التنمية المستدامة واستحقاقات السلام بالسودان: الاعتماد على الذات أم التعويل على الآخر .. بقلم: النور فضل النور
28 أغسطس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
67 زيارة
ذكر صديقي د. الوليد آدم مادبو في مقاله “اقتصاد السودان ما بين ردهة الجهنمية والمعضلة التنموية” أن الثورة التونسية قد نجحت سياسياً ولكنها فشلت، أو كادت تفشل، اقتصادياً، وأشار إلى ما مفاده أن النخب التونسية هي التي تمكنت من احتواء الموقف إلى حد ما.
لا شك أن فشل ثورة ما اقتصادياً يؤدي إلى فشلها سياسياً ومن ثم ربما الرجوع إلى المربع الأول أو أسوأ من ذلك – خاصة في الحالة السودانية بالغة التعقيد.
ولا شك أن هناك العديد من التحديات التي تواجه سودان اليوم وتركيبته بالغة التعقيد. ورغم أن بعضها يُعتبر أكثر أهمية من الآخر، مثل قضايا السلام، إلا أنها تحديات متشابكة ويعتمد تحقيق أحداها على تحقيق الآخر، مما يستدعي إيلائها ذات القدر من الأولوية والتعامل معها في ذات الوقت وإن كان ذلك بواسطة آليات وجهات مختلفة تؤدي دورها بشكل متزامن حتى تتناغم النتائج المرجوة بشكل شبكي بحيث يقوم كل عنصر بدعم العناصر الأخرى.
وفقاً لهذه الرؤيا، هناك ثلاث قضايا متداخلة أتناولها هنا:
1. قضية السلام
2. السياسة الخارجية
3. التنمية الشاملة والبنى التحتية
هذه القضايا متداخلة بحيث لن يكتمل السلام أو تُرسى دعائمه بدون تحقيق استحقاقات التنمية المتوازنة. ولن تتحقق التنمية الشاملة والبنى التحتية في ظل تربص إقليمي بالثورة وعدم وجود اكتراث دولي كافٍ إزاء السودان – وهذا هو جانب السياسة الخارجية. إضافة إلى ذلك، من غير المحتمل تدفق الاستثمارات الأجنبية في ظل عدم الاستقرار وحكومة انتقالية يكتنفها التنازع.
يقودنا هذا إلى ضرورة الاعتماد على الذات في عملية إعادة البناء. تجدر الإشارة هنا إلى أنه رغم المصاعب الجمة التي تواجه الحكومية الانتقالية، إلا أنها تتوفر على عوامل إيجابية لم تحظى بها أية حكومة من قبل:
1. اجماع وطني عريض يضم ألواناً من الطيف السياسي والإثني والجهوي – عدا عن جيوب النظام البائد ومن أبى من سواهم
2. عزيمة وإصرار شعبيين ومشاعر كرامة وطنية متصاعدة
3. جيل من الشباب منعتق بدرجة كبيرة من تراكمات وعثرات الماضي ومصمم على حراسة ثورته والمضي قدماً
4. سودانيو الشتات: لقد انقلب السحر على الساحر. تشرد الملايين نتيجة لسياسات العهد البائد الممنهجة والتي كانت ترمي لإبعاد كل من يخالفه. فإذا بالكثير من هؤلاء يتبوؤون المناصب في المراكز المرموقة بالغرب ويسهمون بصورة فاعلة في اسقاط النظام. علاوة على ذلك، رغم غياب البيانات، يمكن القول إن القيمة الكلية لأصولهم ومدخراتهم تبلغ شأواً عظيماً، علاوةً على الخبرات المتقدمة التي اكتسبوها في العالم الأول.
هذه العناصر مجتمعة تشكل بارقة أمل نحو إعادة بناء السودان، ومن ثم تحقيق السلام، بواسطة أبناءه وما يملكون من موارد مالية كبيرة في الخارج الداخل، وما يتسلحون به من خبرات.
وقد دعت أصوات سودانية مخلصة في الآونة الأخيرة إلى جمع مبلغ 8 مليار دولار من خلال جهد أسمته “دولار الكرامة” لدعم قيمة الجنيه السوداني، وذلك في شكل ودائع بدون أرباح لدى البنك المركزي. هذه بلا شك دعوة وطنية خالصة ممكنة التحقيق وتستحق التقدير. وبما أنها قد بدأت تحظى بالرواج والقبول، أرى أنه بإمكاننا أن نذهب أبعد من ذلك ونتجه نحو إنشاء مؤسسة عامة للتنمية القومية، شركة مساهمة عامة قابضة مملوكة للشعب السوداني برأس مال ضخم يبلغ 25 مليار دولار ابتداءً. وبصفتها شركة قابضة، تنشئ بدورها شركات تابعة كل واحدة تختص بمجال تنموي معين من المجالات المقترحة التالية في كافة الأقاليم ذات الصلة:
1. الثروة الحيوانية (قرى ومزارع نموذجية لاستقرار العرب الرحل وتلافي النزاعات القبلية والدفع بالإنتاج إلى معدلات عالية)
2. الزراعة (تشمل تولي مشروع الجزيرة وإعادة تأهيله، والبحث والتطوير في الصمغ العربي، علاوة على إعادة تأهيل مشاريع زراعية أخرى وإنشاء مشاريع جديدة)
3. الصناعات الزراعية ذات الصلة، مثل تعليب الفواكه والخضروات ومسالخ متطورة لتصدير اللحوم ومصانع لمعالجة الجلود بالطرق الحديثة وتصديرها
4. السكك الحديدية، لربط مناطق الانتاج مع الموانئ البحرية، ولربط الموانئ البحرية مع البلدان غير الساحلية المجاورة، علاوة على خطوط المسافرين
5. المطارات
6. الطرق السريعة ذات العائد التجاري (الدفع عند الاستخدام)
7. النفط والتعدين
8. الخطوط الجوية
9. الخطوط البحرية، لشحن منتجات البلاد في أرجاء العالم (طالعوا السكك الحديدية)
10. أنظمة التصريف الصحي التجارية في المدن الكبرى، على شاكلة الدول المتقدمة
11. توليد الكهرباء، مع التركيز على الطاقة الشمسية
12. تنقية وتوزيع المياه
13. السياحة: المعالم الأثرية في الشمال والغوص والشعاب المرجانية في البحر الأحمر وغابات الدندر وجبل مرة وجبال النوبة ، إلخ.
14. كليات خاصة بمستوى عال (للنقاش)
15. أية مجالات أخرى ذات صلة يتم تحديدها واعتمادها لاحقا
علاوة على أنشطتها التنموية، تضطلع هذه المؤسسة بمسئوليات اجتماعية في مقدمتها التدريب والتأهيل والتطوير للشباب في المجالات المذكورة مع التركيز على مناطق الهامش.
هناك تصور لهذا المقترح يتكون من عدة صفحات لا يتسع المجال لنشره كاملاً هنا، ولكني أطرح الفكرة للنقاش عبر هذا المنبر الذي يضم كوكبة من المفكرين. وفي النهاية أقول:
إن كان شهدائنا قد دفعوا دماءهم مهراً لتحرير هذا البلد واستعادة كرامته وإعادة بناءه، يجب علينا نحن الأحياء أن نوفيهم وأسرهم حقهم، عزة وكرامة، وألا نستجدي أحدا لتحقيق ما ماتوا لأجله
وإن كنا قد أذهلنا العالم بتحقيق هذه الثورة العظيمة، بإمكاننا أن نذهله مرة أخرى بإعادة بناء بلدنا بأنفسنا
النور فضل النور
alnoorfadhl@yahoo.com