الاستعراب والافريقانية في السودان: نقد الهوية الثقافية .. بقلم: د. مقبول التجاني
18 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
99 زيارة
الهوية الثقافية، هي إحساس الفرد، بإنتمائه الي مجموعة ما، كجزء من إدراكه الذاتي و وعيه الداخلي، بانتمائه لتلك المجموعة، و غالباً ما تتعلق بأشياء مثل الهوية الوطنية، و العرق، و الدين، و الطبقة الإجتماعية، و الجيل، و البقعة الجغرافية، أو أي عامل آخر، يؤدي الي تمييذ مجموعة ثقافية، عن مجموعة أخري.
بهذا الشكل، تصبح الهوية الثقافية، خاصية للفرد، و خاصية للمجموعة المماثلة التي ينتمي إليها ذات الفرد، في نفس الوقت، و يحمل قيمها المشتركة، مع إعتبار المجموعة، منتجة لوعي الفرد.
هناك كثير من الدراسات الثقافية المعاصرة، و النظريات الإجتماعية الحديثة، التي حاولت دراسة الهوية الثقافية.
في العقود الأخيرة، برز تصور جديد للهوية، حطم و غير النظرة التقليدية القديمة، التي تنظر الي الفرد، بإعتباره كتلة هوية واحدة متماسكة، الي تجميعات هوياتية مختلفة مركبة، داخل الفرد الواحد.
هوية المجموعة الثقافية الواحدة، في حد ذاتها، ليست عبارة عن كتلة واحدة متماسكة، و لكنها قد تعبر عن تجميعة هويات جزئية، و فرعية بداخلها، متباينة، و مختلفة داخلياً.
هوية الفرد الواحد، قد تبدو و تتمظهر من الخارج، للوهلة الأولي، ككتلة واحدة متماسكة، و لكنها في وعي الإنسان من الداخل، قد تبدو متشظية الي هويات مختلفة، و مجموعة هويات كاتيقورية متباينة، و متناقضة، نتيجة لعوامل الجغرافيا، و النوع، و الجنس، و الطبقة الإجتماعية و المعتقد الديني.
قد تذيد، أو تقل، درجة حدة ذلك التشظي، داخل الفرد الواحد، و داخل مجموعته، بفعل عمليات التحديث، و الإستعمار السياسي، و قيام الدولة الوطنية، و التمدن، و العولمة، و وسائل التواصل الإجتماعي، و غيرها من المؤثرات الخارجية، التي قد تقود الي التناقض و التوتر.
ذلك التناقض الداخلي، قد يؤثر سلباً أو إيجاباً، علي الأفراد و المجتمعات، الواقعة تحت تأثيره.
التمدن في العادة، يساعد في تقليل حدة الإختلاف، بين الهويات الثقافية للمجموعات المختلفة، بفعل وحدة الجغرافيا، و أدوات الصهر الإجتماعي المدنية المختلفة، و يؤدي في النهاية، الي التقسيم علي أساس خطوط إجتماعية طبقية.
الدولة الوطنية الحديثة، و هويتها القومية، قد تمثل بوتقة إنصهار، و إطار عام، و وعي ثقافي خارجي، للوعي الثقافي الداخلي، للمجموعات الثقافية المختلفة، داخل الدولة القطرية الواحدة.
المخزون الثقافي التاريخي، مع الزاكرة الثقافية الجمعية، لمجموعة ما، يمثل الرافد الأساسي، في تشكيل وعي أفراد تلك المجموعة، و إحساسهم بذواتهم، و هويتهم الثقافية، عبر عملية ديناميكية دائمة الحركة، تحزف، و تستدعي، و تضيف، الي وعي أفراد المجموعة، من مكونات ذلك المخزون الثقافي التاريخي، وفقاً لمقتضيات الواقع اليومية، و حركة المستقبل.
الزاكرة الثقافية لمجموعة ما، هي نظام إجتماعي عام للقيم الرمزية المختلفة، و بداخل تلك الزاكرة الثقافية، توجد مجموعة أنظمة متعددة، و نظم فرعية تخصصية.
شبكات التواصل الإجتماعي، و وسائل الإعلام، كأدوات للعولمة الثقافية، أصبحت تشكل بديل جديد، و منافس قوي، للمجموعات الثقافية التاريخية، في تشكيل وعي الأفراد، و إعطائهم المعايير الإجتماعية المقبولة، و غير المقبولة، و بالتالي صناعة هوياتهم الفردية.
الهويه العروبية السودانية، قد تبدو من الخارج، مختلفة عن الهوية الافريقانية السودانية، و لكن تمظهر ذلك الإختلاف الشكلي، ليس نتيجة لإختلاف أساسي في الجوهر، بين الهويتين السودانيتين، و لكنه نتيجة لتباين الإختلاف الداخلي، داخل كل هوية منهما علي حدة، مقارنة بالأخري.
الهوية العروبية السودانية، عند دراستها من الداخل بتمعن، نجد أنها أقرب الي الهوية الافريقانية السودانية، أكثر من قربها، من الهويات العروبية، للدول العربية الأخري.
كما أنه لا توجد هوية ثقافية عروبية واحدة، تمثل كل الدول العربية، و القول بعكس ذلك، يمثل محض نظرة أيدولوجية.
ساهم المشروع السياسي الإسلاموي، و الأدلجة الفكرية للشأن الثقافي، و نظرية النقاء العرقي، في ذيادة حدة الإستقطاب الهوياتي الثقافي، داخل الدولة السودانية الواحدة، بين المجموعات المختلفة.
التقدم العلمي الوراثي، أثبت خطل الإدعاءات العرقية الذائفة، و بين بما لا يدع مجالاً للشك، التداخل و التشابه الجيني الهائل، بين المجموعات السكانية للجغرافيا السودانية، و أصالتها التاريخية، و إختلافها عن بقية الدول المحيطة.
كما أن اللغة العربية وحدها، غير كافية لتقسيم المجموعات السودانية، الي خطوط و فواصل ثقافية حادة، و ذلك لإشتراك مجموع السودانيين، في غالبية المحددات الثقافية الأخري.
بجانب أن التعدد اللغوي الهائل، في دولة مثل الهند، لم يمنع تبلور ثقافة هندية واحدة جامعة، تعبر عن غالبية الهنود، في بلادهم، و في دول المهجر المختلفة.
الثقافة، و التاريخ، في حركتهما و سيولتهما الدائمة، يعتبران من أكثر الحقول الإنسانية، عرضة لسؤ الفهم، و تحيزات الدارس، و لذلك ينبغي لنا التعامل معهما، بنظرة معيارية براغماتية، تراعي المصلحة الإنسانية العامة، و هدف التحرر من الهيمنة، كغاية إنسانية نبيلة.
إن حاجة المجتمع المستمرة للعقلنة، و الترميم، و إعادة البناء، تستوجب و تقود بالضرورة، الي إعادة تشكيل مستمر للهويات الثقافية، و مكوناتها الجزئية، و تحاور تناقضاتها الداخلية، عن طريق الفعل التواصلي، من أجل الوصول الي التحرر الإنساني.
ليس من مصلحة المجتمع ككل، المحافظة علي وعي هوياتي ذائف، و تقديسه، و إعطاء فرصة لإستغلاله، و الإقتتال بسببه.
هوية الفرد، يجب أن تنحاز في الآخر، الي الإنسان، و حقوقه، و قيمه الكونية.
magboul80@gmail.com