بقلم عمر العمر
الحوار السوداني ليس فقط فكرة نبيلة بل هو كذلك مطلب وطني لا مهرب منه إلا إليه. غير أن مدى فعاليته رهين بشروط يمليها الوعي بالمحيط السيوسياسي للظرف السوداني الراهن بخلفياته ،تداعياته ونتائجه .فبقدر ما يمكن تكريس الحوار من أجل إعادة بناء البيت السوداني المهشّم ، من الممكن إجهاض الجهود بل و مراكمة مزيدٍ من الوبال.لعل من الأفضل الاعتراف أولاً بأن الحرب لم تدمر المجتمع السوداني أفقيا فقط بل ربما على نحو أعمق رأسياً كذلك.لذلك من المستحيل فصل نداء الحوار عن مصدره كما يرغب الدكتور الواثق كمير .فالرغبة هنا أبعد عن كونها محاولة هروبية من المواجهات الصعبه وفقاً لاستنكار مهدي داود الخليفة .إذ الفكرة عند المنعطف التاريخي السوداني على وجه التحديد لا تنبع فقط من مصدرها بل تشكل امتدادًا تلقائيا له ولمشروعه .فلا شيء ينبت داخل فراغ ،فما بالك بالأحلام الكبيرة!فعند المنعطف الراهن تتزاحم الأسئلة الملحّة في شأن أعادة بناء الوطن على نحو يستحيل القفز فوق ترتيب الإجابات عليها.
من العبث توصيف أي محاولة تقفز حاليًا على إطفاء الحرب بأنها مبادرة وطنية. إذ من غير المتاح بذل أي جهد مثمر على دروب إعادة البناء والإصلاح تحت أدخنة الحرب وغبارها.فالحرب لم تدمر البنى التحتية وحدها ،بل مزّقت قماشة المجتمع على نحو يستدعي استتفار جهود مكثّفة من أجل إعادة رتق الفتوق وردم التشققات. من شأن تجاهل هذه الحقيقة الشاخصة تعميق الأزمة الوطنية مثلما تكريس واقع التجزئة الراهن.لو أمكن استخلاص فوائد من هذه الحرب الخراب لتأمّل السودانيون مليّاً اهتراء الخيوط وتباين الخصائص في نسيج القماشة الوطنية .لعل هذه الحقيقة وحدها تكفي للنأي عن كل ما من شأنه مزع الخيوط عوضًا عن شدّها على منوال الوحدة .فمن خطايا ما أفرزت هذه الحرب الرِدّةُ إلى إعلاء الانتماء للقبيلة على الولاء إلى الوطن.مع ذلك فقد خسر زعماء القبائل دورهم التقليدي المُعلّى في إصلاح ذات البيْن داخل محيطهم القبلي و المناطقي.تلك خسارة فادحة وراءها أُمراء الحرب.
أجندة أعادة البناء والإصلاح مثقلة بالبنود والهموم العاجلة لكنّ مهام ترتيبها تأتي بعد إخماد نار الحرب ليس قبلها أوبالتزامن معها. ما أظن ان عقلًا وطنيا راسخا لا يرى في إطفاء نار الحرب نداء الساعة السودانية الأكثر إلحاحًا.أيُ عقلية من هذ الطراز تؤمن حتما أن النوايا الطيبات لا تفضي إلى إنجاز المهام الوطنية وتحقيق أحلام الشعب .لو افترضنا صدور نداء الحوار الوطني عن دولة الوضع الراهن فلأسبغنا عليها شرعيةً هي ليست بها جديرة. ولو اعتبرنا مصدر النداء قيادة الجيش لأنعمنا عليها بأنواط الاعتراف بحقوق ممارسة الانقلاب والاستبداد . كلاهما يدفعان الدولة والشعب إلى الدرك الأسفل من المعاناة حيث الإحن تجرف معها المحن .هذه سلطة وقيادة لم يصدر عنهما منذ إطاحتهما دولة الثورة ما يمكن تصنيفهما بالحكم الرشيد. فما يحرّض على الرهان عليهما .؟؟؟
لو أنّ قيادة الجيش تزعم خالصةً بناء سُلّم إلى فضاء السلام لاستبقت نداء الحوار باجراءات من شأنها التحريض على التجاوب.من ذلك الاعتراف ببعض من خطيئاتها على الصعيد الوطني بدءًا من التحشيد للحرب أو غض الطرف عنه ، مرورا بخيانة الثورة وزج الشعب داخل أنفاق الازمات ،النزوح واللجوء ثم التمادي في تفريخ الميليشيات المسلحة .الدولة الراغبة في خيارات الحوار والوحدة الوطنية تبادر إلى بناء جسور التواصل مع الواقفين والجالسين على الضفة المقابلة. بينما هذه سلطة سبّقت نداءها بنسف ما تبقى من جسور وزرعتها الغاماً حارقة ومدمرة .فكيف يحرّض بعضٌ البعضَ الآخر على العبور على جسور منهارة إلى ما يسمى بالحوار السوداني السوداني ؟؟ فكما انتهكت القيادة الراهنة أدبيات الثورة واختطفت الدولة ها هي تنتزع لذاتها حق صناعة المستقبل وتحتكر لنفسها امتياز انتقاء شركاءها على درب خيانة الثورة وأحلام الشعب.
مجدداً تطل على المشهد السياسي وجوهٌ مُسوّقةٌ تحت تصنيف ( المستقلين) والأكاديميين تارةً والتكنوقراط ثانيةً ، أو داخل أضلاع المثلث كماهو في آلية الحوار محط الجدل السوداني.وهذا توغلٌ أخرق في الإرباك.فاذا كان الحوار يستهدف إطفاء الحرب الحمقاء القذرة من المتاح وجود هامش للاستقلال أو الحياد .فهناك سودانيون ضد الحرب في اطلاق وآخرون يرفضون الانتماء لأيٍ من معسكري الاحتراب .بل يحملونهما معاً مسؤولية الدمار الوطني الفادح .لكن هذا الهامش غير متاح حينما يصبح الإصلاحُ القضيةَ المركزية المعلنةَ لحوارٍ سودانيٍ – سوداني .ففي قضايا الإصلاح الوطني لاتوجد منطقة وسطى للحياد. ذلك أن للاصلاح الشامل أربع جبهات هي السياسية ،الاقتصادية ،الاجتماعية والثقافية. كلها تتطلب التزامًا صارما إن لم يكن بمسارات فكرية فعلى الأقل بالمصالح العليا للشعب والوطن.في كل الحالات فإن الاستقلال والحياد تلبيس للتعمية .فمن الممكن استيعاب فكرة عقليات مستنيرة ليست مُنظّمة حزبيًا. لكن من الصعب تجريد مثل هذه العقليات من الرؤى السياسية.
صحيح أن حسن الظن بالناس إحدى خصلتين ليس فوقهما شيء من الشر كما أخبر الرسول الكريم .لكن في السياسة لا يجدي تغليب حسن الظن .وبما أنه يستحيل الفصل بين النداء ومصدره فليس ثم فرصة للرهان على انجاز وطني .هذا مشروع يتبرأ حسن الظن من مصدره و من المتورطين فيه اذ يصبحون هم أنفسهم امتدادا للمصدر . محور القضية السودانية المركزية اسكات فوهات و مُسيرات النار .البدايات الخاطئة لن تؤدي إلى خلاصات عقلانية.هذا مشروع ملتبس بالارباك ان لم يكن بالخيانة .هو مشرع وُلد ميتًا ولن يفرز ما ينفع الناس .ألم يحن بعد وقت تدرك النخب السودانية الخروج من المناطق الرمادية والجرأة في التسلح بالالتزام وتوصيف المواقف باسمائها.
