الترابي والحركة الإسلامية تواطؤ الانتهازية مع الشعارات الدينية .. بقلم: خالد أحمد
14 نوفمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
51 زيارة
مدخل:
ان الاستيعاب القاصر للرسالة الإرشادية من قبل الفكر العربي الإسلامي أو ما يسمي بالفكر السلفي قاد إلى تحويل ما تحدثت عنه الرسالة وأخذته كأمثلة في المجتمع العربي إلى قيم إلهية ثابتة ثبات الإله ومستمرة استمراره. فكل ما تحدثت عنه الرسالة وجاءت به من قيم اجتماعية هي خاصة بالجزيرة العربية وكانت موجودة من قبل الرسالة وأخذتها الرسالة وضربت بها المثل باعتبارها أفضل القيم لذلك المجتمع في ذلك الزمن، وكانت عبارة عن إجابات وقتية لأسئلة مجتمعية يتم سؤال الرسول مباشرة عنها. وكان الغرض من كل ذلك هو الوصول إلى استيعاب كلي للرسالة، فترك الفكر العربي الإسلامي (الفكر السلفي) كل الرسالة الإرشادية وتمسك فقط بتلك القيمة التي في فكره انها قيم إلهية وحاول تحويل كل المجتمعات إلى مجتمع لحظة الرسالة وفي ظنه ان ذلك سيمكنه من ملامسة الرسالة في جوهرها الإلهي وعند ذلك سيلامس الله.
المقال:
بداية التيارات الإسلامية كانت عبارة عن رد فعل على الحركة الشيوعية السودانية (الحزب الاشتراكي الإسلامي 1949 – 1954: هو مجهود طلابي بحت (طلاب جامعة الخرطوم بابكر عبد الله كرار وميرغنى النصرى وغيرهم) قام نتيجة لردة فعل ضد موجة الشيوعية والإلحاد بالجامعة ولم يكن لهم ارتباط مباشر بجماعة الإخوان المسلمين ولكنهم تأثروا بالكتيبات والمجلات الصادرة منهم من مصر) (الموسوعة الحرة). وجمعت ردة الفعل تلك بين أفراد ينتمون إلى الفكر السلفي ويتحدثون عن المجتمع المسلم وبين أفراد ينتمون إلى الفكر الاخواني ويتحدثون عن الدولة المسلمة (المقصود بالحركة الإسلامية في السودان ، الحركة التي أعطت أولوية في عملها وخطابها للتربية التنظيمية المتصلة بمشروع تغيير سياسي، وهي نتاج حركتين إحداهما برزت في المحيط الطلابي تحت اسم ( حركة التحرير الإسلامي ) والأخرى برزت في المحيط المجتمعي تحت اسم ” الإخوان المسلمون ” نتيجة لظروف نشأتها كامتداد لحركة الإخوان المسلمون ” في مصر في منتصف الأربعينيات). (تجربة الحركة الإسلامية في السودان – البروف حسن مكي)
ان الدمج بين فكر سلفي منشغل تماما بالمجتمع والقيم الاجتماعية ولا علاقة له بما هو سياسي، ولا يعترف بالاختلاف حتى داخل الطوائف الإسلامية ويسعى إلى تكفير غيره من الطوائف الإسلامية وكذلك أصحاب الديانات الأخرى. وبين فكر ولو من ناحية الشعارات يتحدث عن الاختلاف وإمكانية التواجد مع الآخر، ذلك الدمج هو الذي نرى نتيجته الآن على واقعنا السوداني.
فإذا كانت تلك بداية وجود الفكر الإسلامي على الساحة الاجتماعية والسياسية السودانية كحركة منظمة نوعا ما، فان البداية الحقيقية للحركة الإسلامية السودانية يجب التاريخ لها بفترة الترابي منذ 64 وما بعده. فقد أدرك الترابي الحاجة إلى الانسلاخ عن الفكر السلفي وإيجاد فكر بديل وتنظيم مختلف يستطيع به ان يحكم السودان. ولكن مشكلة الترابي الحقيقية هي انحرافه تجاه ما هو سياسي أكثر مما هو فكرى، ونتيجة لعدم تفرغه لتأسيس منهج فكرى واضح يحكمه ويحدد أهدافه، نجده اتجه ناحية الميكافيلية في صراعاته السياسية، فرغم انه قانوني وخريج الخرطوم واخذ الماجستير من لندن والدكتوراه من فرنسا ويدرك أسس العملية السياسية الا ان وقوفه مع طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان في 1968م مثل سقطة قانونية وانتهازية واضحة واستغلال فقط للديمقراطية ولو من اجل هدف مؤقت مثل حل الحزب الشيوعي. ولم تكن تلك الانتهازية موجهة نحو الحزب الشيوعي ولكنها أصبحت منهج لدي الترابي في صراعاته السياسية فقد رأيناها مرة ثانية مع نميرى وكيف استغله ثم تبرا منه بعد ذلك، ومرة أخرى عند الانقلاب على الديمقراطية الثالثة رغم مشاركته بها.
واجتهادات الترابي الفكرية عبارة عن نقاط متفرقة لا يجمع بينها جامع، فقد كان في ذهنه ان بإمكانه ان يجمع شمل كل الطوائف الإسلامية تحت راية واحدة، ولذلك سعى إلى جمعهم وانشأ تجمعه المعروف باسم المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي بعد الاستيلاء على السلطة. ولكن كان ذلك قبل ان يؤطر لأفكاره بصورة كاملة تستوعب تلك الاختلافات، ولذلك كان المؤتمر عبارة عن تجمع اجتماعي أكثر منه فكرى ولم يدم طويلا.
ولان أفكار الترابي ليست ثابتة حتى داخله فهو رغم قوله بالاختلاف والديمقراطية إلا إننا نجده اقرب إلى الفكر السلفي في رفض الآخر وعدم التعايش معه، وكان ذلك واضحا في انقلابه على الصادق المهدي عندما تسبب بالمفاوضات التي كان يقودها الصادق مع الحركة الشعبية التي كانت في ذهنه تمثل الكفر بعينه، فنجده بعد الاستيلاء على السلطة ان اول ما فعله هو تحويل الحرب السياسية في الجنوب إلى حرب دينية. وبعد ان قتل ودمر وقاد الكثير مما يسمي بأعراس الشهداء رجع إلى الاعتراف بالاختلاف وقاد مفاوضات مع الحركة الشعبية قبل ان تتفق معهم الحكومة.
فتاريخ الترابي الحقيقي ليس تاريخ مفكر ولكن تاريخ سياسي انتهازي، فقد وظف الترابي عقليته تلك من اجل الوصول إلى السلطة فقط. وقد أدرك متأخرا خطئه في عدم البداية الصحيحة عندما لجا إلى مفارقة الفكر السلفي وحراسه ولو قليلا من خلال التفسير التوحيدي، فقد ادرك انه من اجل مفارقة ذلك الفكر عليه ان يكون له تفسيره الخاص للرسالة الذي يتوافق مع رؤيته دون التقيد باقول السابقين. ولكن سعيه المستمر إلى السلطة جعله يبدأ بداية خاطئة، فكان عليه البداية بالتفسير التوحيدي حتى يضع له منهج واضح يتحرك من خلاله مما يمكنه من ان تكون له مواقف مبدئية. فأضاع الترابي السياسي على السودان فرصة الاستفادة من عقله الذي كان يمكن أن يخدم السودان بصورة أفضل، ولكن سيره خلف طموحه السياسي أوصل السودان إلى أن يكون دولة بين النفعيين وحراس الفكر السلفي الذين يزرعون الفتنة الآن داخل البيت الواحد.
ونتيجة للانتهازية والميكافيلية التي تميز بها الترابي نجد ان الحركة الإسلامية وبعد وصولها إلى السلطة لم يكن لها موقف مبدئي من شيء سوى بقاءها في السلطة، ففي السياسة بدأت من محاربة كل أحزاب المعارضة ثم إلى مفاوضتها والاعتراف بها. وفي الجنوب بدأت من حرب دينية مقدسة إلى حرب سياسية ثم المفاوضة وانقسام الجنوب، وكذلك من أمريكا روسيا قد دنا عذابها إلى فعل المستحيل للتطبيع معهما. وفي الاقتصاد من تبني رؤية ضبابية في بدايتها إلى تبني الاقتصاد الحر في مجال التجارة وليس في مجال الاقتصاد الكلي، فوجدنا كل المشاريع القومية تنهار تباعا نتيجة لعدم إدراك ماهية الدولة والاقتصاد الكلي. وكذلك في الفنون من غناء ودراما وغيره.
وأخيرا أصبحت الحركة الإسلامية عبارة عن اسم يحتوى على الشعارات الأولى التي بدأت بها، ويوظفها مجموعة من اجل استمرارهم في السلطة فقط. فكل من يوجد في الحركة الإسلامية الآن فهو اما من المستفيدين من الوضع القائم أو من حراس الفكر السلفي الذين وجدوا في الفضاء الفكري الذي تركته الحركة الإسلامية فارغا فرصة سانحة للاستفادة منه في بث الفرقة والشتات داخل المجتمع السوداني، أو هو من المغيبين فكريا من الذين لازالت تاستهويهم الشعارات دون الأفعال.
ولكن يظل هنالك سؤال قائم، وهو اذا كانت هذه هي الحركة الإسلامية بكل سوءها وبكل ما فعلته في الدولة السودانية وإذا كانت لا تملك من الفكر غير شعارات براقة فقط، فلماذا بقيت في السلطة إلى الآن؟ سأحاول ان أجيب على هذا السؤال في المقال القادم.
kh_ahmmed@hotmail.com