مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، تستعيد الخرطوم مظاهر الحياة، لكن تحت السطح يختمر قلق سياسي وإنساني عميق، وسط غياب رؤية واضحة لمستقبل البلاد.
دخل النزاع المسلح في السودان عامه الرابع منتصف أبريل الجاري، فيما تبدو العاصمة الخرطوم وكأنها تستعيد أنفاسها ببطء. لكن هذه العودة النسبية تخفي تحتها طبقات من القلق السياسي والاجتماعي والإنساني يصعب تجاهلها.
استعادة المدينة.. لكن لا الدولة
بعد أكثر من 1100 يوم من الحرب، عادت ملامح الحياة شبه الطبيعية إلى شوارع وسط الخرطوم، كما عادت الحكومة برئاسة كامل إدريس -بعد نحو عامين ونصف من التواجد في بورتسودان- إلى ممارسة مهامها من العاصمة. لكن هذا المشهد لا ينبئ بانفراج سياسي، بل يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة الانتقالية ومدى قابليتها للاستمرار.
فرغم إعلان الجيش السوداني استعادة الخرطوم من قوات الدعم السريع في مايو 2025، تبدو عودة الدولة الحقيقية بحاجة الى وقت اطول. فالخدمات الأساسية ما زالت منهارة، والبنية التحتية مدمرة، والحصول على المياه النظيفة والرعاية الصحية شبه مستحيل في أحياء بأكملها برغم جهود الحكومة الحثيثة فى هذا الشان.
عودة النازحين: اضطرار إنساني لا خيار آمن
يثير تدفق نحو 4 ملايين نازح عائد إلى الخرطوم والجزيرة جدلاً واسعاً: هل هي عودة طوعية نتيجة تحسن الأمن، أم هروب من جحيم المنافى والمخيمات إلى منازل مدمرة قد نهبت محتوياتها بالكامل؟
انقسام سياسي حاد يُفقد التفاوض زخمه
يزداد المشهد السياسي تعقيداً، فبعد تعيين حكومة مدنية برئاسة كامل إدريس في مايو 2025، أعلن محمد حمدان دقلو “حميدتي” في يوليو من العام نفسه تشكيل تحالف “تأسيس” كحكومة موازية، لم تحظ باعتراف الجامعة العربية أو الاتحاد الأفريقي، مما عزز الانقسام السياسي وأفقد أي مسار تفاوضي زخمه الحقيقي.
وفيما تتحدث الحكومة عن إطلاق حوار وطني موسّع قبل نهاية مايو المقبل، تمهيداً لانتخابات حرة، يظل هذا الطرح محط شك، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية في كردفان ودارفور، وسيطرة قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور بعد سقوط الفاشر في أكتوبر الأول الماضي.
ضغوط دولية ومأزق اقتصادي خانق
تتزامن هذه التطورات مع ضغوط دولية متصاعدة. فقد رفضت وزارة الخزانة الأميركية طلب إعادة السودان إلى النظام المالي العالمي، مشترطة إنهاء الحرب وتشكيل حكومة مدنية انتقالية حقيقية. كما فرضت واشنطن عقوبات على شركات وأفراد متهمين بتأجيج الصراع، وطالبت بهدنة إنسانية فورية لثلاثة أشهر.
لكن الموقف الأميركي يواجه تحديات؛ إذ وصف مستشار مجلس السيادة أمجد فريد الطرح الأميركي بـ”غير الواقعي”، بينما يتقدم نواب ديمقراطيون في الكونغرس بمشروعات قوانين لمراجعة تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية.
اقتصادياً، يعيش السودان أزمة خانقة. فقد بلغ سعر الدولار نحو 600 جنيه في السوق الموازية للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، ويقدّر رئيس الوزراء خسائر تهريب الذهب بنحو 8 مليارات دولار سنوياً. كما يواجه 26 مليون شخص مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج نحو عشرين مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.
الخرطوم: رمز المأزق السوداني
تظل الخرطوم رمزاً للمأزق السوداني؛ فهي المدينة التي انطلقت منها شرارة الحرب في 15 أبريل 2023، وتعيش اليوم على وقع هشاشة أمنية وسياسية تعكس عمق الأزمة.
وفي ظل جمود المبادرات الدولية -من الرباعية (الأميركية-السعودية-المصرية-الإماراتية) إلى الآلية الخماسية (الأفريقية-الأممية)- يبدو السودان غارقاً في مستنقع حرب لا تلوح لها نهاية واضحة. ومع أن البعض يرى أن حسم الجيش لشوكة قوات الدعم السريع قد يكون مخرجاً وحيداً، فإن هذا السيناريو يواجه صعوبات كبيرة على الأرض، في ظل تقارير متواترة عن تدفق مقاتلين أجانب (مرتزقة) وأسلحة إلى طرفي النزاع من جهات إقليمية ودولية متهمة بتأجيج الصراع..
خلاصة
لا يُعد القلق السياسي في الخرطوم مجرد انعكاس لاستمرار الحرب، بل هو نتاج طبيعي لغياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد النزاع. فالعودة النسبية للحياة إلى العاصمة لا تخفي حقيقة أن السودان يتجه نحو مزيد من التشرذم السياسي والجغرافي، في وقت يبدو فيه أي حل مستدام مرهونًا بإجماع وطني بعيد المنال في الظروف الراهنة.
د. عوض النقر بابكر محمد- المملكة العربية السعودية الرياض 966537626864
awadelnager@gmail.com
