الحوري وذاكرة النجارة .. بقلم: محمد سيف الدولة أحمد صالح
29 يونيو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
45 زيارة
(1)
هاتفت الحوري وهاتفك ، أشجتك بحةٌ بالصوتِ ، فلم تدري لماذا تذكرت النسيج ، مرت بخاطرِكَ الأخر ، خاطركَ المُستتِرَ خلف غموضه ، صور المكنات المهجورة لثوانٍ قلائل ، ، المكناتَ الهادرةَ بصمتِ الصالات ، رأيت دروب نملَ العاملات ، توقعتَ فرحَ شمس الظهيرة حين يبهرها الأحتشاد. عدت من ضفةِ تداعيك لنبرتِه ، تواعدتم علي لقاءٍ قريب ، حفر لَكَ الحوري بأزميلِ وصفِهِ الطريق ، ثُمَّ أبانَ خطَ الموصلات ، تبيِّنت ذاكرتكَ معلمٌ وحيد ، إشارة مرور الشنقيطي ، تتهيب المدن الكبيرة ، تخاف أن تتوه ، تآسرك أم درمان لكنَّ خُطاك تعشق مدني وتحنُّ لأزقةِ الأسواق الشعبية في كل مكان.
حسمكَ الخامسي فشقَّ بكم الموتر بحري عبرتم النيل ، بكيت ، بلل الدمع خاطر عشقك القديم ، الأمواه ساكنةٌ ومثلث التوحش لا يعنيه الصبر ، التعب سيدٌ للوقت والوجوه الحزينة أدمنها التلفت ، النهر يحكي الناس أويحكونه ، يمر بأبواب القلوبِ النجيبةِ أو العاطلة لا يطرقها بل يحتوي من ذاب بحنينه ثم يمضي كيفما شاءت إرادة واديه وجدل صحائف كتابه القديم ، أبصرت بيسراك مجمعَ نهريِهِ ، هنا ألتقي النبي موسي بالخضر ، لكنَّ المشافهة ألجمها التكاسل عن الأستحقاق ، ستمر الأعوام تجرها الحقب الشائهة وتتسع بينكم والنهر الجفوات.
إنعطفتم عند نهاية الجسر ، بدت أم درمان مُنهكة أرهقها التوحش ورسم حُزنها التفاوت.
أرجأت توقعك وطفقت تُعاين المدينة التي تخلت عن ترابها وأحتشدت بالغرابةِ ، صرفت الخواطر ولم تبرحك الهاجسات ، بحثت عن الذاكرات وما وجدت سؤى دهشتك العتيقة فأزددت حزناً وأسي ، يجمعك والحوري جده لأمه الريح ، غامضةٌ هجرتِه ومبهمةٌ دواعيها ، لربما سارت بالقصةِ ركبان أهلك ، وتوهطت حكايته بنابرَ المشافهةْ وضحويات الأزمنة القديمة ، بارح الكُنِيسي أيام مهدية السودان ، طابت له أم درمان فأستقر بحي العرب ، شهد جدك الريح الأنصاري كرري رغم شلوخه المطارق وحينما حصد المكسيم الرجال ، عاد من ساحةِ معركة النهر للمدينةِ المهزومة لكنَّ أبنه عبد الرحمن صاغ بمثابرةٍ شجيّة مآثرته الشاهدةِ الحناجر.
تتبع ود المداين جدك خيط الدم وأوي لكنفِ أبنه عمه الريح وتزوج أبنته الرسالة ، إستعاده علي نحو ما أرادت الرؤي الحقّة ، كنت بغموضٍ منحته طفولتك الريفية بُهار التشابي تركن لأم درمان وأمتدادها بعائلةِ بت ود المداين وتُباهي أترابك بأنتماءٍ يُحيلك ألي هنا الرادي وحين كبرت أتسع فيك التراشق وأكتسى تفاخرك لحمِه اللحني وغنيت ملءَ صوتك القبيح مع أبراهيم عوض ، لكنَّ نداء عودتك هذي لا تشبهه الحكايات بل يُحاكيه النهرَ الذي يجري بالأسافير والمشاهد شاخصة.
إنعطف الموتر ، بارحكم النهر ومضى بعد أن صار نيلاً وصمت فيك بُكَاءِ الخرائط ، إنتبه الخماسي لصمتِك القليل الحيلة فضحك أصابتك العدوي وضحكت.
تسيِّد ونستك المتقطعة مع الخامسي المكان ومعالمه ، كان صوت الموتر يُحيل الجُمل لأشلاءِ كلماتٍ جريحة ويُضيف ضجيج الشارع ما شاء من بُهارٍ بائخٍ وتشظي عجيب ، أدهشك التوحش ورأيت دموع البنايات القديمة ، تعددت فيك الروايات لكنَّ جَرَب الأسفلت أفحمكَ بدا كما جِلدَ تيس أم بليل الذي كاس الضل في القمرة ، يا لبؤسِ المشاريع الحضارية حينما يكون أزميل نحتها الإنهاك.
تساءلت هل يموت المكان؟! برغم إرادةِ الحياةِ الغلابة أو هي المغلوبة أو بين بين وما أخفاه القهر أبلغ وما أعلنته خيالات الطفيليين أفدح ، وهل لهم خيالٌ يتجاوز أُفق الشّره الذي يعتصر من الماءِ الماءْ ويُحيل الخُضرةَ لأزهارِ بلاستيك فادحةَ القُبح ، أدركتم إشارة الشنقيطي ، يمينك حديقة أم درمان الكُبري ، من ألحق بها صفة الكُبر أو الكِبر ؟! ، لربما أحد الطفابيع الخارجين من مخطوطةِ بشري الفاضل النبوءة ، ليس للأسماءِ علاقةٌ بالمسمياتِ ، أنه زمان التقعر الأجوف والإسقاطات التراثية الغبية ، إنشلغت بأسماء المحال التجارية بحثاً عن الحوري وورشته ، مررتم بعد الأشارة الناجزة بدكاكين الإسبيرات ، الأنتظار المُمِل بصمتِهِ الوجوه الحزينة ودليله الكساد الواضح ، للإرهاق هنا ألف علامة وللحيِّرةِ ملمحٍ واحد ، للخيبةِ طعمها ورائحتها العالقة في الفضاءِ كما اللعنةِ ، الشمس لا تعنيها حتي الظهيرة لربما أضجرتها الركشات المشاغبة ، الصراع تُوازنه الأحجام ولا ضابطَ من الفوضي سواها ، تناثر الأثاث المعروض بينما إختفي الصنائعية وذاب النجارين ، ثقبت عيونك الجدران تشاوفت أُذنيك لنشرِ المناشير وجريان أمواه الفأرات ، تاوق أنفك لرائحةِ الغراءِ ، هاجت رغبتك العاشقة للمسِ النشارة وجسِ حرارتها ، وشمّها ، كأنَّ أنفك سوف يستخرج من عبيرِ الأخشاب وبوحها وصراخ ذراتها أسماء الأشجار وقوام الخضرة ، تري هل كنَّ صبايا حين أُعمل فيها الفأس أم شاخت عناقيد قطفها فتدلت الأغصان ؟! هل أزمع غطاء الأرض النجوع لبيوت البشر وتحرق شوقاً لقعدات العصاري وآهاتِ التباهي ؟!. تشابيت بكيانِك لدقات الشواكيش وبُكاء الخشب وصرير المخارط ، أفتقد قلبك صولة الكارو وضجة المشترين ، إلحاح النساء عند المفاصلة ونفاذ صبر الرجال ، بحثت عن صبيان التلمذة وشغف تنططهم أو أنزوائهم المُتّرقِب ، بدا المكان مقفراً علي نحو ما ، تحسست توقعك فلربما مرت الصين من هنا كجدري أو طاعون أو لربما أعتصمت بأعالي الهضبةِ الغابات وأشجارها.
minna04@icloud.com