الدوريات (العلمية) الوهمية: خطر داهم على التعليم العالي وسمعة البحث العلمي في بلادنا .. بقلم: عوض محمد احمد
26 نوفمبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
45 زيارة
awad.sd@gmail.com
ظهرت في السنوات الأخيرة في عدة أماكن من العالم (أكثرها في قارةآسيا و لحد اقل أفريقيا) آلاف الدوريات العلمية الوهمية في مختلف المجالات العلمية (يحظى الطب و علومه بنسبة بحصة كبيرة منها). يقوم على هذه الدوريات المزورة نصابون يهدفون لجمع المال من خلال طلب رسوم نشر من كاتبي الموضوعات قيد النشر في تلك الدوريات تبلغ في المتوسط 170 دولارا. الدوريات الوهمية تتبع معايير متساهلة و مطاطة في قبول النصوص للنشر و في معظم الاحيان دون اي مراجعة أو معايير، حيث ان مراجعة النصوص العلمية لتحديد مدى صلاحيتها للنشر بعد اقتراح التعديلات اللازمة من قبل الخبراء يعتبر بلا جدال رأس الرمح لتحقيق جودة البحث العلمي و حائط صد ألا تتسرب اعمال منقوصة الجودة لاضابير الدوريات العلمية الجادة. الأغرب ان تلك الدوريات ظاهريا تبدو تلك المجالات كالدوريات الحقيقية. لها مجالس محررين و مستشارين ، و تصدر بصورة منتظمة، و لها مواقع في الشبكة الاسفيرية حسنة الاعداد و التبويب و يجري تحديثها باستمرار. كما تتم عمليات تقديم النصوص و مراجعتها الوهمية و كل المراسلات بصورة الكترونية. كما انها للتمويه تعرض معامل تأثير وهمي او غير موجود هو الآخر. للاسف فأن النشر الوهمي يزدادا بوتيرة متسارعة من 53 الف مقالا في 2008م الى 420 الف في 2014م. تغري تلك الدوريات الباحثين بسرعة (مراجعة) و نشر المقال خلال ايام او اسبوعين في مقابل شهور عديدة في الدوريات الجادة.
من ينشر في تلك الدوريات الوهمية؟. تتلقى هذه الدوريات اعداد كبيرة من النصوص للنشر يشجعهم سهولة النشر و قلة المصروفات الادارية المطلوبة، عكس الدوريات الجادة. بعض الباحثين ضعاف القدرات العلمية لا مجال أمامهم الا النشر في هذه الدوريات أملا في اجتياز الترقيات الاكاديمية في معاهدهم و جامعاتهم. بعض الباحثين المبتدئين ربما لا يعرفون خلفيات هذه الدوريات و يرغبون في النشر دون النظر لسمعتها، واقعين بحسن نية في شباك (المزورين). يمتد التزوير الى حد (بيع) عضوية مجالس التحرير و المستشارين و حتى رؤساء تحرير تلك الدوريات، و هي مجالات لا يصلح لها الا الراسخون في خبراتهم و تخصصاتهم.
تنبهت كثير من الجامعات و المؤسسات البحثية (خصوصا في دول الغرب و جامعات الخليج العربي) لخطورة ظاهرة الدوريات الوهمية، فتصدر باستمرار قوائم للدوريات المعتد بها و المقبولة لدى لجان الترقيات، و ذلك حتى لا يضيع الأساتذة و الباحثون وقتهم في النشر في المجلات المزورة. و يجري باستمرار تحديث تلك القوائم و تزويد الباحثين بالقوائم و تحديثاتها.
اما عندنا للأسف فتقوم شواهد عديدة أن بعض جامعاتنا (و منها جامعات عريقة) لا تتنبه لهذا الأمر الهام (أو تغض النظر عنه) فيتم، مثلا، اعتماد الترقيات بناءا على النشر في تلك الدوريات الوهمية. و هذا امر خطير للغاية حيث يؤدي الى تضخم مرضي للدرجات العلمية دون استحقاق لها. نأمل ان تقوم وزارة التعليم العالي بايلاء هذا الامر ما يلزم من الاهتمام بالزام الجامعات باعتماد معايير صارمة للدوريات المقبولة في لجان الترقيات و الأفضل ان تتم الأستعانة بالقوائم الدولية للمدوريات المعتمدة و تزويد الجامعات بها و الزامها بعدم تجاوزها في تقويم أعمال منسوبيها
بالطبع فان الباحثين الجادين لن يضيعوا وقتا في قراءة المجلات الوهمية. لكنها للاسف سوف تستمر تماما مثل (العملة الرديئة) مسممة اجواء البحث العلمي، بل العلم نفسه. و الأمل في ان الجامعات الجادة سوف تحارب هذه الظاهرة شديدة الرداءة بتنبيه منسوبيها لها و عدم اعتماد ما ينشر فيها في معايير الترقيات.