رياح ورماح
محمد قور حامد
ربما أجد صعوبة في قراءة هذا المشهد المعقد .
سيما وأن العالم اليوم يشهد تكويناً لتضاريس سياسية جديدة… تنهار قممها على رؤوس الشعوب، وتسحق في انحدارها كل معنى للعدل.
إذا كنت سأعطي مثالاً، فلن أذهب بعيداً. سأشير إلى بقعةٍ صغيرة على الخريطة، كبيرة في وجدان التاريخ… فلسطين.
فهي ليست مجرد قضية، هي مرآة تكشف وجه السياسات الإمبريالية في الشرق الأوسط منذ قرنٍ كامل.
بدأت الحكاية بوعدٍ من لا يملك لمن لا يستحق.
حين قررت الإمبراطوريات العجوز أن تقسم الشرق كما تُقسم الكعكة.
زرعت كياناً غريباً في قلب الأمة، لا لأنه حق، بل لأنه خنجرٌ دائم في خاصرة العرب.
فكان الاستعمار القديم يرحل بجيشه… ويترك استعماراً جديداً بعلمٍ ونشيد.
ثم تسلمت الولايات المتحدة الراية. فلم تكن وسيط سلام كما تدعي، بل كانت شريكاً في الجريمة ومهندساً للواقع.
بالمال بنت المستوطنات، وبالسلاح دعمت الاحتلال، وبـ “الفيتو” حمت الجرائم.
منحت الشرعية للقوة، وسمت القتل دفاعاً عن النفس، وسمت المقاومة إرهاباً.
هي سياسة الكيل بمكيالين… تتحدث عن الديمقراطية في الشرق، وتمنح الضوء الأخضر لدولة الفصل العنصري.
واليوم نشهد فصلاً جديداً من الفصول.
تضاريس سياسية تنهار قممها على غزة… فتُسوى الأرض، ويُقتل الطفل، ويُجوع الإنسان.
وفي الضفة يُقتلع الزيتون، وفي القدس يُهدم البيت.
كل ذلك تحت غطاء “الشرعية الدولية” التي صارت مطاطة… تتمدد مع القوي، وتنكمش مع الضعيف.
السياسات الإمبريالية لم تتغير. تغيرت فقط أدواتها.
بالأمس كانت البوارج، واليوم هي المساعدات المشروطة والعقوبات والرواية الإعلامية.
والولايات المتحدة ليست خارج المعادلة، بل هي قلب المعادلة.
فطالما كان هناك من يبيع، وهناك من يشتري الدم… ستظل فلسطين تنزف.
ولكن الشعوب لا تموت.
ومن تحت الركام تولد الإرادة.
فالتاريخ لا يكتبه المنتصر بالسلاح فقط، بل يكتبه الصامد بالصبر.
وسيأتي يوم تُقتلع فيه الخرائط المرسومة بالمسطرة، وتُعاد كتابتها بدماء الشهداء وأقلام الأحرار.
فلسطين ليست قضية… فلسطين هي الاختبار.
ومن سقط في امتحان فلسطين، سقط في امتحان الإنسانية كلها.
mqwr560@gmail.com
