الدولة السودانية .. بقلم: كوكو موسى
إن أي محاولة جادة لجعل الدولة السودانية قابلة للعيش والإستمرار سوف لن تتكلل بالنجاح دون إحداث قطيعة مع الشكل الحكومي الإستعماري وسلوكياته تجاه المواطنين. هناك طبعا إمكانية أن يتطور السلوك الحكومي وفلسفة الدولة الموصوفة التي تنتجه مع الزمن والتطور الطبيعي وإحتمالية تحول النخب المسيطرة عبر الإجيال بسبب الإختراق الثقافي والعولمة والقليل من المقاومة هنا وهناك إلى نخب واعية تحترم مواطنيها وهذه إحتمالية حقيقية وشبه مؤكدة ويعول عليها الكثير من المثقفين السودانيين المتعاطفين مع التركيبة القميئة الحالية ومعظمهم من المحافظين الذين يخشون من تحولات راديكالية قد تكون عنيفة تؤدي إلى تغيير شكل الحوكمة والمجتمع السوداني نفسه ، وهذه الإحتمالية في منطقها لا بأس عليها ولكنها تعني أن ينتظر السودانيون ربما لأجيال وأجيال أخرى حتى تتحقق هذه الإحتمالية. وبالتالي فإن من يعوزه الصبر لأن يده في النار أو يقبض على جمر هذا الوضع أن يضع في حسبانه أن أي ثورة قادمة – وليس إنتفاضة – لايراد لها أن تؤدي لنفس الوضع يجب أن تقوم بتدمير مؤسسات الدولة بشكلها المعروف لدينا منذ نعومة أظافرنا وأظافر أجدادنا والتي يتلظى بها أبناؤنا الصغار الآن. هذه الثورة وخصوصاً إذا إنطلقت من الوسط يجب أن لاتقع في فخ أن تقوم القوات المسلحة (إذا كانت موجودة) بالتضحية برأس النظام لكي تضمن عدم تفتيت مؤسسات الدولة بشكلها الحالي كما حدث عند الإطاحة بعبود ونميري. المشكلة الحقيقية تكمن في أن التنظيمات السياسية في الوسط أظافرها ناعمة جداً وليس لديها وسيلة لتسلم السلطة سوى إنتظار أن تقوم القوات المسلحة بتسليمها لها وكأن رسولاً ينتظر الوحي من الشيطان والذي سيكون وحياً باطلاً بأي حال ، فإن القوات المسلحة بالذات هي لب المؤسسات الإستعمارية السودانية وتمثل ضميرها الذي يتحرك ليحافظ على إستمرارية هذه المؤسسات حيث أن المستعمر بالتأكيد قد صب عصارة تربيته في هذه المؤسسة بما أنه بطبيعة الحال محتل والمحتل يحتل بجيش ويرتكز نظامه على الجيش والجيش السوداني ليس أكثر من أنه نفس قوة دفاع السودان وبنفس المهام حتى بعد كل العبث الذي مارسه فيه العقائديين في حقبتي مايو والإنقاذ ، فالإنقاذ نفسها ليست ثورة وبالتالي لم تقم بمسح الجيش وإحلاله بقواتها الإسلامية كما حدث في أفغانستان أو الصومال أو حتى إيران ، إن ما حدث في الجيش السوداني هو تغييرات إدارية واسعة ظاهراً ومحدودة جوهراً مع تشريد متشنج شبه عشوائي واسع النطاق للكوادر الإدارية والقيادية (سلك الضباط) الغير موالية أو المشكوك في ولائها لتوجه البرجوازية الصغيرة الحاكمة الجديدة (الإسلاميين) والذين هم أيضاً في جوهرهم ليسو أكثر من ’’أفندية‘‘ تربية إستعمار وتجار إحتكاريين جشعين متعطشين للسلطة أكثر من تعطشهم لتطبيق مشروع إسلامي ، والدليل على هذا أن تنظيمهم نفسه ومنذ ما قبل الإنقلاب تنظيم عصاباتي أقرب للمافيا منه لتنظيم له دعوة لمشروع من المفترض أن له أرضية صالحة في المجتمع بل وله حلفاء وثيقين في السلطة نفسها. إن مايو والإنقاذ لم تكن سوى إنقلابات أفندية ولهذا لم تستطع أن تغير من عقيدة الجيش وهي العقيدة الإستعمارية تجاه المواطنين حيث أن الأفندية هم أنفسهم أدوات إستعمارية ولهذا فإن العقيدة والعقلية واحدة. إن مؤسسة الأفندية في السودان ليست أقل خطورة من ما يطلق عليه في أدبيات الهامش بمؤسسة الجلابة ، فمؤسسة الأفندية وهي ليست بالضرورة مرتبطة بعمر أو جيل معين هي الكادر الإداري والفني بذات الموروث الإستعماري الذي يدير مؤسسات الدولة والقطاعات الإقتصادية الكبيرة بعيداً عن مصلحة المواطنين وكأنه لازال يديرها لصالح المستعمر الأجنبي وآخر ما في مخيلته أن يوجه الدولة وإقتصادها يوماً ما للمواطن فهو دائماً مشغول بخدمة مستعمرٍ ما بدون أي وازع أو ضمير حيث أن فاقد الشيء لايعطيه فهو مدرب على ذلك منذ البداية فهو عبارة عن أداة ليس إلا ، ومن يتشيطن منهم يصبح هو المستعمر الجديد عن طريق إنقلاب أو صناديق الإقتراع الحرة في ما يسمى بالديموقراطيات السودانية ، والجدير بالقول أن المستعمر نفسه ليس بذلك السوء ولكن من المؤكد أن أدواته أسوأ منه. أما مؤسسة الجلابة فهي مؤسسة الرأسمالية وشبه الإقطاع الوطنية المتوحشة والتي تقوم بإمتصاص ثروات وفائض قيمة الإنسان السوداني غالباً من الأطراف حيث الثروات متوفرة بكثرة وحيث يعتبر الإنسان نفسه دون غضاضة ثروة هناك ، إلا أن مؤسسة الجلابة هذه نفسها لاتستثني الوسط ولكن إصطباغها غالباً بصبغة عرقية معينة وهذه حقيقة لايمكن إنكارها هو ما جعل المصطلح شديد الحساسية ومحل نزاع وإستقطاب إثني وعرقي يقع في فخه كبار المثقفين أحياناً. وبالمناسبة بما أن للإستعمار أفضال كبيرة على الجلابة إلا أن أفضال الجلابة على الإستعمار قد كانت أكبر ، ولا زالت مؤسسة الجلابة تلعب نفس الدور ، إن مؤسسات الدولة الإستعمارية والأفندية والجلابة هي تحالف مصمم ضد الإنسان السوداني وأي ثورة حقيقية معنية بتحقيق الرفاه وحتى الحوجة الأساسية أو حتى العدالة والكرامة مع الجوع للإنسان السوداني لامحل فيه للتسامح مع هذه المؤسسات أو بعبارة أخرى فإنه لابد من تأديب ’’الميري‘‘ وحلفائه وأن قادة أي ثورة حقيقية لا بد أن يستلموا السلطة فعلياً وأن يحلوا عناصر من روح هذه الثورة لتسيطر فعلياً على مفاصل هذه الدولة في حالة عدم إمكانية مسحها تمهيداً لتفكيكها بطريقة منهجية وإعادة بنائها من جديد وغني عن القول أن هذا حدث في عدة دول منها القريب والبعيد ولهذا فإن هذه ليست أساطير الأولين.
لا توجد تعليقات
