الحالة النميرية عند السودانيين .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

awahab40@hotmail.com

 

  

(1)

 

يبدو أن قدرة رئيسنا السابق الماريشال جعفر النميري على استخراج الأسوأ في نفوس ومجتمع السودانيين لم تتأثر برحيله بعد عمر حافل. ففي عهده راج النفاق واستشرى الفساد وأرسل كثير من كبار مثقفي الأمة وقادتها السياسيين عقولهم وضمائرهم في إجازة مفتوحة. ويبدو من بعض التعليقات الكثيرة التي وصلتني على مقال الأسبوع الماضي حول فترة الرئيس أن الحال لم يتغير بالنسبة لعدد أكثر مما ينبغي من المواطنين.

 

 (2)

 

لا بد أن أسجل هنا أن غالبية القراء –وهي الفئة المقصودة بما نكتب- قد أدركوا بفطنتهم رسالة المقالة المحورية التي تشتمل تقييماً إجمالياً ناقداً، ولكن بموضوعية، لحقبة مهمة من تاريخ البلاد، بعيداً عن المجاملة التي تتحول إلى تضليل. ولكن عدداً أكثر من اللازم من القراء لم تبلغه الرسالة على مايبدو.

 

  (3)

 

البعض اعترض على ما زعم أنه تحامل على النميري والتركيز على سلبيات عهده دون إيجابياته. وبالطبع نحن لا ننكر أن لعهد النميري –مثل أي عهد آخر- إيجابيات. ولكن التقييم الموضوعي الإجمالي يركز على المحصلة النهائية. أكبر إيجابيات عهد النميري كانت بلا شك تحقيق السلام في الجنوب كما ذكرنا، ولكنه أنهى عهده والحرب في الجنوب مشتعلة بأسوأ مما كانت بحيث هددت كيان البلاد بمجمله.

 

(4)

 

عهد النميري شهد أيضاً بناء طريق الخرطوم-بورتسودان، ولكنه شهد كذلك تدمير السكة الحديد، وشهد بناء مشاريع مهمة مثل سكر كنانة، ولكنه شهد أيضاً انتشار الفساد وإثقال كاهل البلاد بديون بلغت أضعاف الناتج القومي. إذن كانت المحصلة سلبية في النهاية في مجال الاقتصاد كما السياسة وملف السلام.

 

(5)

 

من جهة أخرى نبهني أحد الإخوة الكرام إلى أنني نسيت أن أعدد من كبائر النميري وبطانته تدمير التعليم في السودان، وهي لعمري واحدة من أكبر جرائم ذلك العهد، لأن النظام التعليمي السوداني كان أحد أغلى مكتسبات الشعب السوداني، وقد غادره النميري حطاماً.

 

(6)

 

كثيرون علقوا قائلين بأن عهد الإنقاذ الحالي أسوأ بكثير من عهد النميري، واعتبروا التقييم النقدي لعهد النميري محاولة لصرف النظر عن هذا الأمر. وهذا لعمري خطل من القول وفهم قاصر، لأن وجود حقبة سابقة أو لاحقة أسوأ من غيرها لا دخل له بالتقييم الموضوعي. وقد أشرت إلى هذا في مطلع مقالي حين قلت إن البعض أخذ يحن لعهد النميري كرهاً لما جاء بعده كما أخذ البعض يحن حتى لعهد الاستعمار. ولكن هذا لا يعني أنني حين أقيم العهد الاستعماري في السودان لا بد أن أجمل قبحه بحجة أن بعض العهود اللاحقة كانت أسوأ!

 

(7)

 

عدد لا يستهان به من المعلقين قالوا إنني تغافلت عن دور الإسلاميين في دعم –وربما ابتدار- مشروع الأسلمة المشوه الذي أطلقه النميري، واعتبروا أن هذه محاولة متعمدة للتستر على هذا الدور، وانحيازاً للإسلاميين. ولكن يبدو أن أصحاب هذه التعليقات هم المبتلون بالتحيز والتحامل، بدليل أنهم لم يغضبوا لأنني لم أتطرق لدور الشيوعيين واليساريين الذي جاءوا بالنميري إلى الحكم في الأساس، ودعموه في أكثر فتراته دموية وقمعاً. كما أنني لم أتطرق كذلك لأحزاب وجماعات أخرى دعمت النميري خلال تقلباته، ولا للعدد المخجل من المثقفين وقادة العمل الفكري والسياسي والإداري ممن شاركوا النميري حماقاته بل وزينوها له.

 

(8)

 

هذا الدور الملتبس للأحزاب والمثقفين في عهد النميري يحتاج بلا شك لدراسة متعمقة وتقييم، خاصة في ظل ما نراه اليوم من تكرار لذلك الدور. ولكن هذا لم يكن موضوع المقال المذكور. ومهما يكن فإ، النميري يتحمل الوزر الأكبر فيما جرى، خاصة أنه كان قادراً حين يشاء على ضرب وإبعاد الطوائف التي أيدته، كما فعل مع اليساريين والليبراليين والإسلاميين والجيش.

 

(9)

 

من يهمه الاطلاع على تقييمي الموضوعي لتجربة الإسلاميين في عهد النميري فدونه كتابي “ثورة الترابي” الصادر عام 1991، والذي يشتمل على تقييم موضوعي لتجربة الحركة الإسلامية في السودان منذ نشأتها حتى انتخابات 1986، وكذلك كتابي “الثورة والإصلاح السياسي في السودان” الصادر عام 1995 ويحتوي أيضاً تقييماً لتجربة حكم الإنقاذ. هناك كذلك مقالاتي العديدة في مجلة “أرابيا” بين عامي 1982-1987، وخاصة مقابلتي مع الشيخ الترابي التي نشرت في مايو 1983 واشتملت تقييماً نقدياً لفترة ما سمي بالمصالحة الوطنية (وذلك قبل إعلان قوانين الشريعة).

 

(10)

 فيما يتعلق بالتقييم الموضوعي لحقبة الإنقاذ، وهو موضوع تناولناه في عشرات المقالات في هذه الصحيفة، فإنني أدعو هؤلاء المنتقدين وبقية القراء لقراءة مقالي الراتب يوم الثلاثاء القادم إن شاء الله، وهو استمرار لممارسة دأبنا عليها في ذكرى قيام نظام الإنقاذ منذ عام 1990، وذلك بنشر تقييم نقدي في صحيفة “القدس العربي” منذ ذلك الحين. وكل أصحاب العقول المفتوحة مدعوون للمشاركة في هذه التأملات وإثرائها بتعليقاتهم، ولهم شكرنا.

عن د. عبد الوهاب الأفندي

د. عبد الوهاب الأفندي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً