شَذَرَات مِنْ تَاريخ وتُراث المَقَل والحِجِيْر
مُؤانسة مَع العَم أحمد الفَضُل
تحرير عادل سيد أحمد
1
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الخمسينيات، عندما كان الاستعمار في أوجه، احتاج المستعمرون إلى من يصف لهم الوضع في الأقاليم، وحالة السودانيين حتى يتعرفوا على من يحكمونهم في أبعد المناطق.
جاءت الفكرة من الاستعمار بأن يقوم بإنشاء مدارس تبدأ من أولى إلى ثالثة وتنتهي على ذلك، توفر من يقومون بالتحرِّي من أفراد الشرطة، ومن يقومون بالمراسلات بين العمد والرئاسة ثم يترجم لهم موظفوهم في العواصم المختلفة، آن ذاك ظهرت فكرة إنشاء (الكَتَاتِيبْ) من الصف الأول إلى الثالث، ولا يتقدم بعدها التلاميذ. وقبلها كانت الخلاوي، لكن في الخلاوي يدرسون القرآن وعلوم الدين، ولكن كان تركيزهم على اللغة والكتابة ضعيفاً، لذلك لجأ الاستعمار لإنشاء (الكَتَاتِيبْ).
2
وأريد أن أتكلم عن مدرستنا (للكُتَّاب)، التي كانت موجودة في منطقة المدارس الحالية الآن، في نهاية الحجير في الساقية (نمرة إتنين) يعني تقع بين المقل والحجير.
أنشئت هذه المدرسة سنة 1944م. ولكنها لم تكن في وضعها الحالي، فقد كانت في منطقة أخرى، لا أدري أين؟
في ذلك الوقت، لم يكن هناك مدرسون حيث لا يوجد من يقوم بهذا العمل، كل الناس الذين كانوا موجودين هم أيضاً خريجو كُتَّاب أو المدرسة الأولية (إلى السنة الرابعة) وهكذا.
في البداية بدأت هذه المدرسة، بحسب علمي، بأن يُدرِّس فيها (عبد الهادي أحمد نصر)، ودَرَّس فيها (جَلَاد عبد الله)، لكن بعد ذلك جاء المدرسون (عَلِي يوزباشا)، (علي عثمان) و(محمد شريف)، وهؤلاء هم أوائل من أصبحوا أساتذة في سنة 1944م.
أول دفعة قُبلت في هذه المدرسة (من التلاميذ) أذكر منهم:
أحمد عبد المطلب.
عثمان أحمد عثمان.
عثمان الحسن محمد صالح.
خير السيد زايد.
حسن محمد أحمد الفضل.
عطا المنَّان ود فاطمة.
عطا المنَّان الكيك.
محمد حسن دياب وآخرون.
انتقلت المدرسة في سنة 1946م. إلى موضعها الذي توجد فيه الآن المدرسة المتوسطة، واستمرت إلى 1952م.
هنا صُدِّقت المدرسة لتُرفَّع من مدرسة صُغرى بنظام الثلاث سنوات إلى مدرسة أوليَّة (أربع سنوات)، وبدأت هذه المدرسة في العمل، ثم هدموا الموقع القديم. والموقع القديم أنا سمعت شخص قال:
- (كانت مجرَّد غرف ليس فيها حُوش).
لكن أذكر أنا أنه كان فيها حوش كامل وقد درسنا فيها ورأينا الحوش بأم أعيننا. في سنة 1952م. تقرر بأن تُرفَّع إلى مدرسة أولية، وكون أنها تُرفَّع إلى مدرسة أولية فذلك كان جهداً كبيراً جداً من أبناء المنطقة كلهم، ويجب إلا يدعي أحد الفضل فيه منفرداً. وكانت لنا شركة في الخرطوم. وأذكر من الذين بذلوا مجهوداً كبيراً في هذه العملية: (محمد خير السيد)، و(شَبُو) ومعهم، طبعاً، (محمد عثمان الحسن حميدة) ومعهم (عَلِيْ الكَسَّارِي) الذي لا يزال موجوداً على قيد الحياة، ويمكن أن تسألوه ليشرح لكم هذا الكلام.
وكان الطلب كبيراً جداً من أغلبية أهل الأراك لإنشاء هذه المدرسة، وفعلا صُدِّقت المدرسة باسم (عُمُودِيَّة الأراك) ووضعت بعناية، وليس محض صُدفة، في الوسط، وطبعاً عُمُودية الأراك تشمل: - مَقَاشِي.
- حِزيمة.
- البخيت.
- المَقَل.
- الحِجير.
- الأراك.
- الكَرَفَاب.
والسَّهْل في الوسط هو المنطقة التي توجد فيها المدرسة الآن.
ولم تكن هناك أي مشاكل، هناك من يقول إنه كانت هناك مشاكل وصراع، ولكن أبدا لم يشِبُّ أيُّ صراعٍ، ووُضعت هذه المدرسة في ذلك المكان، وبدأ البناء فيها.
عندما بدأ البناء في المدرسة الأولية حُوّلت المدرسة الصغرى إلى منطقة هم يقولون عنها (الكرارِق) في خلوة صالح وفيها بعض الغرف، وأضيفت لها كرارِق، وانتقلوا إليها في سنة 1953م. حيث قُبلت الدفعة الأولى للمدرسة الأولية في الكرارِق. حيث كان الصف الأول مدرسة أولية، والصفين الثاني والثالث مدرسة صُغرى.
بدأ العمل في بناء المدرسة، وشارك فيه عمال كثيرون جداً. وأنا أتذكر رئيسهم وقد كان رجلٌ طويل أسود البشرة ويلبس جلابية سوداء أيضاُ.
في 1954م. اكتمل البناء وانتقلنا من أولى لثانية، أولى قضيناها في الكرارِق، ثم نُقلنا لثانية، وصارت هناك ثالثة صغرى في فصلٍ واحد. وكان الناظر في ذلك الزمان هو الأستاذ (الهادي أحمد الشفيع)، وكان قد جاء للمرة الأولى، وكان من أساتذتنا الأستاذ (سراج الدين الجزولي)، و(عَلِيْ يوزباشا)، أما محمد شريف وعلي عثمان فقد نقلا إلى مدارس صغرى في البرصة وجِلاس.
3
تكلمت في الفقرة السابقة عن أنه كانت هناك جهود من أبناء المنطقة، وذكرت بعضهم، ولكن في هذه الفترة بدأت تظهر الأحزاب، وبدأ الوعي ينتشر واقتربنا من الاستقلال، لذلك بدأت الأحزاب (الوطن الاتحادي والأمة وغيرهما) تضغط على أساس أن تُفتح مدارس في الأقاليم، وكانت منطقة عمودية الأراك، وناس العمودية كلها، اشتركوا. ومنهم عبد الرحيم عبدو كاشف وهو من عندنا واشترك فيها ناس الأراك كلهم اشتركوا على أساس تأسيس مدرسة أولية. وكان القرار بالفعل بقيادة الأحزاب لأنها كانت قائدة وتعمل على فتح مدارس في الاقاليم وكذا. ولذلك تم فتح مدرستنا هذه في سنة 1953م. للأراك. وفُتحت مدرسة منصوركُتِّي وفي القرير، والدبة وأخرى في منطقة دنقلا في نفس السنة.
لذلك لم يكن هناك أي مشاكل أو نزاعات، بل توافق تام حيث صٌدقت مدرسة الأراك، وهي كما قلت لكم في وسط العمودية وهو المكان الأنسب لإقامة المدرسة، في حدود منطقة كافوتة، مقابل الساقية الثانية من الحجير، بين المقل والحجير، ولم يحدث نزاع كما ذكر أحد الاخوة، بل حدث ذلك النزاع عندما صدقت المدرسة المتوسطة.
فعندما أعلن عن القبول للمدرسة الأولية للمرة الأولى، ووزعت الدعوة لكل أطراف عمودية الأراك لإحضار أبنائهم الذين تتناسب أعمارهم مع الاختيار وجئنا نحن في ذلك اليوم، وجاءت أعداد كبيرة جداً، وجاء الآباء، وكنا نحن قد أكملنا مرحلة المدرسة الصُغرى. وكل التلاميذ الذين جاءوا درسوا الصغرى وأكملوها، ورجعوا بعدها إلى بيوتهم لأن لم تكن لديهم فرصة لمواصلة تعليمهم هنا.
وعندما جاء كل المتقدمين وكانوا كباراً، أقل واحد توقف عن الدراسة كان عمره عشرة أو أحد عشر سنة، وبعضهم كان في الثانية عشر. حتى أنني أذكر أن (محمد سعيد محمد وَدِيدي) كان يجلس على مسطبة بعيدة، وقال له أحدهم:
- أنت كبير، فكيف تريد أن تقف مع الناس؟
فرد عليه قائلاً: - لا، أنا لن أقف!
لكن بمجرد أن جاء المفتش الإنجليزي نطَّ وجاء ليقف معنا محاولاً إخفاء طوله.
ومع ذلك اختاره المفتش، الذي كان يعاين الناس المناسبين، وقال: - نريد اختيار خمسين تلميذاً.
فكان التلاميذ يضبطون وقفتهم، فإذا كان التلميذ طويلاً يرخي أرجله وإذا كان قصيراً يشِب.
على العموم كان العدد الكُلي خمسة وخمسين، تم اختيار خمسين منهم بنظام (القُرعة)، حتى أنني أذكر إن ورقة زميلنا (فرح نور الدين) كانت فارغة فلم يحالفه الحظ، رحمه الله، وأنا لا أعرف إن كان فرح حيَّاً أم لا.
وهكذا، تم الاختيار في ذلك الوقت للمجموعة الأولى التي ستدخل المدرسة، وفيها درسنا أولى كُتَّاب في الكرارِق، واستلمنا نتائج السنة الأولى في المبنى الجديد، وكذلك ثالثة صُغرى.
4
تأكيداً لأن المدرسة هي مدرسة الأراك، وتشمل كل هذه المناطق، كان التلاميذ الذين قبلوا في المدرسة خليط من قُرى مقاشي، وحزيمة، والبخيت، والمقل، والحجير، والأراك، والكرفاب.
وأنا الآن اتحدث من الذاكرة، يعني لا أستطيع أن أحدد الناس كلهم، لكن من مقاشي كان معنا (الأمين محمد أحمد)، ومعه ثلاثة آخرين لا أتذكر أسماءهم، ثلاثة من مقاشي كأني أراهم أمامي الآن، لكن الأسماء اختلطت علي، للأسف!
من حزيمة:
- أحمد عثمان سعد بشير.
- سر الختم علي سر الختم.
- أحمد علي سر الختم.
- عبد الله عبد الماجد سر الختم.
وأيضاً من البخيت كانوا ثلاثة منهم (جعفر) وقد قابلته قبل فترة قريبة.
وعندنا من المقل: - علي عثمان علي الشيخ.
- عبد السلام الصُّولي.
- عبد الله عبد الله بخيت.
- محمد سعيد وديدي.
- حسن أبو زيد.
- سيف الدين محمد.
- بشير علي الحُمُودي.
- أحمد ومحمد عبد الوهاب الرضي.
- محمد محمد الحسن علي حسن.
- الفاضل محمد الحسن.
- تاج السر عوض أحمد فضل (جاءنا في السنة الرابعة).
- جعفر عبد المطلب أحمد (جاءنا في السنة الرابعة).
ومن الحجير: - محمد علي خلف الله.
- محمد إبراهيم.
- عَلِي عبد العاطي.
- عباس عوض الكريم.
- أحمد علي أحمد الفضل.
- أحمد محمد الفضل.
- إبراهيم عبد الله الحسن.
- تاج السر بخيت.
- محمد محمد الحسن علي طمبل.
- أحمد محمد الحسن علي طمبل.
- الزين أحمد توم.
- عبد المطلب الخضر.
وعذراً إذا سقط أسم لأنني أكتب من الذاكرة.
من الأراك: - النور أبو زيد.
- عبد الرحمن خالد.
- المنصور حمزة المنصور.
- جبريل سعد جبريل.
- الشاذلي الطيب.
- عبد الله أبو القاسم.
- أحمد علي حُمَّداني.
ومن الكرفاب كان هناك شخص (فُتُوَّة) وقد قابلته قبل فترة وجيزة لكنني لا أتذكر اسمه.
بدأت المدرسة، وبدأت هذه المجموعة وهي أوَّل دفعة عندنا، ولكن منهم من غادر من السنة الأولى وذهبوا من عندنا، ومن هؤلاء أولاد (عبد الوهاب الرضي)، هم ومعهم محمد إبراهيم غادروا، ولكن هناك من استمر معنا حتى النهاية.
لكن المدرسة استمرت على هذا الحال إلى ان تمت السنة الرابعة، وكنا نحن الدفعة الأولى، وقد قضيناها في الكرارِق في سنة 1953م.
وبعد أن انتهت المدرسة الصغرى وناظرها عَلِي يوزباشا، ظهر بعده اثنان من النظّار، كان يسكن أحدهما مقابلاً للمدرسة، في بيت في طرف الخلاء وكان يخاف من (الضَّبْعَة). وأظنه حلفاوي.
وجاء آخر كان يزورنا في البيت يجيء ليستمع إلى الراديو عند عمي (علي) وكان عندما يغني (الكاشف) يقول: - الله، الله… الله!
وكان الراديو في ذلك الزمن نادراً ومحصوراً عند ثلاثة أشخاص: شبو في المقل، وعمي علي أحمد الفضل في كافوتة، والثالث شخص في السَّعِيدَاب في الأراك، وكنا نذهب على ظهور الحمير لنستمع عندهم للراديو ولا سيما برنامج (حَبُّوبَة فاطمة).
بعدهم مباشرةً جاء الهادي أحمد الشفيع (رحمه الله)، وكنا نحن في السنة الأولى، وقد كان له دورٌ مؤثر، وكان ناظراً تربوياً ممتازاً، وسأخصَهُ بالحديث في فقرةٍ خاصةٍ به في هذا الكلام.
في نهاية السنة الأولى ظهرت نتائجنا للنقل إلى ثانية، وأعطونا إياها في المدرسة الأوليَّة، وقد كانت مدرسة جميلة، فيها قُبَّة، مبنى لم نرَ مثله من قبل، وكنا ننظر إليه ونتأمله.
من الناس الذين تخرجوا من ثالثة صغرى، وأخدوا نتائجهم معنا كان: إسحق محجوب. وإسحق محجوب هذا دخل في فصل السنة الثالثة، وكان في الفصل مطلي بطلاءٍ جميل، فكتب تذكاراً منه بالفحم على الحائط، وهذا ووصل الخبر للناظر الهادي أحمد الشفيع، فأحضروه وجاءوا بعَتَاوْلَة (عُتَاة) كانوا أكبر طبعاً من تلاميذ الصغرى، يعني أعمارهم كانت حول العشرين سنة، ولم يكن هناك تحديد لسن القبول. جاءوا بهؤلاء (العَتَاوْلَة)، ونصحنا إسحق بأن يشرد، وقلنا له: - الناس ديل حيدقُّوك!
فقال: - لا، أنا عايز آخُد شهادتي.
لأنه كان يفتكر إنه سيحتاج لشهادة السنة الثالثة خاصته في المستقبل.
قبضوا إسحق، وأمسك به أربعة من العَتَاوْلَة (كبار التلاميذ) ورفعوه، فجلده الناظر جلداً مبرحاً، ثم ألقوا به أرضا حتى ظننا إن بطنه انبعجت. وكان ذلك من المواقف التي لا تُنسى.
ونزلنا في السنة الثانية في المدرسة الجديدة، وهي المدرسة الحالية التي كُسِّرَت الآن، وصارت وسطى، وبنيت بنياناً جديداً، وقد كان أول ناظر فيها هو الأستاذ الهادي الحمد الشفيع.
وكان من بين الأساتذة: - علي يوزباشا.
- سراج الدين الجزولي.
- الزين علي عمَّار.
انتقلنا إلى ثانية، وأنا أذكر قيمة الهادي أحمد الشفيع، الذي نظر في أمر الكثيرين ممن كانوا قد انتهوا من الصغرى. ثم يعني سيغادرون، ولكنهم كانوا أولاد أذكياء ونجباء فعلاً.
فأتى بسبعة أو ثمانية من خريجي الصغرى، ونحن في السنة الثانية أضافهم لنا، وقال: - الناس ديل يواصلوا معكم!
وبدأ بالشُطَّار مراعياً مواقع أهلهم، وبعضهم رفضوا مثل (علي المدني) وقد كان تلميذاً شاطراً، لكنه لم يستطع أن يواصل، وأيضاً جعفر عوض الكريم وقد كان أول الفصل في الصغرى التي انتهت، ونادى عليه لكي يجيء وينضم، ولكنه قال إنه يريد أن يذهب ويعمل لأن أهله يحتاجونه فسيسافر.
وقد لاقيت جعفر هذا في الطريق، فقال لي: - كيفك؟
- كويسين!
- إنت مش كنت أول الفصل؟
- نعم، لكن جابوا لينا تمانية من ثالثة صغرى رجعوهم لينا. طبعا لا توجد طريقة لمنافستهم لأنهم أعادوا السنة، ونحن أتينا لثانية من الصف الأول.
قال لي: - ياخي! والله، بس إنت جيب النمرة الكاملة.
والله لا أنسى هذا الكلام، وأنه قال لي: (بس إنت جيب النمرة الكاملة ولن يتفوَّق عليك أحد).
واستمر الأمر كذلك، فسبحان الله!
amsidahmed@outlook.com
