عندما يتحدث إيمانويل تود عن الأزمات السياسية، فإنه لا يبدأ من القصور الرئاسية ولا من بيانات الانقلابات، بل من الأسرة، والمدرسة، والقرية، ونِسَب المواليد والوفيات. هو ينظر إلى المجتمع كجسم حيّ، وإذا أصابه ركود طويل في عمقه الاجتماعي، فإن السياسة تكون أول من يظهر عليه التعب. هذا ما يسميه بالجمود الاجتماعي: حالة لا يتوقف فيها المجتمع تمامًا، لكنه يفقد قدرته على الحراك والتجدد.
في كتابه السقوط الأخير، توقّع تود انهيار الاتحاد السوفيتي لا بسبب سباق التسلح، بل بسبب مؤشرات اجتماعية صامتة مثل ارتفاع وفيات الرضع وتراجع الحيوية التعليمية. كان يرى أن النظام قد يبدو قويًا من الخارج، لكنه منهك من الداخل. الفكرة الأساسية عنده أن الاختناق الاجتماعي يسبق الانفجار السياسي.
إذا نقلنا هذه العدسة إلى السودان، نجد صورة معقدة لكنها مفهومة في ضوء هذا المنظور. السودان مجتمع فتيّ؛ نسبة الشباب فيه مرتفعة، والطموحات عالية، خاصة بعد موجات الوعي السياسي التي تعززت عبر التعليم ووسائل التواصل. لكن في المقابل، الفرص الاقتصادية محدودة، وسوق العمل غير قادر على استيعاب الخريجين، والمؤسسات العامة تعاني من ضعف الاستقرار والتراكم المؤسسي.
هذا التناقض بين “ارتفاع الوعي” و“انخفاض الفرص” هو أحد أشكال الجمود الاجتماعي. الشاب المتعلم الذي لا يجد وظيفة، أو يجد نفسه خارج دوائر القرار، يشعر بأن حركته متوقفة مهما بذل من جهد. ومع الزمن، يتحول هذا الشعور إلى إحباط عام، ثم إلى غضب سياسي. هنا لا تكون الأزمة مجرد صراع بين قوى عسكرية أو مدنية، بل تعبيرًا عن انسداد أعمق في البنية الاجتماعية.
كما أن البنية الأسرية الممتدة والروابط القبلية في السودان تلعب دورًا مزدوجًا. فهي تمنح المجتمع قدرًا من التضامن، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد إنتاج موازين القوى التقليدية، وتحدّ من صعود نخب جديدة قائمة على الكفاءة. وعندما تبقى دوائر النفوذ شبه مغلقة، يتراجع الحراك الاجتماعي، ويتجذر الإحساس بعدم العدالة.
من منظور تود، فإن المشكلة ليست في حدث سياسي بعينه، بل في بطء التغيير داخل المجتمع نفسه. فالدولة التي لا تفتح مسارات صعود واضحة، ولا تخلق توازنًا بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي، تدخل في حالة ركود قد تبدو هادئة أحيانًا، لكنها قابلة للاهتزاز في أي لحظة.
وعليه، فإن فهم الوضع السياسي في السودان يتطلب النظر إلى ما وراء الأخبار اليومية، إلى المؤشرات البنيوية: التعليم، الهجرة، التحضر، شكل الأسرة، وتداول النخب. فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست سوى مرآة لحركة المجتمع. وإذا ظل المجتمع محاصرًا في جمود طويل، فإن الاستقرار يصبح مؤقتًا، ويغدو التغيير مسألة وقت لا أكثر.
osamamohyeldeen@gmail.com
أسامة محي الدين
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم