التراجع الكيني ودوافع الموافقة على المشاركة ضمن قوة الحماية الإقليمية في جنوب السودان .. قراءة : شوكير ياد
5 ديسمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
27 زيارة
الإمتعاض الكيني كان واضحاً من ردة فعلها المفاجئة ،عقب إعفاء الجنرال الكيني/ جونسون موغوا كيماني من منصبه كقائد لقوات حفظ السلام بجنوب السودان؛ وذلك بعد نشر تقرير للأمم المتحدة عن فشله في أداء واجبه، وعجز قواته عن حماية المدنيين خلال أعمال العنف التي إندلعت في يوليو الماضي، وتقاعسه عن الاستجابة لصد هجوم لبعض القوات الحكومية على مدنيين بفندق “تيران” بجوبا في تلك الأحداث،والذي يبعد أقل من ميل عن مجمع تابع للأمم المتحدة.
وقد جاء رد الفعل الكيني عنيفاً هذه المرة، حينما قامت بسحب قواتها من جنوب السودان، إحتجاجاً على إقالة القائد الأممي الكيني الجنسية، والذي وصفته كينيا بأنه تم جعله “كبش فداء” لإخفاقات البعثة الدولية في جنوب السودان. وقد أعقب ذلك قيامها بعدة إجراءات تعبر بها عن إنزعاجها وغضبها،منها طرد بعض الأفراد،والحركات المناوئة لحكومة جنوب السودان من مقر إقامتهم بنيروبي،وإعلانها الإنسحاب رسمياً من العملية السلمية بالبلاد.وهي خطوات لم تكن متوقعة من دولة بحجم كينيا بإسهاماتها الكبيرة. ولكن اللافت في الأمر،أن تقوم بتصعيد الأمر لدرجة أن كتبت وزيرة خارجيتها، امينة محمد،مقالاً عنوانه “هذه ليست الطريقة التي يتم بها تكريم كينيا في مساهمتها لحفظ السلام في جنوب السودان”.
وقد ذكرت في متن المقال، بأن اعفاء الجنرال جونسون موغوا كيماني اونديك من منصبه كقائد لقوات حفظ السلام في جنوب السودان، جاء كرد فعل بعد فشله في القيام بمهام محدودة في اطار خارطة عملية حفظ السلام. وان القلق الشديد بالنسبة لكينيا هو ان هذه العملية انتزعت مساهمات بلادها الفريدة في حفظ السلام.
وتابعت الوزيرة،ان سبب الوصول لهذا القرار هو ان الجنرال فشل في حماية المواطنين خلال فترة العنف التي جرت في جوبا في يوليو الماضي،بالرغم من وصوله جوبا في العاشر من يونيو 2016م وتسلم مهامه رسمياً في السابع عشر من نفس الشهر من العام الجاري,وبدأ العنف من الثامن الى الثاني عشر من شهر يوليو العام 2016م ,بينما وقعت حادثة فندق “تيران” المأساوية في الحادي عشر من يوليو 2016م . حيث وصل فريق الى مسرح الجريمة لتقصي الحقائق ضد احد الافراد الذين وصلوا لموقع العمل قبل ثلاثة اسابيع,الامر الذي يضع مجالاً للشك حول إلقاء اللائمة عليه ومعاتبته. وقالت أمينة “انها كانت ادانة واضحة باعتبار الجنرال كبش فداء بدلاً من ان تكون ادانة صادقة”.
ومضت بالشرح ،لقد ساهمت كينيا في مهمة قوات حفظ السلام في اكثر من اربعين دولة بارسال اكثر من ثلاثين الف جندي، لذلك فإن مشاركة قوات بلادها ليست المرة الاولى لحفظ السلام في جنوب السودان .
فقد وفرت كينيا دعم لوجستياً كبيراً لتنفيذ مشروع شريان الحياة في السودان في العام 1989م عقب المجاعة المدمرة والحرب الاهلية في ذلك الوقت بين الحكومة السودانية ومتمردي حركة تحرير السودان، حيث ساهمت كينيا عبر اول برنامج للعون الانساني، بهدف تقديم العون للنازحين بالداخل، ومتضرري الحرب. وساعد ذلك البرنامج كثيراً في انقاذ العديد من الارواح ،وكان من اكبر برامج العون الانساني .
كما ان كينيا كانت في مقدمة الدول التي دعمت اتفاقية السلام الشامل الذي وقع في العالم 2005م بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية لتضع نهاية للحرب، ووضع جدول زمني للاستفتاء الشعبي في السودان حيث كان ارفع قيادات الجيش الكيني الجنرال لازرو سيمبويا في قيادة وساطة المفاوضات .
وإستطردت في المقال، كان هذين الاجرائين طويلين، الا ان شابت نهايتها خيبة أمل كبيرة. و كما هو متوقع دولة كانت مولعة بالقتال حيث كانت كينيا مصدر ازعاج، وهذا هو السبب في الوصول للقرار الذي تم اتخاذه ,وتم اتهام القيادة العسكرية في البلاد بالضعف في اداء مهمة حفظ السلام .
لقد احتجت الحكومة الكينية ضد غياب التشاور الرسمي قبل الوصول لقرار اعفاء الجنرال اونديكي ، واحتجت ضد تغييب الدور المحوري لكينيا في حفظ السلام في جنوب السودان.
الشيء الذي اثار الفطنة والانتباه هو موقف هيئة المحلفين المتضارب، وما قالته في اغسطس العام الماضي حول ملابسات واتهامات تورط قوات حفظ السلام الدولية في جرائم الاغتصاب بجمهورية افريقيا الوسطى,وكان مبعوث الامم المتحدة لشؤون حفظ السلام بابكر قاي، هو الذي تم اعفائه,لكن ما حدث في جنوب السودان امر يصعب تفسيره ووقع الفأس على القائد العسكري الجديد.
ان غضب كينيا كان متوقع، ويشعر المجتمع الدولي بحالة سخط من الوضع في جنوب السودان,قبل اسابيع قليلة من وقوع حادثة فندق “تيران”، والذي قاد المجتمع الدولي الى إصدار قرار، بزيادة القوات في جنوب السودان لحماية المواطنين.
وفي ذلك الوقت كانت كينيا على المستوى الاقليمي على دراية بغياب شيء ما، وأن استقرار البعثة الاممية يواجه منعرجات صعبة، وهذا يتطلب الانتباه العاجل اذا كانت هنالك رغبة في تحقيق مهمتها. وكان ذلك واضحاً في قبول الدول المجاورة لجنوب السودان في المشاركة بقواتها، والبدء في العمل لتنفيذ هذه المهمة.
ومن المهم أيضاً الاستمرار في تشجيع عملية السلام في جنوب السودان ومخاطبة اي تحدي قد يظهر بشكل سريع اذا كان يراد ان يكون للعدل حجر الزاوية في بنايا الحكم في جنوب السودان .وقد اصبح جلياً للكثير مننا ان الوضع في جنوب السودان يتطلب المزيد من الدعم السياسي والمفاوضات المستقرة بدلاً من الحضور العسكري .
ان تقرير مكتب رقابة الخدمات الداخلية الذي تم نشره مؤخراً يفيد ان القيود السياسية داخل صفوف البعثة، بالاضافة الى سلطتهم القانونية كانت السبب الرئيسي الذي جعل بعض المهام تؤدى بصورة تُشعر بغياب المبالاة وعدم الاعتبار، وجعل مهمة استخدام القوات تكتب في الاوراق فقط.
وكما هو الحال في مناطق الحرب،فالعمل العسكري دون جهود سياسية ومفاوضات مرتبة لها، يضع أي مهمة تحت تأثير محدد,وحينذاك يجب طرح اسئلة جريئة ليس فقط في ما يتعلق بمعدلات نجاح بعثة الامم المتحدة، لكن ايضاً كيفية التعامل مع المركز عندما يكون غير مستعد او بطيء في الاستجابة لاحتياجات العمل الميداني. وربما لم نتعلم من تجارب دول امثال رواندا والكنغو الديموقراطية .
وينبغي على مجلس الامن وضع الدعم الكافي وبذل الجهود للقوات الاقليمية لتتأكد ان القوات التي على الارض لديهم المؤهلات التي تساعدها في انجاز مهمتها بنجاح .ويروي لنا التاريخ ان البعثة المزودة بموارد كافية هي التي تكون لها الغلبة بدلاً من كونها ناجحة.
هذا يتطلب من المجتمع الدولي العودة الى دائرة التخطيط بهدف التركيز على مجهودات الدول المشاركة بقواتها، مثل كينيا والتي ستعتبر نفسها غير مشادة بها، وسيستمر سفك دماء الموطنين في جنوب السودان بلا جدوى والدول الاعضاء سوف لا ينوون المشاركة في مهمة غايتها الفشل .
ان اقالة احد جنرالاتنا بذريعة الضعف في تنفيذ مهمة حفظ السلام ضمن البعثة الاممية ، وعدم اجراء مشاورات مسبقة ليس فقط عدم الاحترام لنا
ولكنها ايضاً اهانة لمساهمات كينيا للسلام في جنوب السودان. يلاحظ من خلال المقال، الإنتقاد الواضح لكينيا لمجلس الأمن حول مسؤوليتها التقصيرية تجاه البعثة الأممية بجنوب السودان، والتي ترى بأنها تنقصها الامكانيات الحقيقية،والتي تعيقها بطبيعة الحال عن أداء واجباتها على أكمل وجه. الى جانب القيود السياسية داخل صفوف بعثة الأمم المتحدة والتي تحول دون أن تُنجز المهام بصورة جادة. ولكن في ظل الإمتعاض الكيني الواضح نتساءل، لماذا وافقت كينيا مجدداً على المشاركة في قوة الحماية الإقليمية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (2304)، بعد أن سحبت قواتها مؤخراً..؟! هل يتعلق الأمر بالإستجابة لمناشدات المجتمع الدولي بالعودة والمشاركة في قوة الحماية الإقليمية والمساهمة في العملية السلمية أم يتعلق بالتحولات الجارية بشأن سلام جنوب السودان ..؟!.
إذا رجعنا للوراء قليلاً، وبالتحديد في قمة مفوضية “جيمك” الرابعة والتي عقدت بالعاصمة الأوغندية كمبالا مؤخراً. فقد أثارت القمة ثلاثة مسائل هامة، وهي مسألة إستمرار كينيا في عملية السلام الحالية باعتبارها قوة كبرى لا يمكن تجاوزها في الإقليم، ثم مسألة تسريع نشر القوات الإقليمية. الى جانب مسألة أهمية الحوار السياسي الجامع لكل أطراف الصراع السياسي، وهو نفس الأمر االذي تكرر في إجتماعها بجوبا مؤخراً، والتي ناشد فيها رئيس المفوضية ، فيستوس موغاي، رئيس الجمهورية واعضاء حكومة الوحدة الوطنية الإنتقالية بالعمل من اجل السلام ونشره وسط المجتمعات ومواطني جنوب السودان، وضرورة أن توقف جميع الأطراف العنف، وإعلاء مفهوم التعاون بينهم. والتي أشار فيها الى أن إستمرار إنتهاك إتفاق وقف إطلاق النار في كل من الإستوائية وبحر الغزال. ومضيفاً، بأن ما تحتاجه جنوب السودان الآن، هو السلام، وأن شعب البلاد ينتظرون الحلول من أطراف الصراع؛ وذلك لوضع حد للخلافات ،التي ستضع نهاية للصراع وتحقيق السلام الدائم والتنمية على مستوى الوطن. وحول أداء المفوضية “جيمك” ، كشف “موغاي”، بأن المفوضية المشتركة للمراقبة والتقييم لإتفاقية حل النزاع لم تسجل أي تقدم حتى الآن فيما يتعلق بتنفيذ إتفاقية السلام، معرباً عن خيبة أمله بعد تسلمه تقارير تفيد بذلك.ومضى قائلا ” نتلقى تقارير عن تفشي موجات العنف بشكل يومي تقريباً من مختلف مناطق البلاد، الأمر الذي عكس شناعة وفداحة واجبنا وتأكيد وجود الطبيعة الهشة للسلام في البلاد”.
وفي ذات المنحى شدد “موغاي” على ضرورة إستتباب الأمن من أجل خلق بيئة سليمة وآمنة، في إشارة للإسراع في نشر قوة الحماية الإقليمية بأسرع وقت ممكن لخلق طبيعة وبيئة آمنة والتي تضمن إستمرارية تنفيذ إتفاق السلام، وهو الأمر الذي وافقت عليه حكومة البلاد مؤخراً، بترحيبها بدخول قوات الحماية الإقليمية للبلاد في أي وقت يختارونه، بحسب إجتماع مجلس الوزراء الأخير. وقد لفت “موغاي” أيضاً الى أن غياب كينيا في عملية السلام في جنوب السودان، سيشكل خسارة كبيرة، وقد يسبب أضراراً بالغة، مناشداً الحكومة الكينية بالتراجع عن قرارها الذي قضى بسحب قواتها العاملة تحت مظلة قوات حفظ السلام الدولية في جنوب السودان. وقد إختتم حديثه قائلاً ” آليات الترتيبات الأمنية الإنتقالية التي كنت قد وصفتها بالناقصة تم تفعيلها الآن حتى وان لم يتم التمثيل فيها بشكل مكتمل وشامل الا أن هناك توازن ولديها القدرة في دفع العناصر المهمة في الإتفاق نحو الأمام”.
إذن من خلال ما تم سرده في السياق السابق يتضح جلياً بأن هناك تقاطعات كثيرة إلتقت فيها الحكومة الكينية ومفوضية “جيمك” حول المسببات التي أدت الى تعثر أداء قوات حفظ السلام في الدفع بالعملية السلمية، وأهم هذا النقاط هي :
• عدم تفعيل البعد السياسي للأزمة، أي الدعوة الى الحوار السياسي الجامع بين أطراف الصراع،وهو ذات الأمرالذي تبنته القمة الأخيرة في كمبالا.
• عدم تثمين وتقدير مجهودات دول الاقليم في مساهماتها تجاه عملية السلام الحالية،وعدم إعادة النظر في طريقة تقييم هذه الجهود.
• غياب الدعم الكافي الذي يساهم في تأهيل قوات البعثة الأممية في إنجاح مهامها، والذي وصفته “جيمك” آليات الترتيبات الأمنية الإنتقالية الناقصة .
فقد كشفت كينيا في حقيقة الأمر،عن مكامن الخلل الذي يعيق أداء البعثة الأممية في جنوب السودان، وهو ذات السياق الذي ذهب إليه “موغاي” ، في إشارته الى آليات الترتيبات الأمنية الإنتقالية الناقصة . إذن يمكن ربط الموافقة الكينية على المشاركة في قوة الحماية الإقليمية القادمة، بإستجابتها للمناشدات الدولية والتي لعبت دوراً كبيراً في “عدول” كينيا عن قرارها بعدم المشاركة نهائياً في العملية السلمية، الى جانب التحولات التي طرأت في ملف إتفاقية السلام، والتي من بينها ترحيب حكومة جنوب السودان الواسع بدخول القوات الاقليمية، والتي تأتي ضمن تفويض جديد، يتيح لها بطبيعة الحال، إنجاز مهمتها بصورة أكثر فعالية عن المرات السابقة، في ظل الموافقة الحكومية على منح هذه القوات حرية الحركة على طول البلاد. كل هذه الظروف والتحولات الجارية دفعت بكينيا الى العودة الى واجهة الأحداث مجدداً، وقبول المشاركة في العملية السلمية؛وذلك عبر قوة الحماية الإقليمية هذه المرة، والتي تختلف مهامها عن مهام قوات حفظ السلام الدولية. ويجب أن نضع البعد المعنوي في الحسبان أيضاً، والذي يتعلق بخيبة الأمل التي أصيبت بها الحكومية الكينية عقب إقالة أحد جنرالاتها والتي إعتبرتها إهانة في حقها. فمن خلال هذه المشاركة الجديدة ، تسعى كينيا الى إعادة هيبتها، وتحسين صورتها التي إهتزت مؤخراً بتصرفاتها التي أثارت حفيظة المجتمع الدولي، ولا نستبعد أيضاً فرضية قيام المجتمع الدولي بالضغط على كينيا من خلال آليات مؤثرة في الواقع الداخلي الكيني.اما على صعيد البحث عن مخرج للأزمة الحالية في سياقها العام، فقد وجد الترحيب الحكومي بدخول قوة الحماية الاقليمية،ردود أفعالاً متباينة على الصعيدين، المحلي والخارجي، ما بين الإشادة والتثمين و بين التوجس الحذر، فيما قد تؤول إليه الأمورفي خواتيمها،خاصة في ظل الرفض الحكومي السابق، والذي عزز بمسيرات شعبية على طول البلاد. ولكن ما يمكن قوله في سياق التحولات المتسارعة، هو أن دخول هذه القوات الى البلاد، يمكن أن يلغي جميع المراحل السابقة في مسيرة السلام الحالي، وربما تكون بداية إستهلال مرحلة أخرى بمعطيات وأدوات مغايرة عن سابقاتها. ما يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد تحولات سياسية على مستوى الداخل يمتد تأثيراتها على دول الجوارالإقليمي.والتي من الممكن أن تدفع بتبلور واقع سياسي جديد،يمهد لأن يكون خارطة طريق تنهي أزمة جنوب السودان، ما لم تحدث مستجدات أخرى تنسف هذه الفرضية برمتها.
ky05062015@gmail.com