الحركات المُسلحة و حسابات الربح والخسارة .. بقلم: نضال عبدالوهاب
15 أغسطس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
100 زيارة
قضية الكفاح المسلح ظلت جزء من تاريخ النضال و محاولات التغيير للأنظمة الشمولية في السودان وكذلك إرتبطت بشكل وثيق بمحاولات أخذ الحقوق المسلوبة وإعادة التوزيع العادل للسلطة والثروة فيه ..
ومع التباين الكبير في تلك المعادلة لصالح السودان الشمالي والسودان النيلي ولأسباب عديدة ومختلفة تكونت الحركات المتمردة علي السلطة في المركز منذ بدايات نشأة حركات الأنانيا مروراً بالحركة الشعبية ما قبل إنفصال الجنوب ونتج عن هذا الصراع الطويل نشوب حرب أهلية إمتدت لسنوات طويلة تخللتها فترات سلام متقطعة إلي أن تم إنفصال الجنوب نفسه كدولة مستقلة عن الشمال وكان ذلك نتيجة مآساوية وباهظة لا تقل عن فداحة ما خلفته تلك الحرب نفسها من قتل ما لا يقل عن مليوني شخص وتشريد ونزوح مثلهم أو ضعف هذا العدد ..
وبظهور النزاعات المسلحة وحملة السلاح في إقليم دارفور وكذلك جبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب كردفان بعد تفجر الصراع في تلك المناطق نتيجة لذات الصراع حول السلطة والثروة وإختلال العدالة الإجتماعية ومزايا التنمية خاصة في عهد النظام السابق وحكم الإسلاميين الذي وسع من دائرة الحرب بفضل سياساته وممارسته كذلك لسياستي الإبادة والتطهير العرقي .. فارتفع عدد الضحايا من القتلي بما لا يقل عن ثلاثمائة ألف قتيل في دارفور وحدها أو أكثر علي إعتبار أن هذا الرقم منذ العام 2008 بالإضافة لعشرات الآلاف بجبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب كردفان .. وتشريد ما لا يقل عن مليونين ونصف مابين نازحين ولاجئين .. غير ضحايا الإغتصاب والجرحي والعنف البدني والنفسي ..
كذلك تميز الصراع داخل إقليم دارفور بتعدد الحركات المسلحة ومن رفعوا السلاح .. وحتي عندما كان النظام السابق للإسلامين والمؤتمر الوطنى يعقد إتفاقيات سلام مع بعض الحركات وقياداتها لم يكن ذلك يجلب السلام أو يوقف الحرب ويعيد النازحين ويخلق التنمية والإستقرار ويغير واقع أهل دارفور للأفضل ! ..
النتيجة إذن من كل هذا النزاع المسلح وسنوات الحرب من أجل التغيير سواء لتغيير واقع المناطق المهمشة وفرض العدالة الإجتماعية ورد الحقوق والمظالم أنه لم يوقف الحرب ولم يخلق واقع مختلف ولم يجلب التنمية أو يأتي بسلام وطمأنينة وإستقرار لكل أهل ما يعرف بالهامش بل حصر أهل تلك المناطق مابين نازح ومشرد ولاجئ غير الاعداد المهولة من الضحايا والقتلي ! ..
وإذا أضفنا حسابات الخسارة لاهلنا في الجنوب تحت قيادة الحركة الشعبية لتوصلنا لذات النتيجة فحتي مع الإنفصال لم يتوقف القتل بل إنه في أقل من خمسة سنوات أعقبت ميلاد دولة الجنوب قُتل مئيات الآلاف وشردوا نتيجة الصراع القبلي ونتيجة لتكريس الديكتاتورية وغياب الديمقراطية والحريات ..
المحصلة النهائية وفي واقع مثل السودان بكل التعقيدات فيه وإختلافات التنوع أن الصراع المسلح لم يخلق أي تغيير حقيقي لسبب كل ما قام لأجله .. رغم قناعتنا العميقة بعدالة القضايا التي حملوا من أجلها السلاح .. فلا نظام الحكم تغير ولا الإستقرار حدث ولا التنمية ولا حتي المشاركة العادلة للسلطة والتوزيع العادل لها تمّ .. بل إن كل سنوات الحرب قد حفرت عميقاً في أنسجة السلام الإجتماعي نفسه لأن العقيدة القتالية كانت موجهة في الأغلب للعنصر ..
كان يمكن تجاوز إنفصال الجنوب إذا كان هنالك إرادة سياسية وحكمة في تفهم طبيعة المشكلة وإداراتها وفق التباين الثقافي والعرقي والديني وكان يمكن لهذا أن يحدث من سنوات طويلة سبقت حتي نظام ( الكيزان ) ..
السودان ما بعد الثورة ليس باي حال مثل السودان ماقبلها !
الثورة جاءت بموج تغيير عميق وعاتي نتيجة للوعي التراكمي لكل الشعب السوداني .. مع إرادة حقيقية وكبيرة في التغيير والإنتقال لسودان جديد فعلياً في كل شئ ..
أكثر ما يمكن أن يكون مفيداً لاهل مناطق الهامش الآن ومربحاً أن تتحول هذه الحركات المسلحة لحركات سياسية مدنية وأن تغير من خطابها السياسي لتستوعب هذا التغيير .. ويجب أن تقوم وتنشأ كيانات وأحزاب تحت قيادة المستنيرين والقادة السياسيين والمثقفين خاصة من شباب تلك المناطق تعمل علي كسب ثقة شعوب وأهل مناطقهم وكل السودانيين الطامحين في التغيير والراغبين في بناء سودان جديد وعلي أسس جديدة بذرتها هذه الثورة وجاءت بها ونجحت فيما فشلت فيه كل القوي السياسية والحركات المسلحة مجتمعة وكل النخب السياسية طوال تاريخ السودان الحديث ! ..
الإتجاه للسلام ووقف الحرب أولي التحديات التي يجب أن تعيها كل القوي السياسية والحركات المسلحة وحتي القوات المسلحة الموروثة من نظام ( الكيزان ) ..
الإقتناع أن المرحلة الإنتقالية هي ليست لتوزيع أنصبة للسلطة و من ثمّ البقاء فيها .. لذلك فهي ليست ميدان للصراع حول السلطة .. بل هي مرحلة للتصحيح والترتيب والعمل الجماعي المشترك للإنتقال الديمقراطي ومشروع الدولة السودانية الحديثة وفقاً لتحالف كل القوي السياسية والحركات والوطنيين عدا مجرمي النظام السابق وحلفاؤه وذلك فقط من أجل طبيعة المرحلة ومنطقيتها..
ما بعد الثورة فإن مشروع دولة المواطنة والحقوق والعدالة والحريات والسلام والديمقراطية أصبح وشيكاً بعزم وتصميم مصحوباً بتضحيات عظيمة توازي هذا التغيير ولصالح كل السودان وشعبه وليس فقط لجزء فيه أو إقليم أو فئية أو مكون واحد ! ..
15 أغسطس 2019 ..
nidalfree15@gmail.com