النور حمد
تباين التقديرين السعودي والمصري
تواجه كلٌّ من السعودية ومصر السؤال الاستراتيجي نفسه: كيف تتصرف دولةٌ حليفةٌ لواشنطن عندما تشعر أن الضمانات الأمريكية لم تعد جديرةً بالثقة المطلقة؟ ويبدو أن كلًّا من مصر والسعودية تقدمان إجابتين مختلفتين على هذا السؤال. فالإجابة السعودية، فيما يبدو، هي: بناء منظومةِ أمنٍ إقليميةٍ إضافيةٍ، تجمع المال والنفوذ السعودي، والقدرة العسكرية والصناعية التركية، والوزن العسكري والنووي الباكستاني. أما الإجابة المصرية فتبدو، حتى الآن، مختلفة، وهي: عدم الارتهان لتحالفٍ إقليميٍّ جديدٍ، وإنما التوجه إلى تنويع العلاقات بين القوى الكبرى نفسها. من هذه الزاوية، تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، والتعاون العسكري المصري/الصيني، والتدريبات العسكرية المشتركة ذات أهميةٍ ودلالاتٍ خاصة. فمصر ربما تقول لواشنطن شيئاً مختلفاً عما تقوله الرياض. فالرياض تقول، بصورةٍ ضمنيةٍ: إذا لم تعد المظلة الأمريكية كافيةً، فسنبني مظلاتٍ إضافية. أما القاهرة فتقول: إذا لم يعد الاعتماد الكامل على واشنطن مضموناً، فسوف نوسع علاقاتنا مع بكين وموسكو وغيرهما، وفي نفس الوقت، نحتفظ بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا، من وجهة نظري ضربٌ من ضروب فكرة أكل الكيكة والاحتفاظ بها، معا. فالتفاهم الدفاعي الأمريكي الإثيوبي الأخير له دلالاته المهمة. فما ورد في الأخبار عن رفض ترمب الأخير لطلب الأمير محمد بن سلمان بضرب الحوثيين ربما مثل قرصةً في الأذن. أما التقارب المصري الإريتري المتزايد، ونبره العداء المصرية المستحكمة تجاه إثيوبيا، والتحرش المستمر بها، إضافة إلى الوجود العسكري المصري الكثيف في الصومال، أمورٌ تجعل أمريكا تنظر إلى مصر كحليفٍ في طريقه لكي ينكص عن العهد وأنه قد أخذ يباعد نفسه من الحاضنة الأمنية الأمريكية، قليلاً، قليلا.
هل استدعاء الصين رسالةٌ إلى واشنطن وإسرائيل
من زاوية العلاقة بأمريكا وإسرائيل، تحديداً، ينبغي قراءة زيارة شي بينغ إلى مصر، وكذلك، التمرين العسكري المصري/الصيني بعنايةٍ وتدقيقٍ أكثر. فالقاهرة لا تستطيع بسهولةٍ الانضمام إلى حلفٍ عسكريٍّ إقليميٍّ يمكن أن تعتبره إسرائيل مهدداً لها. كما لا تستطيع مصر تجاهل الموقف الأمريكي، بالنظر إلى اعتماد الجيش المصري الطويل على السلاح والتعاون العسكري مع الأمريكيين. فخيار الميل نحو الصين يوفر، فيما يبدو، لمصر طريقًا مختلفًا لا يضع القاهرة، تلقائيًّا، داخل حلفٍ عسكريٍّ ملزمٍ ضد إسرائيل. كما أنه لا يلزمها، في الوقت ذاته، بالدفاع عن السعودية أو تركيا أو باكستان، إذا دخلت إحداها حربًا مع جهة ما، وبخاصةٍ إسرائيل. وفي الوقت نفسه يمنح هذا التكتيك مصر ثقلاً مقابلاً في علاقتها بالولايات المتحدة.
وفقًا لهذه الاعتبارات، قد يكون التقارب المصري مع الصين أقل تكلفةً، من الناحية الاستراتيجية، من الانضمام إلى حلف مكة. فمصر تستطيع أن تجري تدريباتٍ عسكريةٍ مع الصين، وأن تشتري منها التكنولوجيا والسلاح، وأن تستقبل استثماراتها، وأن تدخل معها في سلاسل توريدٍ وصناعةٍ، من دون أن توقع على التزامٍ يقول: إن الحرب على الصين حربٌ على مصر، أو أن الحرب على مصر حربٌ على الصين. هذه المرونة، تحديدًا، فيما يبدو، هي ما أرادت القاهرة امتلاكه.
لذلك فإن التزامن بين الامتناع المصري عن الانضمام إلى الحلف السعودي/التركي/الباكستاني وبين تعميق العلاقة مع الصين يستحق الانتباه، حتى إذا لم تكن لدينا أدلةٌ تثبت وجود علاقةٍ سببيةٍ مباشرةٍ بين الحدثين. فقد تكون الرسالة المصرية إلى واشنطن مزدوجةً: مصر لا تريد الانضمام إلى تحالفٍ إقليميٍّ قد يهدد النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة، لكنها، في الوقت نفسه، لن تقبل بأن يجعلها اعتمادُها على الولايات المتحدة بلا بدائل. أما الرسالة إلى إسرائيل فهي أكثر دقةً: وفحواها أن مصر ملتزمةٌ بمعاهدة السلام، لكنها لن تقبل بأن يتحوَّل السلام إلى قيدٍ يمنعها من تنويع مصادر قوتها العسكرية والاستراتيجية. وهكذا تصبح زيارة شي بينغ أكثر من زيارةٍ صينيةٍ إلى مصر، ويصبح حلف مكة أكثر من اتفاقٍ بين ثلاث دولٍ إسلامية. ويبقى الأمر، في عمومه، في نهاية الأمر، رهينًا بالكيفية التي تنظر بها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها المعتمدون في المنطقة، وأعني هنا إسرائيل وإثيوبيا إلى حلف مكة وإلى حالة التململ المصرية المتزايدة.
عنصر الاقتصاد
كنت قد أشرت في بداية هذه المقالات إلى أنني سوف أناقش لاحقًا، أي في هذا المقال، الدلالات الاقتصادية لزيارة الرئيس الصيني لمصر. وحين اخترت أن يكون عنوان هذين المقالين «التقارب الصيني المصري: دلالاته وأخطاره»، كنت أعني، إلى جانب الأخطار المتعلقة بالتحولات الاستراتيجية التي طرأت على مجمل المنظومة الأمنية في المنطقة، كذلك، وعلى وجه التحديد، الأخطار التي يمكن أن تنتج من المخرجات الاقتصادية لهذه الزيارة على السودان. ولا حاجة بي إلى القول: إن أمن مصر وتقدمها اقتصاديًّا ورفاه شعبها أمورٌ تسعدنا كثيرًا، مثلما يسعدنا تقدم ورفاه أي بلدٍ آخر في العالم. لكن، ما يزعجنا حقًّا أن يتحقق تقدم مصر الاقتصادي ورفاه شعبها عن طريق تدمير السودان من أجل نهب موارده الأولية عبر خططٍ مرسومةٍ من ضمنها تدمير السودان وحبسه في خانة الفشل عبر دعم حكومةٍ فاشلةٍ في كل شيء، أضحت بسبب مطمع البقاء في السلطة، والاعتماد في ذلك على الدعم المصري، خانعةٍ خنوعًا كاملاً للإرادة المصرية. فحكومة الإخوان والبرهان الحالية حكومةٌ لم تفعل، منذ أن جاءت إلى السلطة، سوى الارتهان المطلق للإرادة المصرية وترك باب نهب المواد الأولية السودانية مفتوحًا لمصر، على مصراعيه، نظير أن تدعمها مصر؛ عسكريًّا وديبلوماسيًّا، لكي تبقى في السلطة. كما قامت مصر من جانبها باستقطاب نخبٍ تجاريةٍ سودانيةٍ ربطت رفاهها الأسري بخدمة مصر، على حساب مصالح الدولة السودانية ورفاه شعبها.
الصين تريد مصرَ منصَّةً متقدِّمة
الجانب الأكثر عمقاً في العلاقة المصرية الصينية ربما لا يكون عسكريًّا أصلاً. فالصين، فيما يبدو، تنظر إلى مصر باعتبارها نقطةً جغرافيةً فريدةً تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. فقناة السويس والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها تمنحان مصر قيمةً لا يمكن الحصول عليها في معظم الدول العربية أو الأفريقية الأخرى. ولعل هذا هو ما جعل البيان المشترك لزيارة الرئيس الصيني، شي بينغ، يركز على تحويل مصر إلى مركزٍ إقليميٍّ للصناعة واللوجستيات والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، بحيث يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما نص البيان المشترك، أيضًا، وبصورةٍ لافتةٍ، على التعاون في «سلاسل إمداد المعادن الحرجة»، وعلى توطين صناعات السيارات الكهربائية والسفن والألواح الشمسية وأبراج توربينات طاقة الرياح وغيرها. ويمكن القول، عمومًا، إن الصين تعمل على تحويل مصر إلى مركز لتجميع المواد الخام الأفريقية وإجراء مراحل أوليةٍ أو متوسطةٍ من التصنيع على تلك المواد، قبل إعادة تصديرها. وهناك من المؤشرات ما يجعل هذه الفرضية معقولةً، رغم أن الأدلة المتاحة لا تسمح، حتى الآن، بالقول: إن نظاماً متكاملاً بهذا الوصف قد اكتمل بناؤه بالفعل.
غير أن ما يمكن إثباته هو وجود توجُّهٍ واضحٍ نحو بناء قاعدةٍ صناعيةٍ صينيةٍ في منطقة قناة السويس، تعتمد على موقع مصر والمواد الخام والطاقة وسهولة الوصول إلى الأسواق الأفريقية والأوروبية والشرق أوسطية. ومن الأمثلة المهمة في هذا الجانب، مشروع مجمَّعٍ صينيٍّ مقترحٍ للألومنيوم، باستثماراتٍ تبلغ ملياري دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إضافةً إلى مجمع للصناعات الكيميائية الفوسفاتية. وكذلك، مشروع لإنتاج حمض الفوسفوريك الذي يستهدف بوضوحٍ الانتقال من تصدير الخامات المعدنية إلى تصنيع منتجاتٍ ذات قيمةٍ مضافةٍ أعلى. ومما يساعد في كل ما تقدم أن بعض المصانع الصينية القائمة في مصر مصممةٌ أساسًا للتصدير، وليس لتلبية حاجة السوق المحلي المصري. وعلى سبيل المثال، فإن مصنع EVERFAR، الصيني للمنسوجات والملابس في القنطرة غرب، مقرَّرٌ أن يجري تخصيص كامل إنتاجه للتصدير. وتكشف كل هذه الأوصاف عن نموذجٍ اقتصاديٍّ أكبر.
مصر المِعْبَرُ الصيني إلى أفريقيا وأوروبا
الصين ربما لا تنظر، حصرًا، إلى مصر باعتبارها دولةً ذات كثافةٍ سكانيةٍ عالية، بعدد سكانٍ يفوق مئة مليون نسمةً، وحسب. أي، تنظر إليها بوصفها سوقًا ضخمةً، وإنما باعتبارها منصةً صناعيةً ولوجستية في موقعٍ استراتيجيٍّ متقدم. فالمواد الخام يمكن أن تأتي محليًّا من مصر أو من أفريقيا، ثم تجري المعالجة والتصنيع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. إلى جانب ذلك، سيكون رأس المال والتكنولوجيا والمصانع من الصين. كما سوف تتجه المنتجات النهائية أو شبه النهائية إلى أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، إضافةً إلى الصين نفسها. فالأدلة الحالية الأقوى تشير إلى أن الصين تريد جعل مصر قاعدةً للتصنيع وإعادة التصدير، وليس مجرَّد محطةٍ لمعالجة الخامات الأفريقية، وإرسالها حصراً إلى الصين. فالنموذج الأكثر طموحاً هو أن تصبح مصر جزءًا من سلسلة القيمة الصناعية الصينية الموجودة خارج الأراضي الصينية. وهذه خطةٌ تخدم الطرفين. فبينما تقوم الصين بتنويع قواعدها الإنتاجية وتقترب أكثر من الأسواق، مستفيدةً من موقع قناة السويس. تحصل مصر، في المقابل، على الاستثمار وتوطين التكنولوجيا وفرص العمل وعوائد الصادرات التي تحتاجها بشدة.
الخطر على السودان ودول الحزام
لا ينبغي النظر إلى التقارب الاقتصادي المتسارع بين الصين ومصر بمعزلٍ عن الخريطة الأوسع للموارد في أفريقيا، وبخاصةٍ في الدول المجاورة لمصر التي تعاني من الحروب وهشاشة مؤسسات الدولة؛ مثل السودان وتشاد وليبيا وغيرها من دول المنطقة. فالصين، بوصفها أكبر قوةٍ صناعيةٍ في العالم، تحتاج، باستمرارٍ، إلى تدفقاتٍ ضخمةٍ ومستقرةٍ من المواد الخام والمنتجات الزراعية والحيوانية. أما مصر، فتسعى، وفق ما أُعلن في الاتفاقات الأخيرة بين البلدين، إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا للصناعة والخدمات اللوجستية يمكن أن يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، كما سلفت الإشارة. وقد اكتسب هذا التوجه المصري دفعةً إضافيةً مع تطبيق الصين، ابتداءً من مايو 2026، إعفاءً جمركيًّا واسعًا لصادرات الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية. كما جرى ذلك بالتزامن مع مساعٍ مصريةٍ معلنةٍ لزيادة الصادرات إلى السوق الصينية وتحسين الميزان التجاري، المختل بشدَّةٍ لمصلحة الصين. كل ذلك يطرح سؤالاً مهما وهو: من أين ستأتي المواد الأولية التي تغذي هذا التوسع المصري في التصنيع والتصدير الذي يخدم الصين؟
تكمن خطورة الأمر في احتمال تشكُّل ما يمكن تسميته بـ«التجارة الثلاثية الاستخراجية»: دولةٌ أفريقيةٌ هشةٌ تنتج المواد الخام؛ كالسودان وتشاد والصومال وإريتريا وجيبوتي وغيرها، ودولةٌ وسيطةٌ أكثر قدرةً على التجارة والتصنيع والخدمات اللوجستية، تمثلها في هذه الحالة مصر. ثم، سوقٌ صناعيةٌ واستهلاكيةٌ هائلةٌ هي الصين وغيرها. في مثل هذه المنظومة يمكن أن يظل السودان وتشاد وما شابههما في أسفل سلسلة القيمة، بينما تنتقل مواردهما إلى مصر بأسعارٍ متدنيةٍ، ليجري فرزها وتنظيفها وتعبئتها أو تصنيعها جزئياً، بحيث تدخل إلى السوق الصينية، وغير السوق الصينية، بقيمةٍ أعلى. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خطةٍ مصريةٍ/صينيةٍ معلنةٍ للاستيلاء على موارد هذه البلدان؛ وإنما يعني أن البنية الاقتصادية الجديدة تخلق حوافز قويةً لحدوث ذلك، خصوصًا عندما تتعامل مصر مع دولٍ فاشلةٍ أضعفتها الحرب وتمكن من مفاصلها الفساد، وانهارت فيها أجهزة الرقابة على الحدود والصادرات، كالسودان.
تتضح حساسية هذا التعاون الصيني المصري أكثر، وبصورةٍ خاصَّةٍ، في الوضع السوداني الحالي، الذي أخذت تديره مصر، من وراء الستار، منذ انقلاب الفريق البرهان على ثورة ديسمبر في أكتوبر 2021. فاللحوم والجلود والصمغ العربي والسمسم والكركديه والسنمكة والقرض والتبلدي وغيرها من المنتجات الزراعية والنباتية التي تتعاقد مصر مع عديد الجهات لتصديرها، هي من الموارد السودانية الأولية المعروفة. بل، إن بعضها يحتل فيه السودان، في الأسواق العالمية، مكانةً متميزة ًجدًا، بوصفه منتِجًا رئيسا لهذه المواد الخام. وقد سبق أن أثير داخل السودان جدلٌ كثيفٌ كما أقيمت شواهد بالغة القوة على خروج المنتجات السودانية إلى مصر وإعادة تصديرها من هناك، وكذلك، حول تزوير مستندات الصادر وشهادات المنشأ. ولذلك فإن أي توسُّعٍ كبيرٍ في الصادرات الزراعية المصرية إلى الصين أو إلى غيرها يقتضي، بالضرورة، طرح سؤال المنشأ وهو: أيُّ نسبةٍ من القيمة المصدَّرة أنتجتها مصر بالفعل، وأي نسبةٍ جاءت موادها الخام من السودان أو تشاد أو غيرهما؟ بل، ولماذا لا يقوم السودان بإضفاء القيمة المضافة على مواده الأولية؟ وأيضًا، من المستفيد من حبس السودان، بمختلف الطرق، خارج دائرة التصنيع، بجميع مستوياته، أصلا؟
