الانفلات الأمني في السودان، خطوات واسعة نحو الهاوية (3) .. بقلم: عبدالغفار سعيد

لاتزال دارفور مشتعلة:

تعجل السيد رئيس الوزراء كثيرا عندما تقدمت حكومته بعد ان مضت فصائل الجبهة الثورية المسلحة على اتفاق سلام مع السلطة الانتقالية ، وقبل ان تقوم السلطة بتنفيذ الترتيبات الأمنية مع الحركات المسلحة بالطلب الذى تبناه مجلس الأمن الدولي بالإجماع يوم الثلاثاء 22 ديسمبر 2020 القرار رقم 2559 بإنهاء مهمة قوات “يوناميد” في 31 ديسمبر وفي غضون 6 أشهر غادر 16 ألف جندي نشروا منذ 2007 تحت البند السابع الذي يجيز استخدام القوة
وكان اعتقاد الحكومة الانتقالية انها ستحمى المدنيين فى الاقليم عن طر يق نشر قوات وطنية مشتركة من الجيش و الحركات المسلحة و مليشيا الدعم السريع ، لكن آلافا من المواطنين احتجوا في أنحاء دارفور ، حيث عادت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين، إلى ساحات الاعتصام بمعسكر كلمة في نيالا وفي 155 معسكر نازحين بدارفور و20 معسكر لاجئين بتشاد وأفريقيا الوسطى اعتبارا من يوم السبت 26 ديسمبر 2020 رفضا لسحب قوات يوناميد.
ثم كان خطأ السلطة الانتقالية في السودان الثانى فى دارفور عندما دفعت بقوات الدعم السريع (الجنجويد)، لتكون في الواجهة مجدداً بإقليم دارفور، بعد أن تعثرت خطوات تنفيذ الترتيبات الأمنية مع الحركات المسلحة عقب انسحاب قوات “يوناميد” وإنهاء عملها فى يناير الماضى ، وكان لابد للتوترات ان تعود لان تاريخ قوات الدعم السريع فى دارفور ارتبط بالقتل و الحرق والاغتصابات.
طرحت أحداث العنف التي وقعت في إقليم دارفور منذ ياناير الماضى و التى راح ضحيتها الكثير من المواطنين نتيجة لضخ النظام السابق السلاح بين أيدي القبائل والمجموعات والأفراد، وزرع الخلافات والعدوات بين مكونات الاقليم الاثنية تساؤلات عدة، حول مدى قدرة الدولة السودانية فى الوقت الراهن الانتقالى على الحسم ومنع تكرار النزاعات والتفلتات الأمنية في هذا الإقليم بشكل نهائي، أم أن الواقع الأمني يتطلب نشر قوات دولية مثل الـ”يوناميد”، كما كانت الحال في السابق.
ان مسلسل جرائم القتل والاغتصاب والسلب والنهب والاختطاف والحرق، ما فتئت ملشيات الجنجويد ترتكبها بصورة ممنهجة، باعتبار جزء من مشروعها الاستيطاني في مناطق النازحين واللاجئين في اقليم دارفور-السودان، دون أن تتخذ الحكومة الانتقالية تدابير لايقاف هذه الجرائم والانتهاكات الفظيعة، التي تهز الضمير الوجداني الانساني والانحطاط الاخلاقي. ان هجمات الملشيات بمسمياتها المختلفة علي المزارعين، في موسم الحصاد هي عملية منظمة لافشال الحصاد، وهذا يؤكد بما لا يدعو مجالا للشك، ان الحكومة الانتقالية عاجزة عن توفير الامن ونزع سلاح ملشيات الجنجويد، ومحاسبة مرتكبي جرائم القتل والاغتصاب والاختطاف والتعذيب والتشريد والحرق.
ما الحل فى دارفور؟
يجب على السلطة الانتقالية القيام باسرع فرصة ممكنة انهاء الترتيبات الامنية مع قوات الفصائل التى وقعت اتفاق السلام ، و كل مليشيات الجنجويد فى دارفور و القيام بعملية الدمج و التسريح ، و ارسال قوة من القوات المسلحة السودانية لحفظ الامن فى دارفور، إعادة النازحين الى قراهم و التعويضات و انجاز العدالة الانتقالية .

عدم الاستقرار فى الشرق:

من ناحية اخرى و تزامناً مع مجزرة فض اعتصام القيادة العامة يوم 3 يونيو 2019، تسببت اللجنة الأمنية في البحر الأحمر فى فتنة الاقتتال الأهلي بين مكونَين أهليَين متجاورَين وهما (النوبة وبني عامر) عن طريق إطلاق عصابات “النيقرز” التي جلبتها من خارج المدينة مستخدمة الباصات (وهي عصابات يديرها جهاز الأمن) في يوم 4 يونيو 2019، وأطلقت يدها لإحداث الفوضى والضرب العشوائي والتخريب في السوق التي تقع في آخر حي “دار النعيم” (الذي يسكنه مكونا بني عامر والحباب)، وتحديداً في الشارع الذي يفصل “دار النعيم” عن حي “فلب” الذي يسكنه مكون “النوبة”. ثم هربت عصابات النيقرز متوغلةً في حي “فلب” بعد أن تسببت بإشاعة الفوضى في تلك السوق، من ضرب عشوائي لأصحاب المحلات والمقاهي وتخريب لمعداتهم، الأمر الذي دفع بعض أصحاب سوق “دار النعيم” إلى ملاحقة تلك العصابات في حي “فلب” ومن ثم حدثت الاشتباكات.
منذ ذلك الحين الذي اشتعلت فيه الفتنة في مدينة بورتسودان في 4 يونيو 2019، عملت اللجنة الأمنية باستمرار على تجديد فتنة الاقتتال الأهلي، بالتزامن مع كل حدث سياسي كبير في الخرطوم، لذلك تزامنت الموجة الثانية من الاقتتال في بورتسودان في أغسطس من العام ذاته، مع توقيع الإعلانَين السياسي والدستوري في 17 أغسطس 2019 ، حتى وصل الأمر إلى الموجة السادسة التي تجددت معها فتنة الاقتتال الأهلي متزامنةً مع حفل توقيع دول “الترويكا” (أميركا – بريطانيا – النرويج) في الثامن من يونيو الماضي، كضامن وشاهد على اتفاق سلام جوبا، فتم افتعال فتنة اقتتال أهلي بين النوبة وبني عامر والحباب في منطقة تسمى حلة “الزاندة”، التي تقع بين حي دار النعيم وحي الميرغنية، في 9 يونيو الماضي .
الطريقة المتعجلة التى تقارب بها الحكومة الانتقالية ملف الشرق المعقد اليوم متمثلا فى قضية الناظر ترك تشابه ما فعلته بالامس عندما حاولت اختيار حكام اقاليم الشرق وفق ولاءات احزاب قحت وعلاقات منتسبى احزاب قحت ، ولم تتسع نظرتهم للنظر الى مجتمع شرق السودان المعقد وثقافاته و ولاءاته و المتشابك مع دول الجوار و مع مصالح دول الاقليم التى تتناقض مع المصلحة الوطنية.
كانت المقاربة المتهافاته التى ابتدرتها الانتقالية لا تختلف منهجيا عن طريقة تعامل النظام السابق مع ملفات مشابهة ، فتفسير كل الامربان الناظر ترك كوز ، استسهال واستخفاف بمعانات اهلنا الهدندوة منذ الاستقلال و حتى الان،و جهل بطبيعة المجتمعات المحلية وثقافاتها ومعاناتها و ولاءاتها.الشئ المعروف هو ان كل الحكومات الوطنية لم توفر مياه الشرب لمناطقهم ناهيك عن الكهرباء و المستشفيات و المدارس و كل مايخص التنمية البشرية والاقتصادية. من المعروف ان مرض السل منتشر فى مناطقهم وهو وحده دليل كافى للاهمال و التهميش ثم ان من طبيعة الادارة الاهلية وثقافتها المتوارثة ان يطيع المجتمع قادته . ثم ان الحكومة الانتقالية لم تدرس امر نفوذ الناظر ترك وفق تقسيم النظارات وبفهم لعمل الادارة الاهلية فمركز ثقل الناظر ترك في منطقة سنكات وهي دائرة تاريخية لمؤتمر البجا وليس المؤتمر الوطني مما يعني أن السند الذي يقف عليه ترك اليوم ، هو سند قبلي ، صحيح أن الناظر ترك مؤتمر وطنى وصحيح ان الفلول ستنتهز فرصة تمرده وتستغله بقدر ما تستطيع ، لكن على الحكومة الانتقالية النظر للقضية نظرة كلية تتضمن عدم رضى عدد كبير من مكونات الشرق بالتهميش و بمسار الشرق وفق اتفاق جوبا ، والى مسالة خطاء الحلول الجزئية وخطورتها على وحدة و مستقبل البلاد .
اى باحث يطلع على الاهمال التاريخى لمواطنى (ثغر السودان ومينائه الدولى) ، يدرك على الفور تخلف هذه الدولة وعدم وجود استراتيجيات وطنية بها، ناهيك عن وجود مشروع وطنى شامل.الأمر الذى يكشف قصور الخيال السياسى الخطير للساسة السودانيين والقوى السياسية السودانية ، لان المنطق يقول بضرورة إستخدام التجارب التاريخية و المعارف النظرية والخبره المتراكمة عن الفعل السياسى و الاجتماعى فى فهم حركة المجتمع وتحليل الاسباب الحقيقية التى حركت الناظر ترك ومجتمعه المحلى و المتحالفين معه ، يجب مراجعة طريقة التعامل مع مجمل ملف الشرق و يجب النظر الى حل مشاكل السودان كوحدة متكاملة فالحلول الجزئية القاصرة لا تؤدى الى استقرار ، سلام اجتماعى و حل حقيقى.

gefary@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً