التمهيد الأدبي والفني للإنتفاضة، دائما رفيق الثوار وحليف نضالهم .. بقلم: جابر حسين
( غنيت معاهم سودانا يا سودانا….
واقع الحال تحت حكم الديكتاتورية وعسفها هو الذي، برغم ارادة السلطة، يراكم في العصيان والثورة ويهيئ الجماهير للإنتفاضة والثورة. وفي مثل هذه الأوضاع فأن مقاومة الجماهير وقدراتها نفسها تأخذ في الإتساع والإحتشاد لتكون في خدمة التغيير والثورة، وغالبا، مثلما يحدث الآن، تلجأ السلطة إلي أساليب التضليل والخداع وإلي القهر والقمع والإعتقالات للقوي المعارضة وتجري عمليات تعذيب وقهر وقتل أيضا! مثل هذا الواقع هو الذي يسمي في الأدب السياسي ب ( الأزمة الثورية ). ولكن، والحال كذلك، كيف يتم شحذ الهمم ووالوعي لدي الجماهير؟ ذلك ما سوف نراه عندما نتناول مظاهر الإبداع الأدبي والفني التي ساهمت، بفعالية وإقتدار، في إذكاء جذوة الوعي لدي الجماهير ودفعها للنضال والكفاح لإسقاط الديكتاتورية والإنتصار للشعب والوطن. يحدث الإنتصار علي الديكتاتورية عندما تتوفر للجماهير قدرات عالية محكمة في التنظيم والوحدة يتقدمها وتقودها قيادات مدركة وفاعلة، ذلك سيكون لحظة إندلاع الثورة لا محالة. لكن أرادة الجماهير لا بد لها، عبر نضالها الجسور، أن تنتصر، فقد أثبتت تجارب نضالات الشعوب وثوراتها أنه مهما بلغت شراسة وعنف الديكتاتورية، فأن الجماهير تتمكن من مقاومتها ومنازلتها وهزيمتها. لقد كانت سلطة السفاح نميري ممعنة في القمع والبطش، مسلحة بالجيش والأمن بعد أن جرت عمليات واسعة لجعلهما من أدوات السلطة المسلحة ودربت خصيصا لقهر الإنتفاضات والمعارضين، يسندها ترسانة من القوانين المقيدة للحريات، وقد حظرت الأحزاب والنقابات، وذلك ما حدث أبان ديكتاتورية عبود أيضا، لكن، برغم ذلك كله، إندلعت ثورة أكتوبر المجيدة وهزمت الديكتاتورية. وكان نظام مايو محمياً أيضاً بالجيش والشرطة وأجهزة بوليسية وله حزب سياسي ، ومنح الدستور نفسه نظام نميري سلطات استثنائية واسعة مدنية ودينية ، فكان الرئيس القائد والأمام المجاهد . لكن الشعب صارعه ولاحقه بصرخة لن ترتاح ياسفاح حتى صرعه. ولم يكن ذلك بمعركة وحيدة ، ولم تأت الانتفاضة ضد النظام المايوي من عدم : فقد كانت هناك 19 يوليو 1971 وشعبان 1973 وسبتمبر 1975 ويوليو 1976 وإضرابات عمال السكة الحديد والطلاب والمظاهرات والتمردات في الجنوب وانتفاضة دار فور وغيرها. رغم لجوء السفاح إلى التطهير الدوري لأجهزة الدولة من الشيوعيين والديمقراطيين وتعديل الدستور لمنح نفسه أوسع الصلاحيات ورغم التعذيب وقوانين الشريعة واستخدام سلاح الإعدام .
رغم الأخفاقات الموضوعية التي أعقبت إنتصار الثورة ، فقد غدت ، من جملة دروس الإنتفاضة، فقد ظل تحريض الشعب علي الثورة ضد الطغيان درسها المهم والأساس ، مقدمة نضالية متوهجة في وجدان الشعب وقيمة عالية وملهمة في مسيرة شعبنا صوب التحرر والتقدم والديمقراطية والسلام . فالقصيدة، والإبداع المجاور لها، غدت سجلا حافلا بتلك القيم النبيلة للثورة . فلم يغفل ، إلا القليل الذي لا يأبه به ، ذكر مآثر الثورة والتغني بامجادها وقيمها التي ترسخت ، من بعد ، في ضمير شعبنا ، نبراسا ينير الدروب ويلهم الشعوب و … يناديها صوب المستقبل . كانت ، إذن ، أكتوبر، ومن بعدها الإنتفاضة، حاملات الآداب جميعها والفنون، في تنوعها، إلي وجهة المستقبل . الشعر الأكتوبري، وشعر الإنتفاضة، نجده في أبهي دلالاته ومعانيه ولغته أيضا عند محجوب شريف وحميد والقدال وكجراي ومحمد محي الدين وغيرهم وغيرهم وهي، تلك الجذوة ، أيضا ، تلتقي بكمال الجزولي وبمحمد المهدي بشري وفي لقاء محمد المكي إبراهيم و صاحبي الجميل مبارك بشير ، ومبارك حسن خليفة ، وتستكمل سجلها الإبداعي فتلتقي أيضا هاشم صديق وفضل الله محمد والطاهر إبراهيم وفضل الله محمد وغيرهم ، وتتعرف علي الأشعار الأكتوبرية لدي عبد المجيد حاج الأمين والطاهر إبراهيم ومصطفي سند ومحجوب سراج ومحمد يوسف موسي وغيرهم ، ثم إلي حداة الثورة من المغنين ، محمد وردي و محمد الأمين وأبو عركي الذي كتب بنفسه عن الثورة وتغني بها ، والكابلي وأم بلينه السنوسي ، وصلاح مصطفي وخليل إسماعيل ، فلم يتأخر عن ركب الثورة من الشعراء والفنانين إلا من تنكب طريق الثورة فغدا في العميان الذين لا يرون من الوطن والشعب إلا السهي و اللغو البعيد عن جادة الحياة . نعم ، كانت أغاني الثورة وأناشيدها تزحم الأفق بالألق المشع وبالحماسة وحب الوطن ، كان المسرح حاضرا ، التشكيل كان حاضرا ، الموسيقي والغناء حاضران ، وبجانب الشعر ، وهوفي تجليه العالي ، علينا أيضا أن نبحث عن وجوه وملامح أكتوبر والإنتفاضة في القصة والرواية ، فتلك الأعمال جميعها ، الأدبية والفنية ، منها ما كتب قبل الثورة ، فكانت إرهاصا ونبوءة إليها ، ومنها ما كتب إبان عنفوانها وتجلياتها وهي قيد الإنتصار ، ثم منها ما كتب بعد إنتصارها المجيد ، لابد، إذن ، من السعي لإعداد درس وتقص ليكون ( سجلا ) حافلا لتجليات ثورة أكتوبر والإنتفاضة في حقول الآداب والفنون جميعها ، سجلا جليلا يكون حاضرا لأحد أهم الأحداث علي مر تاريخنا المعاصر . وللذكري، ونحن نعيش، الآن، مرحلة نهوض إنتفاضة حقيقية تسقط ديكتاتورية الإنقاذ وتحقق لشعبنا الحرية والعدالة والديمقراطية والسلام، أن نذكر أن شعارات المقاومة إبان الإنتفاطة كانت: ( جددناك يا أكتوبر في أبريل / بعزم أكيد وعهد جديد – السجن ترباسو إنخلع / والشعب بي أسرو إندلع / قرر ختام المهزلة – بلي وإنجلي / وانهد كتف المقصلة ). أليست هي نفسها تقريبا التي تظلل أفق نضال شعبنا اليوم؟
لا توجد تعليقات
