التنمية، حلم المستقبل على فوهة البندقية: قراءة في رؤية السيّد د. كامل إدريس

aabdoaadvo2019@gmail.com

عبد القادر محمد أحمد / المحامي

لقد كنتُ متفائلًا بتعيين د. كامل رئيسًا للوزراء، كبصيص أمل نحو الخروج من أزمتنا المخيفة. ورغم القول بأنّ التعيين لا معنى له في ظلّ الحرب والتشظّي، فقد كنتُ أرى في وجوده كمدنيٍّ ومستقلٍّ ما يُشكِّل حلقة وصل وصوتَ حكمة، مهما كان خافتًا، يُحدث ثغرةً نحو السلام ورتق التشظّي.

ولا معنى لحديث شرعيّة التعيين، فنحن نعيش هذا الواقع منذ أكثر من أربع سنوات، دون أيّ تصوُّرٍ لمخرج! لا مراهنة على الجماهير في ظلّ الحرب! والمجتمع الدولي حساباته تختلف، ولا يأبه بمعاناة الشعوب وخياراتها! فإلى متى ننتظر الشرعيّة والدولةُ غارقةٌ في الفساد، ونهب الموارد، وغياب القانون، وما تفعله الحرب من دمارٍ بنيويٍّ ونفسيٍّ ونسيجيٍّ، وكوليرا، وحمّى الضنك، وتشرد، ونزوح، ولجوء، وتيهٍ جماعيّ، وفقدانٍ للعقول والأرواح؟! أليس في وجود حكومة مدنية بعضُ أمل؟!

ثم، ومن باب إحسان الظنّ، كنتُ أعتقد أنّ السادة أعضاء السيادي، بعد فشلهم في إدارة الدولة، وطول أمد الحرب وما يجرّه ذلك من توالي الأزمات والمآسي، والاتهامات، والعقوبات، والمقاطعة الدوليّة، قد شعروا بخطورة الورطة التي أدخلوا فيها أنفسهم والبلاد، فجاء تعيين د. كامل، كرجلٍ مستقلٍّ وصاحب علاقات دوليّة، ليُحاول إخراجهم، والبلاد، والعباد من الورطة.

ثم ازداد تفاؤلي عندما قرأت كتابه: (السودان 2025: تقويم المسار وحلم المستقبل)، ووقفتُ على اهتمامه بالحوار الوطني، وأنه صاحب رؤية في قضايا الحوكمة والتنمية والنهوض بالدولة الفاشلة. غير أنّه، ويا لخيبة الأمل، جاء خطابه ليُشكِّل لطمةً قويةً في جسد وطنٍ يحتضر، وهو يعد الشعب بالتنمية ومكافحة الفقر، ويقول إنّ الأولويّة للقضاء على التمرّد في (معركة الكرامة… الوجوديّة)!؟ ثم يرفع بيديه مؤلَّفه “السودان… حلم المستقبل”، ليجعله عهدًا بينه وبين الشعب!

فرجعتُ إلى كتابه، وما قاله عن الحرب والتنمية:
(الحروب والنزاعات… عوامل سالبة تُعيق تدفّق الاستثمارات الأجنبية) ص441
(لكي تنداح أمام السودان فرصُ الاستثمارات الأجنبية، كان لزامًا أن تتوقف الحروب وتستقرّ الأحوال…) ص441
ثم عدت أستمع لخطابه وهو يقول للعالم: إنه لا بدّ من “السلام المستدام”، الذي لن يتحقق -في رأيه- إلا “بالقضاء تمامًا على المليشيا”!
لكنه في كتابه يقول: (الحوار والتسامح والوفاق يُفضي إلى تسوياتٍ تقود إلى سلامٍ يُحقِّق العدالة والتنمية) ص404.

أتمنى أن يكون هناك تبريرٌ لدى د. كامل لما أراه تباينًا صارخًا! خاصةً أنه يقول:
(من العلل التي قعدت بالأداء الوطني الخَدَر السياسي، ومن مسبّبات هذا الخدر المجانبة بين القول والعمل في وجه المشكلات والتحديات) ص137.

ثم، كيف ومتى “القضاء تمامًا على المليشيا”؟! وكلّ الشواهد على مدار عامين، تُؤكّد استحالة حسم الحرب بالبندقيّة! لقد قضى الجيش على الكثير من جنود وعتاد الدعم السريع، لكن استمرت الحرب، والآن نشهد حرب المسيّرات والمزيد من الموت والدمار!
حتى لو افترضنا إمكانيّة “القضاء تمامًا على المليشيا” ككيان عسكري، فإنّ القاعدة الاجتماعية التي خرجت منها -من قبائل ومناطق- ستظلّ جزءًا من النسيج السوداني، ولها ادّعاءات تاريخيّة كما لغيرها، وإنْ عجز الدعم السريع عن تبنّيها بوضوح.
لذلك، فإنّ الصراع سيُعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة! فأين السلام المستدام؟!

أما كونها حرب كرامة، فالفيديو الصادم لعناصر من الدعم السريع، يتلذّذون بقتل جنديٍّ دهسًا، يُجسِّد وحشيّة لا تعبأ بأدنى القيم.
بعض هؤلاء يُقاتل بوهم النجاة بالأحجبة، وبعضهم -وعلى حدّ قولهم- لم يسبق لهم أن سمعوا بحرمة القتل، ونُشاهدهم لا يكترثون حتى لحياتهم هم أنفسهم!
هذا يكشف عن بيئة الجهل والتهميش الفكري والأخلاقي التي نشؤوا فيها، فأنتجت هذا الكمّ من الحقد والكراهية!
فيبقى استمرار الحرب بحجّة الانتقام للكرامة، بلا معنى!
إنه أمرٌ يُحتِّم على رجل الدولة، التوقّف والتأمل في الحلّ، لا التصعيد والمزيد من الدماء وانتهاك الكرامة!
الشخص العادي قد تقوده الانفعالات وردود الأفعال، لكن رجل الدولة يجب أن تقوده حكمته ودوره في صناعة الرأي العام وتوجيهه!

أما رفض البعض التفاوض خشية عودة قادة الدعم السريع للمشهد، فهذا غير وارد؛ فالمفترض أن الترتيبات العسكريّة للعسكريين، والترتيبات السياسيّة للسياسيين، الذين تقع عليهم مسؤوليّة السلام في إطار حلّ المشكلات التاريخيّة الجذريّة.

إنّ خيبة الأمل لا تعني النهاية، وليس أمامي إلّا أن أعود وأتشبّث بالأمل والتفاؤل.
د. كامل سبقته سيرته كمفكر يطمح إلى الإسهام في صناعة مستقبل بلده.
لذلك، نتشبث بالأمل، ونُقدِّر صعوبة المرحلة وتعقيداتها، لكن لا بدّ من وضوحٍ وعملٍ ينسجمان مع أفكاره.
لا أحد يريده أن يدخل في مواجهة مع السيادي أو غيرهم، ولكن نريده أن يكون مُلهِمًا لهم نحو طريق الخلاص الوطني، لا أن يكون تابعًا لهم في طريقٍ يُؤدِّي إلى ضياع الوطن.

وما قد يُعين في هذه المهمّة وجود مجلس من الوزراء، لا يهمّ إن كانوا من المستقلين أو غيرهم، بل الأهم أن يكون الوزير صاحبَ رؤيةٍ ورأي، قادرًا على الجهر به، والمساهمة في إخراج البلد من ورطته بسلام، من خلال سياسة جماعيّة يتبناها المجلس.

ورغم محدوديّة السلطات الدستوريّة، إلا أنّ المرحلة تحكمها سلطة الأمر الواقع، فبإمكان مجلس الوزراء، وعبر التواصل التوافقي، أن يضطلع بدوره بما يُحقِّق الأهداف.
وننتظر أن يقوم بالتواصل مع الكيانات السودانية، المدنية والعسكرية، في الداخل والخارج، ومع المنظمات والدول في المحيطين الإقليمي والدولي، من أجل الخروج برؤيةٍ وطنيّةٍ توافقيّة، تجمع شمل كلّ أبناء السودان وتنقذ البلد .

ثمّ يبقى التفاؤل، في ظلّ تسارع الأحداث وما قد تُحدثه من تحوّلات داخليّة إيجابيّة.
كما أنّ ترتيبات التراضي الوطني المنتظرة، ستُعيد لمجلس الوزراء كامل صلاحياته، فنشهد فترة انتقال مثاليّة نحو ديمقراطيّة راشدة، تبني مستقبلًا يتّسع للجميع.

لستُ في مقام الناصح، ولكني أقول رأيي -الذي يحتمل الخطأ والصواب- من خلال رؤية نقديّة متشبّثة بالتفاؤل، فالتفاؤل من روح الله، وهو أساس الحياة وزاد الروح في هذه الأوقات الصعبة.
علينا أن نتفاءل بالخير ونتناصح جميعًا على ما فيه الخير.
الشعب السوداني شعب عظيم يستحق الخير.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …