الحرية بين الفكر الديني والقيم الاجتماعية .. بقلم: خالد أحمد
ان الثورة السودانية الحالية فرض عليها ليس إزاحة نظام ديكتاتوري فقط، ولكن ومحاولة وضع أسس الدولة السودانية وصياغة مفاهيم أو إعادة تعريف المفاهيم بناء على تحولات المجتمع السوداني، ويرجع ذلك نتيجة للاستلاب الفكري من قبل النخب السابقة والتي انقسمت بين الفكر العربي والفكر الغربي وتقوقع كل فئة داخل حقلها المعرفي ومحاولة فرضه على المجتمع السوداني، وأصبحت تلك النخب التي تحولت إلى أحزاب بعد ذلك أسيرين لمرحلة إقصاء الآخر، ولم تحاول انجاز مشروع الدولة السودانية ووضع الأسس لحياة ورفاه الشعب السوداني، فالمتابع لمسار الدولة السودانية منذ الاستقلال يجد ان الإقصاء الفكري بين التيارات والذي تحور إلى مفهوم تحرير لا تعمير قد بدا قبل الاستقلال واستمر مع الدولة السودانية في كل مراحلها اللاحقة. فلم يكن في أي مرحلة من المراحل التاريخية السابقة طوال 63 عاما منذ الاستقلال ان كان هدف الممارسة السياسية هو بناء الدولة ووضع أسسها ورفعة مجتمعاتها، فكانت النخب والأحزاب أثناء الاستعمار تعمل على حشد المجتمع من اجل التحرر من المستعمر، وفي فترة الديمقراطية الأولي نشا الرفض بين الأحزاب السياسية نتيجة لتقاطعاتها الايدولوجية حتى سلمها عبد الله خليل لعبود، بعد ذلك تم تعبئة المجتمع من اجل الخلاص من عبود فكان التحرير الثاني، في فترة الديمقراطية الثانية تواطأ اليمين من اجل تحرير المجتمع من الشيوعية واستمر الصراع من 65 إلى 68 فتم حل الحزب الشيوعي وطرد النواب من البرلمان وتم تحرير البلد من الشيوعية، فتحالف الشيوعيين مع العسكريين في انقلاب نميري 69 من اجل تحرير السودان من الطائفية والرجعية، وعندما غدر نميري بالجميع رجعت الأحزاب من اجل تعبئة الشعب لإزالة الحكم الديكتاتوري فكانت ثورة ابريل، وعندما أزال الشعب تلك الديكتاتورية رجعت الأحزاب للاصطفاف بين الفكر العربي الإسلامي وبين الفكر الغربي الليبرالي والشيوعي، وكانت كل مجموعة تحاول تحرير الوطن من الجماعات الأخرى، حتى جاء انقلاب الإنقاذ الذي أوصل مفهوم تحرير السودان بناء على الفكر العربي الإسلامي إلى أقصاه وقال بتحرير السودان من السودانوية ومن الافرقانية ومن الليبرالية والشيوعية، وتوظيف كل السودان إنسانه ومقدراته لخدمة الأهداف والأجندة العربية الإسلامية.
ولكن مع ثورة الوعي الحالية التي نتشبث بها لكي لا تضيع كما ضاعت الثورات الأخرى وحتى نستطيع بناء الدولة السودانية، علينا وضع رؤية كلية تستمد منها جميع الأحزاب برامجها السياسية، وتنبع تلك الرؤية من الثقافة السودانية وتحولاتها الاجتماعية وقيمها الكلية وتشتمل على مفاهيم الصاح والخطأ الاجتماعي وليس الحلال والحرام أو السلوكيات العلمية في الثقافة الغربية والتي هي في الأخر نابعة من داخل رؤية ثقافية وتعتمد على مفهوم العلم في العلوم الاجتماعية كقيمة ايدولوجية مضللة كما مفهوم الدين عند الثقافة العربية.
اما حول مفهوم الحرية وعلاقته بالإله والرسالات الإلهية فقد شرحنا وجهة نظرنا للأسباب التي دعت الإله للتدخل في الحياة الإنسانية ابتداء والكيفية التي أتي بها ذلك التدخل ووضحنا ان أخر تدخل للإله كان الرسالة الخاتمة وبينا لماذا ختم الإله تدخلاته في الحياة الإنسانية بتلك الرسالة وفي ذلك التوقيت والكيفية التي تسير على أساسها الحياة ما بعد الرسالة الخاتمة، فلا وجود الآن لتدخل الهي مباشر في الحياة الإنسانية فقد افترق المجال الإلهي عن المجال الإنساني منذ تلك اللحظة. ولا وجود في الإرشاد الإلهي لمفهوم القيم الإسلامية أو الشريعة الإسلامية أو الحدود الإلهية فكل ذلك قادم من القراءة الخاطئة للإرشاد الإلهي، فلكل مجتمع تحولاته وقيمه النابعة منه وعليه إدراك الإرشاد والاستفادة منه من خلال مسيرته الحياتية تلك وليس محاولة تقليد تحولات مجتمع آخر.
لا توجد تعليقات
