دكتور الوليد آدم مادبو
ليست كل الكوارث التي تصيب الأمم نتاج مؤامرات خارجية أو تحولات تاريخية عاتية. ففي أحيان كثيرة تبدأ المأساة حين يجد بلد بأكمله نفسه رهينة لرجل لا يمتلك من مقومات القيادة سوى المنصب، ولا يملك من أدوات الحكم سوى السلطة المجردة. وحين يحدث ذلك، يصبح الوطن أسيراً لحدود شخصية الحاكم؛ يرتفع بقدر ما يرتقي أفقه، وينحدر بقدر ما تضيق رؤيته.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن النظر إلى عبد الفتاح البرهان، لا بوصفه رئيساً لمجلس السيادة، وإنما بوصفه الرجل الذي ارتبطت باسمه المرحلة الأكثر مأساوية في تاريخ السودان الحديث. فالحكم ليس رتبة عسكرية، ولا موكباً رسمياً، ولا بيانات تذاع عبر الشاشات. الحكم في جوهره مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون سلطة سياسية، وهيبة معنوية قبل أن يكون نفوذاً مادياً. وحين يفقد الحاكم تلك الهيبة، لا يعود بقاؤه في المنصب دليلاً على قوته، بل شاهداً على عمق الأزمة التي يعيشها الوطن.
ولم يكن السودانيون عبر تاريخهم يطلبون من قادتهم العصمة من الخطأ، وإنما كانوا ينتظرون منهم الحد الأدنى من الشجاعة والصدق والقدرة على تحمل المسؤولية. غير أن البرهان، في نظر قطاع واسع من السودانيين، أصبح يمثل نقيض هذه الصفات. فقد ارتبط اسمه، في نظر كثير من السودانيين، بفض الاعتصام والانقلاب على الانتقال المدني وصولاً إلى الحرب التي مزقت البلاد وشردت العباد.
حين بلغت الأمور ذلك الدرك، كان المنتظر أن يظهر القائد الذي يتحمل مسؤوليته أمام التاريخ، وأن يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. لكن المشهد الذي استقر في ذاكرة السودانيين كان مختلفاً تماماً. فقد رأى الناس دولة تتداعى، ومدناً تنهار، وملايين المواطنين يواجهون مصائرهم بين النزوح والجوع والخوف، بينما ظلت القيادة السياسية والعسكرية تدور في دائرة الخطابات والشعارات والتبريرات.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالقائد لا يُقاس في أوقات السلم، بل في لحظات الانكسار الوطني الكبرى. والتاريخ يعلمنا أن الأمم قد تتعافى من الحروب مهما بلغت قسوتها، لكنها نادراً ما تتعافى سريعاً من القيادات التي تفشل في تحمل مسؤوليتها عنها أو تفتقر إلى الشجاعة اللازمة لإنهائها.
ولعل هذا ما جعل أسماء كثيرة في التاريخ تتحول إلى دروس سياسية للأجيال اللاحقة. فلم يسقط اليمن في الفوضى لأن شعبه كان عاجزاً عن بناء دولته، وإنما لأن نظاماً قاده علي عبدالله صالح لسنوات طويلة جعل بقاء الحاكم هدفاً يتقدم على بقاء الدولة نفسها. وحين انهارت التوازنات التي بناها حول شخصه، انهارت معها البلاد ودخلت في دوامة ما تزال تدفع ثمنها حتى اليوم.
وكذلك لم يقد موبوتو سيسي سيكو بلاده إلى الخراب لأنه افتقر إلى السلطة، بل لأنه ظل متمسكاً بها بعد أن استنفد كل ما يمكن أن يقدمه لوطنه. ولم يكن روبرت موغابي يفتقر إلى الشرعية التاريخية أو النفوذ السياسي، لكنه عجز عن إدراك اللحظة التي أصبح فيها جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل. والقاسم المشترك بين هؤلاء جميعاً أنهم فقدوا القدرة على رؤية أوطانهم خارج حدود بقائهم الشخصي في السلطة.
وهذه هي النقطة التي تجعل المقارنة ذات مغزى في الحالة السودانية. فالمشكلة ليست في أن البرهان أخطأ في قرار أو فشل في إدارة ملف بعينه، وإنما في أن مجمل أدائه خلال السنوات الماضية كشف عن غياب رؤية وطنية جامعة يمكن أن تلتف حولها البلاد. فالقائد الحقيقي هو من يرى ما وراء اللحظة الراهنة، ويبحث عن المخرج قبل أن يبحث عن موقعه في المشهد القادم. أما حين يصبح المنصب هو الغاية، فإن الوطن كله يتحول إلى وسيلة.
لقد دفعت السودان إلى حافة التفكك قيادات عجزت عن قراءة اللحظة الوطنية، وقد يكون البرهان أبرز تجليات هذا العجز. فهو لم ينجح في منع الحرب، ولم ينجح في إيقافها، ولم ينجح في تقديم رؤية مقنعة لإنهائها، حتى أصبح وجوده في نظر كثيرين جزءاً من الأزمة نفسها. ولهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كان البرهان قادراً على الاحتفاظ بالسلطة، فالتاريخ مليء بحكام احتفظوا بالسلطة زمناً طويلاً. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان لا يزال يمتلك المقومات الأخلاقية والمعنوية التي تجعل أي إنسان صالحاً لقيادة شعب أنهكته الحروب والخذلان.
فالسلطة يمكن أن تُنتزع بالقوة، ويمكن أن تُحمى بالسلاح، لكن الهيبة لا تُفرض. الهيبة تُكتسب بالصدق، والشجاعة، وتحمل المسؤولية، والوفاء بالعهد. وحين تضيع هذه الصفات، لا يبقى من الحاكم سوى المنصب، أما القيادة الحقيقية فتكون قد غادرت المكان منذ أمد بعيد.
وقد يستطيع الحاكم أن يفرض سلطته على الناس فترة من الزمن، لكنه لا يستطيع أن يفرض عليهم احترامه. فالاحترام ثمرة طبيعية للشجاعة والنزاهة والقدرة على التضحية من أجل الوطن. أما حين يصبح الحاكم أسيراً لمخاوفه، وعاجزاً عن اتخاذ القرارات التاريخية التي تتطلبها الأزمات الكبرى، فإن المنصب يتحول إلى عبء عليه وعلى البلاد معاً.
والأمم لا تنهض بقيادات مهزومة معنوياً أو محكومة بهاجس البقاء. إنها تنهض بقادة يمتلكون الجرأة على مواجهة الحقيقة، والشجاعة للاعتراف بالأخطاء، والرؤية التي تجعلهم يرون الوطن أكبر من ذواتهم. وحين تغيب هذه الصفات، لا يكون السؤال متى يرحل الحاكم فحسب، بل كم سيدفع الوطن من الأثمان قبل رحيله.
ذلك أن السلطة يمكن أن تستمر زمناً بعد أن تفقد مشروعيتها الأخلاقية، لكن الأوطان هي التي تدفع دائماً فاتورة هذا التأخير.
auwaab@gmail.com
