الديمقراطية والجيش .. بقلم: د. الصديق عبدالباقي

 

فرضت معظم الشعوب الديمقراطية نظاما للحكم على نطاق العالم منذ الربع الأخير من القرن الماضي. و اضطرت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لإظهار المزيد من الاهتمام ولتفعيل البرامج والأنشطة العملية لدعم و تكريس الحكم الديمقراطي و بذل المساعدة القصوى للديمقراطيات المستردة و الجديدة. وقد تم اعتماد الخامس عشر من سبتمبر يوما عالميا للديمقراطية. وعلى المستوى الإقليمي فإن الميثاق الأفريقي بشأن الانتخابات و الحوكمة الديمقراطية قد نص صراحة على حماية الانتخابات الحرة النزيهة والتداول الديمقراطي كما حظر تغيير نظام الحكم بالانقلاب العسكري أو التمرد المسلح أو المليشيات أوالمرتزقة . 

و بالنسبة لأمريكا اللاتينية فقد سبقت منظمة الدول الأمريكية OAS الى حماية الديمقراطية وحظر الانقلابات العسكرية بموجب ميثاق سانتياغو ١٩٩١ و قرارات واشنطن ١٩٩٧ و ميثاق الديمقراطية الموقع في ليما في ٢٠٠١ .و صار للمنظمة بموجب ذلك اتخاذ ما يلزم من إجراءات ضد أي دولة عضو يتعرض فيها الحكم الديمقراطي لخطر وشيك.
و من موقفه بشأن ” دور الجيش في الديمقراطية” يؤكد حلف الناتو لشركائه الجدد من أوربا الشرقية ضرورة إرساء قواعد مفصلية من بينها :
١. السيادة تنعقد في المجتمع الديمقراطي للحكومة المدنية المنتخبة و تخضع لها مؤسسات الدفاع و الأمن . و تعتبر مؤسسات الدفاع والأمن جزءا من السلطة التنفيذية و تخضع من ثم لسيادة حكم القانون ورقابة البرلمان والقضاء والمراجعة المالية العامة لأداء الدولة.
٢. أن استدامة الحكم الديمقراطي تتطلب ضمانات دستورية وقانونية واضحة وجلية تحمي الدولة بما فيها الجيش من خطرين محدقين يتهددانها هما: خطر السياسيين ذوي الطموح العسكري و / خطر العسكريين ذوي الطموح السياسي.
٣. تنظيم العلاقة بين دولة المدنية ومؤسسات الدفاع والأمن عبر وزارة دفاع مدنية و ايلاء الأهمية القصوى للتدريب العسكري المهني الاحترافي وتكريس استقلالية الجيش و حياده السياسي.
و هنا في السودان يجاهر بعض السياسيين المدنيين بتحريض الجيش للانحياز لموقف المحرضين السياسي . و لا شك أن العسكريين المحترفين لا يسعهم إلا تسفيه مثل ذلك التحريض لأسباب ليس أقلها جرأة هؤلاء بتزكية أنفسهم و تصويرهم للمؤسسة العسكرية كما لو كانت حارسا ليليا مهمته حماية مصالحهم دون غيرها. كما أن التحريض يمكن أن يرقى لجريمة حال تسببه في ضرر يلحق بالمؤسسة العسكرية أو الدولة المدنية أو الغير.
و قد دلت تجربة دول أمريكا اللاتينية على أن الجيوش الوطنية فيها قد قبلت مرغمة بعد عقود من الحكم العسكري الفاشل و المدمر بالضرورة أن تنأى بنفسها عن السياسة وتعود لثكناتها العسكرية. كما أن بعض العراقيل و الشروط الانتقالية التي وضعها العسكر مقابل تنحيهم عن كراسي الحكم سرعان ما تلاشت عقب استتباب الحكم المدني . فقد شهدت دول مثل شيلي والأكوادور اشتراط الجيش استمرار هيمنته على نصيب من عائدات البترول و التعدين مقابل تخليه عن كرسي الحكم. كما شهدت دول مثل الأرجنتين والبرازيل اشتراط العسكر تحصين أنفسهم من المساءلة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان واشتراط بعضهم قيام مؤسسات مدنية من سدنتهم القدامى ضمانا لاستمرار مراعاة موقف الجيش المناؤى لجماعات يسارية أو مدنية متطرفة. وفي بعض الدول فشل العسكريون والمدنيون في الاتفاق على شروط تخلّي العسكر عن كراسي الحكم مما حدا بدول مثل هايتي وبنما وكوستاريكا إلي الإلغاء المؤقت أو المستدام للمؤسسة العسكرية .

drsiddig57@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً