية والشفافية وبسط الشورى والديمقراطية، فهلا التقطت القفاز!

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً