قبل سنة من الان وتحديداً في 24 أغسطس 2020م شن الجنرال الحالم في حديث له بوادي سيدنا هجوما لاذعاً على الحكومة التنفيذية الانتقالية في تقييم غير موضوعي لها مسلطاً الضوء علي الملف الاقتصادي حينها ومتهماً اياها بالفشل قائلاً: “الفاشلون هم من يريدوا ان يجدوا شماعة ليعلقوا عليها الفشل”، متنصلاً وقتها عن مسؤوليته كراس للدولة وجزء اساسي من السلطة الانتقالية ومتناسياً فشله في حفظ الامن في ربوع البلاد المختلفة.
يوم الأربعاء 22/9/2021م وفي نفس المكان بوادي سيدنا وبعد مرور سنة تماماً من حديثه السابق يعود الى نفس اتهامات الفشل غير الموضوعية للحكومة مضيفاً لها وللقوي السياسية وحتى منتقديه، نعوت واتهامات اخري لا تليق ابداً ان تصدر ممن يتولى ارفع موقع سيادي بالدولة، مستدعياً في حديثه نفس صلف وعنجهية ولغة منتسبي النظام البائد من شاكلة “الكلاب تنبح ونحن ماشين”. والاشارة واضحة ان كل من انتقد أو سينتقد الجنرال سيدخل في زمرة هذه “الكلاب النباحة”. لكن الاغرب هو ان يطلق الجنرال اتهامات مفادها ان هنالك أقلام – دون ان يسمي احدا وهو من هو- بانها مأجورة وغير وطنية تعمل مع وكالات تدفع لها مقابل الاساءة للأخرين، ويقول في نفس الوقت “انهم عارفين”، والضمير في انهم يرجع للجنرال. فاذا كان يعلم كما يقول لماذا لم يقدمهم الي القضاء.
ولعل اخطر ما في حديثه هو تنصيب نفسه وصياً رغم انف الكل علي الوطن قائلاً: “إن شعارات الثورة ضاعت بين الصراع على المناصب ، ولا توجد حكومة منتخبة ونحن رغم انف الكل أوصياء على الحفاظ على وحدة السودان واوصياء علي بناء السودان واوصياء على أمن الوطن.. واوصياء على المحافظة على احلام شباب السودان”. ولا ندري من اين حصل على هذه الوصاية المزعومة رغم انف الكل.
فخطاب الوصاية هذا الذي جاء في حديثه ما هو الا تعدي سافر على ما تواثق عليه شركاء الحكم الانتقالي في السودان ونكوص عن الوثيقة الدستورية التي حددت مهام وسلطات كل من اطرافها والتي تمارس من خلال مؤسسات الدولة دون مَنٍ ولا اذي من احد. ولم تجعل الوثيقة احد وصياً على شيء او على الاخرين او على السودان، فالشعب الذي اسقط نظام الفساد والاستبداد هو من ارتضي مشاركة هذا الجنرال وزمرته في السلطة الانتقالية بعد التوافق علي عهد وميثاق. فالشعب وفقط الشعب هو مصدر السلطة وهو الوصي على مكتسباته والقادر على الحفاظ عليها. كلمة الجنرال هذه كانت بمثابة انقلاب علي كل ما تعاهد عليه اطراف الوثيقة الدستورية، كما تمثل تهديد للمسار الديمقراطي في السودان. فالخطاب ينسف كل الاجراءات الدستورية التي تم التوافق عليها خلال سنتين مضت، ويقرر خارطة طريق جديدة للوصول الي الديمقراطية من تصميم ورؤية الجنرال الحالم.
فالخطاب في مجمله ملئ بـ”نحن” ويجعل فيه الجنرال من نفسه المرجعية دائماً في تقييم الاخرين وفق معاييره الذاتية. فنجده مثلاً وفق معاييره الذاتية ودون الاشارة لأى مرجعية متوافق عليها:
1. يقرر “ان لا احد يستطيع ان يبعد القوات النظامية من المشهد اطلاقاً وحجته ان الحكومة غير منتخبة”. لا ندري ما هو المشهد المقصود والذي يجب ان تتواجد فيه القوات المسلحة، فما نعلمه ويعلمه الجميع ان القوات المسلحة والسياسية خطان يجب ان يلتقيان ابدأ، وان الوثيقة الدستورية رسمت حدود المشهد الذي تبرز فيه القوات النظامية وليس كما يشتهي الجنرال الذي يلوم القوي السياسية بانها ابعدته عن مبادرة حمدوك وفي لقاء قاعة الصداقة بين القوي السياسية.
2. يقرر “ان القوة السياسية التي تفاوض معها بعد ابريل قد انحرفت عن مسارها”. لا ندري ماذا سيترتب على ذلك؟ هل سيكون في حل من اتفاقاته معها وبالتالي يبرر لنفسه أي اجراءات احادية قادمة. خاصة وانه استخدم هذا “التكتيك” من قبل اكثر من مرة، في 16 مايو 2019م، وفي 4 يونيو 2019م.
3. يقرر انهم رغم “انف الكل وَصّيين” على النحاقظة وحدة السودان وعلى بناء السودان وعلي امن السودان وعلى المحافظة على احلام شباب السودان. ولا ندري من وهبهم هذه الوصاية.
ففي هذا الخطاب يجعل الجنرال من نفسه والمؤسسة العسكرية التي تأتمر بأمره وصي علي الثورة والضامن لها حتي تبلغ اهدافها. ولكن هل يمكن للشعب الذي دائما ما يتحدث باسمه ان يثق فيه. فهو فاقد للمصداقية منذ سقوط النظام البائد وصعوده الي قمة المشهد في السودان ولا يمكن الوثوق به للأسباب التالية:
1. ماطل في النزول الي رغبة جماهير الثورة والانحياز لها مما جعل الاتحاد الافريقي يصنف التغيير، كانقلاب قامت به المؤسسة العسكرية بقيادته. في نهاية الامر بعد ان سدت في وجهه كل الطرق للانفراد بالسلطة، لم يجد الا ان يلتحق مكرهاً تحت ضغط الثوار والمجتمع الاقليمي والدولي، لشرعية الثورة بعد 3 شهور من المراوغة دفع فيها الثوار اثمان باهظة. فإصراره علي تبني اجندته الخاصة ادخله في صراع مع قوى الثورة، استخدم فيه شتى اساليب العنف والضغط من الاعتقال والابتزاز والتهديد بالفصل من الوظيفة والقتل ضد شباب سلمي، تماماً مثلما كان يحدث للثوار ايام سلفه المخلوع. ففي الفترة من 12 أبريل 2019م وحتى 5 يوليو 2019م، فاق عدد شهداء الثورة تحت سلطته اولئك الذين استشهدوا تحت بطش المخلوع الذي امتد في الفترة من 19 ديسمبر 2018م الي 11 أبريل 2019م. وابرز مظاهر القتل التي تمت اثناء فترة حكمه، مجزرة القيادة التي تمت في حرم الجيش ونفذتها قوي تلبس الملابس العسكرية وتحت بصر ضباط وجنود الجيش ولم يحركوا ساكناً. فتشبثه بكرسي السلطة ومحاولة الانفراد به افقد الوطن عدد كبير من خيرة شبابه، والمفارقة انه يتهم القوي السياسية بانها تسعي لكراسي السلطة. فمن الطبيعي ان تسعي القوي السياسية للفوز بالسلطة بتدابير سلمية ومتفق عليها، ولكن من غير الطبيعي بل ومرفوض تماماً ان يتم ذلك بالقوة الجبرية كما حاول هو ذلك في الفترة من 12 أبريل 2019م وحتى 5 يوليو 2019م وفشل.
2. اتسمت ردود افعاله تجاه الاحداث ما بعد بيانه الاول بتاريخ 13 أبريل 2019م بالتناقض والتسرع وعدم الموضوعية في كثير من المواقف، فنراه يعطل النقابات ثم ما يلبث ان يتراجع عن قراره، ونجده يصف الثورة بالسلمية ثم ما يلبث ان ينفي عنها ذلك. ففي بيانة الاول يشيد بالثورة والثوار وسلميتهم، ثم في اقل من شهر بعد ذلك، في بيانه العدائي بتاريخ 16 مايو 2019م يدّعي انتفاء السلمية عن الثوار ليبرر لنفسه تجميد المفاوضات مع قوي الحرية والتغيير لمدة 72 ساعة. ويظهر تسرعه في بيانه بتاريخ 4 يونيو 2019م بعد فض اعتصام القيادة مباشرة والذي الغي فيه ما تم من اتفاق وايقاف التفاوض مع قوي الحرية والتغيير، ويدعو فيه لانتخابات عامة في فترة لا تتجاوز التسعة اشهر من تاريخ البيان، قبل ان يعود بعد اقل من شهر ويتراجع مرغماً عن كل هذه القرارات تحت ضغط مليونية 30 يونيو 2019م.
في الختام نقول للجنرال الحالم بحكم السودان انه ليس من مهامك المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية توحيد القوي السياسية السودانية ولا “المهاترات والمشاكسات” المتكررة معها ولا توزيع الاتهامات هنا وهناك في احاديث لا تليق بك بوصفك تتقلد ارفع منصب سيادي بالدولة. فما نسمعه منك من اتهامات موجهة لشركائك في السلطة ليس مكانه المنصات المفتوحة ولا اللقاءات العامة. فمثل هذه الخلافات يجب ان تناقش داخل المؤسسات الدستورية ومنها ما انشأ خصيصاً للنظر في التباينات التي تحدث بين شركاء الحكم. اما استخدام اللقاءات الجماهيرية او الاعلامية في اطلاق الاتهامات والرسائل المباشرة وغير المباشرة او استعراض العضلات او المن على الشعب او لأي أغراض اخرى لا نعلمها ولا تهم المواطن في شيء فلن يحل مشكلة ولا يليق ذلك اصلاً بدستوريين يتقلدون مناصب رفيعة.
فمهامك معروفة ومحددة في الوثيقة الدستورية منها ما هو تحت مسئوليتك المباشرة ومنها ما يمكنك المساهمة في انجازها مع رئيس الوزراء. والنجاح في هذه المهام هو صمام امان الفترة الانتقالية، هذا اذا كنتم فعلاً تعملون علي انجاح الفترة الانتقالية كما تتدّعون. المهام الملحة تحت مسئوليتك المباشرة والواجب التفرغ لها وايلاءها كل الاهتمام هي:
1. اعادة هيكلة الجيش وتنظيفه من منتسبي النظام البائد وتحصينه من الولوج في السياسة.
2. توحيد الجيش السوداني تحت راية واحدة وانهاء وجود قوة عسكرية موازية للجيش بالبلاد. فهذا الامر يمثل اكبر مهدد امني للسودان، فلا توجد دولة كاملة المؤسسية توجد بها قوة عسكرية موازية للجيش ومستقلة عنه. والحديث عن ان هذه القوة تحت سيطرة القائد العام للجيش لا يمكن ان ينطلي على احد، فالجميع يعلم انها قوة عسكرية مستقلة ولها قانونها الخاص بها والذي يقنن استقلاليتها. فهذا الامر احد الخطايا الكبرى للنظام البائد، ويجب بصورة ملحة اعادة الامور الى نصابها.
3. انجاز بند الترتيبات الامنية حسب الجدول الزمنى المتفق عليه في اتفاقية السلام.
اما المهام الملحة لإكمال مؤسسات الدولة ويمكنك المساهمة في انجازها كرئيس للمجلس السيادي مع مؤسسات الدولة الأخرى هي: اكمال مؤسسات السلطة القضائية بصورة عاجلة فهذا الامر لا يحتاج الا الى ارادة حقيقية ليس الا. واهم هذه المؤسسات هي مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية.
فاذا نجحتم في انجاز هذه المهام او المساهمة في انجازها حينها سنطمئن ان الفترة الانتقالية ستعبر بأمان الي منتهاها المنشود.
23 سبتمبر 2021م
sameirali@live.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم