الدين وتحولات الدولة التركية … بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

(1)

 بعد الاستماع إلى إحدى السيدات التركيات تحدثنا عن الأوضاع في تركيا، خيل إلى أن البلاد تحولت إلى جمهورية تركيا الإسلامية. فقد أوردت السيدة قائمة طويلة من الشكاوى حول اضطهاد الدولة للعلمانيين، وتحول الشارع ضدهم، بحيث أنه أصبح من الخطر على الفتيات أن يتجولن بملابس قصيرة في الأناضول، أو على المفطرين المجاهرة بالإفطار في رمضان. وأسهبت كذلك في الحديث عن التمييز ضد العلويين (الأكراد) والعلمانيين في الوظائف في الدولة أو في عقود الدولة مع المؤسسات التجارية والصناعية التي يملكونها.

 (2)

 كان أحد المتحدثين قد تحدث باسهاب قبل ذلك في سمنار الحريات الدينية الذي انعقد في استانبول مطلع هذا الأسبوع عن نموذج الدولة العلمانية في تركيا بالمقارنة مع الولايات المتحدة وفرنسا، وخلص إلى أن التشدد العلماني في تركيا يقارب التشدد الفرنسي ويزيد عليه، مع الفارق هو أن مستوى التدين في تركيا أعلى بكثير والدعم للعلمانية أدني كذلك. على سبيل المثال نجد ثلاثة أرباع الفرنسيين أيدوا حظر الحجاب في المدارس، بينما يؤيد ثلاثة أرباع الأتراك السماح بالحجاب في المدارس والجامعات والأماكن العامة، وقد اختلف تجاوب الدولة مع الشارع في الحالين.

  (3)

 علق أحد الحضور منتقداً ما وصفه بمبالغة السيدة في أقوالها، رغم أن قلق العلمانيين من تصاعد التيار الديني المحافظ قد يكون مبرراً. وأضاف بأن المزاعم حول اضطهاد العلمانيين أو الأقليات بعيدة عن الحقيقة. وقد ذكر معلق آخر السيدة المتحدثة بأن حكومة اردوغان كانت أول حكومة تعترف بحقوق الأكراد ممن مارس الكماليون المتشددون الذين تتحدث باسمهم السيدة الاضطهاد في حقهم وإنكار هويتهم مما استدعى قيام تسعة وعشرين انتفاضة كردية مطالبة بالحقوق الكردية. وكشف معلق ثالث أن حكومة أردوغان كانت أقرت قانوناً يدعم حقوق الأقليات الدينية ولكن المعارضة العلمانية عارضته بل قدمت شكوى إلى المحكمة الدستورية التي قامت بإسقاط القانون. وبحسب هذا المعلق فإن المؤسسة العلمانية تعارض حقوق المسيحييين وغيرهم حتى لا يطالب المسلمون بحقوق مماثلة! 

(4)

 كنت قد سمعت من قبل مثل هذه المخاوف من طالبة تركية في جامعة بيرمنجهام بعد محاضرة ألقيتها هناك الشهر الماضي، حيث قالت إن وصول حكومة اردوغان إلى السلطة تسببت في ضغوط اجتماعية على الفتيات لارتداء الحجاب. وكانت إجابتي أن الضغوط الاجتماعية نحو التدين توجد كذلك في دول تعادي حكوماتها المد الإسلامي مثل مصر وسوريا وتونس وغيرها. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الضغوط في مجتمعات أخرى على الفيتات لارتداء الملابس القصيرة أو للشباب لتناول المخدرات أو لتعاطي الجنس. فليس اللوم (أو الحمد) في هذه الحالة على الحكومة أو لها.

(5)

 في الجدال الذي ثار في سمنار استنبول، تمت الإشارة إلى أحداث راح ضحيتها بعض الأتراك ممن تحولوا إلى المسيحية والمبشرين المسيحيين على يد شباب من القوميين الأتراك المتشددين. وقد قال بعض المتحدثين إن بعض الأجهزة السرية في الدولة ذات العلاقة بالجيش والمخابرات كانت ضالعة في الأحداث. وأثار هذا بدوره جدلاً حاداً حول المؤامرات والمتآمرين ودوافعهم.

(6)

 ذكرني هذا الجدال بزيارة سابقة لاستنبول قبل أكثر من عقد من الزمان حاصرتني خلالها ثلة من الصحافيين الكماليين بأسئلة في سلسلة من المقابلات حول مستقبل الديمقراطية في تركيا مع صعود الإسلاميين. وقد رد عدد منهم على استغرابي لأسئلتهم بالإعراب عن التخوف من أن يستولي الإسلاميون على السلطة خلال عقدين من الزمان إذا لم يتم وقفهم وتحجيمهم. ويبدو مما سمعنا أن الأمر قد قضي وأن تركيا قد تغيرت إلى غير رجعة.

(7)

 إحدى علامات ما حدث من تغيير ثوري أنني التقيت لأول مرة أحد المفكرين الليبراليين ممن هاجم كمال أتاتورك علناً في الصحف واتهم عهده بالرجعية والتخلف. وقد سجن الرجل وفصل من عمله في الجامعة واضطر إلى أن يعيش في المنفى لأكثر من عام، ولكنه عاد إلى استانبول واستمر على موقفه، قائلاً إن في غاية السعادة لأنه هاجم “إله القوم العلماني“.

(8)

  ما لم يتغير هو روعة استانبول وسحرها المقيم، وقد ضنت بالكثير منه علينا لأن آخر أيامنا هنا شهد انهمار المطر مدراراً. ولكن هذا لم يمنعنا من الخروج والعودة مشياً إلى الفندق عبر ميدان التقسيم بعد توقف المطر، وإن كان حرمنا من متعة التنزه بالقوارب على مضيق البسفور الذي اكتفينا بتأمله من نوافذ الفندق أثناء انعقاد المؤتمر.

(9)

 استنبول تكاد تكون نسيج وحدها بين مدن العالم الكبرى -لا تكاد تضاهيها في هذا إلا لندن- من حيث جمعها بين سحر الطبيعة وكونها تشبه متحفاً كبيراً يفوح عبق التاريخ من كل متر مربع منه، إضافة إلى أنها مدينة حديثة مزدهرة. ولم أكد أجد شخصاً واحداً في استنبول يشكو الحال، فالجميع من سائق التاكسي إلى مضيفينا يعبرون بالفخر والسعادة كونهم من سكان استنبول، ويؤكدون أنه لا ينقصهم شيء إلا شفقتهم علينا كوننا سنغادر استنبول ونحرم من نعيمها المقيم. نسأل الله أن يديم النعمة ويزيد أهلها من نعمة الحرية التي بدأوا يتذوقونها كذلك.

awahab40@hotmail.com

عن د. عبد الوهاب الأفندي

د. عبد الوهاب الأفندي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً