فى إحدى المقابلات الصحفية قال الخاتم عدلان ” دخلت الحزب الشيوعى ونلت العضوية فى اكتوبر ١٩٦٤ بعد فترة ترشيح ٣ شهور. كان احمد العبيد ممن اعانونى فكريا وكان يتميز بهدوء غير عادى، حديثه بطيئ وكان ثابتا وواثقا من نفسه. انا كنت عكسه حينما أتحدث عن الشيوعية، حيث يكون هناك مجال للشكوك، او راى آخر ، او ايحاء بان هذا غير مكتمل. احمد كان يلقى هذه المحاضرات بصورة إيمانية مطلقة، وكان من الطبيعي ان ينتقل من هذا الايمان الى ايمان آخر وهو التصوف حينما أصبح متصوفا فيما بعد. المجال الشيوعى الايمانى يمكن ان يتوافق ويجد نفسه فى مجال صوفي ولا أعتقد ان ذلك يعد انقلابا فى حياة شخص ما.”
انتهى الاقتباس
كتب المرحوم الخاتم وثيقة إصلاحية بعد ان افتتحت قيادة الحزب الشيوعى ما عرف ب ” المناقشة العامة” بعد سقوط الاتحاد السوفيتى . جاءت الوثيقة الإصلاحية تحت إسم ” آن أوان التغيير” ولم تطبعها سكرتارية الحزب لمدة عام مما دفع الخاتم إلى طباعتها وتوزيع عشرون نسخة منها الامر الذى اضطرت معه قيادة الحزب الشيوعى إلى طباعة وتوزيع عدد محدود منها!.
وقد جاء فى تلك الوثيقة الإقتباس التالى “من هنا يصعب الحديث عن الطبقة العاملة السودانية الا اذا تعاطينا مع التلفيق ، وحددنا بصورة مسبقة وتحكمية ، ان الماركسية اللينينية هى تلك الايديولوجية وعلى الطبقة العاملة ان تتبناها رغم انفها وفى هذه الحالة لا يكون هناك فرق بين ان تتبنى هذه الايديولوجية او ان ترفضها ، لاننا لم نضع اعتبارا لهذا القبول او الرفض، فى وصف الماركسية بانها ايديولوجية الطبقة العاملة. ونحن قد فعلنا ذلك وما زلنا نفعله . ولكن الوصاية المبثوثة فى هذا القول لم تعد محتملة اليوم . فالوعى الديمقراطى قد تنامى بصورة تجعل من مثل هذا الادّعاءات فادحة الثمن على المروجين لها.
ان ازمة المشروع الماركسى تتمثل فى هذه النقطة بالذات ، وقد راهن هذا المشروع على حصان بدا جامحا ولكنه اصيب بالوهن فى منتصف الطريق . ولعله سيكون من المفيد ان نتذكر ان تعلق ماركس بالبروليتاريا كان فى اساسه تعلقا رومانسيا لفتى لم يتعدى العشرين الا قليلا عندما كان يبحث عن العدالة المطلقة ، فاستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص ، واصبغه على طبقة اثارت شفقته ، واستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة . وقد ظل ماركس فى نضجه وشيخوخته امين امانة مدهشة ، لمشروع كان قد صاغه فى صباه . ان من يقرأ نصوصه حول العمال الفرنسيين ، والعمال المهاجرين الالمان – الذين يشع النبل من اجسادهم – سيدرك بسهولة ما نرمى اليه . ان المطلع على اعمال ماركس لن يجد فى ترشيحه للبروليتاريا لقيادة التاريخ الانسانى سوى اسباب واهية .”
انتهى الاقتباس
فى الاقتباس الأول يمكن ملاحظة ان الخاتم كان يمجد قيم “الشك” فى مجتمع وثقافة تمجد ” اليقين” مع ان العلم يقوم على التجربة والشك. ولذلك فهو لم يكن يرى ان تحول بعض الشيوعيين إلى متصوفة امر غير طبيعي بل هو شئ فى غاية الاتساق لأنه يأتي فى إطار ” الإيمان” والكثير من الشيوعيين يؤمنون بالماركسية اللينينية ايمانا لا ياتيه الباطل من بين يديه.
أما فى الإقتباس الثانى والذى يرى فيه ان كارل ماركس فى ترشيحه للطبقة العاملة فى إطار بحثه عن العدالة المطلقة كان قد إستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص وأسبغه على طبقة اثارت شفقته وأستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة.
هذا الاقتباس جعلنى أتوقف كثيرا لأن ماركس كان من ضمن الهيجليين الشباب ثم صار من أنصار لودفيغ فيورباخ وذلك فى بدايات حياته وفى ذلك دلالات عديدة.
يتفق علماء الفلسفة والاجتماع اليوم حول صحة موقف الفيلسوف الالمانى العظيم ايمانويل كانط الذى قرر بعدم قدرة الانسان على معرفة كل شئ خارج نطاق الحواس الخمس ولذلك فان المعرفة عنده تقوم على دراسة الظاهر ويبقى الجوهر عصيا على المعرفة الكلية. ومن ضمن ذلك معرفة الله. وقد كان كانط امينا فى ذلك رغم انه لم يكن ملحدا. لكن جاء هيجيل ليفترض امكانية معرفة الشئ فى ذاته او جوهره ومن ضمن ذلك طبعا معرفة الله مستعينا بالجدل الميتافيزيقى الارسطي لأثبات وجود الله وفق ديالكتيك الحضور والغياب بمعنى ان الخلق يدل على الخالق ، سعيا لأثبات وجود الله .
تعميم الجدل او الديالكتيك واخراجه عن السياق الارسطى قد أصاب المعرفة فى مقتل. وقد استلف ماركس الدياكتيك من هيجيل كأداة للمعرفة مع تعديلها لتتوافق قوانين الجدل مع تصوراته المادية للعالم . المادية الجدلية من بنات افكار لينين وليس ماركس الذى كان فقط يتحدث عن ” المفهوم المادي للتاريخ”.
ولذلك يكون الخاتم قد اصاب الحقيقة فى مقتل حينما ذكر ضمنا ان ترشيح الطبقة العاملة لقيادة التاريخ ادعاء لا يسنده التاريخ الذى سار فى وجهة اخرى عن تلك التى حددتها الاحزاب الشيوعية.
نقد فيورباخ للدين يقوم على افتراض وجود اله متعالى خارج الانسان. حيث كان يرى ان فكرة الله هى من صنع الانسان حتى يسبغ عليه الانسان ضعفه ليستقوى به. وهذا هو التصور السائد فى الديانات الابراهيميه الثلاثة وهو أمر مفهوم لانه يعطى شرعية الوساطة والسيطرة للكنيسة ورجال الدين ومن خلفهم الدولة والسلطات السياسبة سواء أكانت روما ام الدولة العباسية.
الواقع ان الإسلام الصوفى لا يترك مجالا لتلك الوساطة لان الله أقرب للانسان من حبل الوريد وحيث ” ما فى الجبة إلا الله”. وكذلك نجد ان برديات نجع حمادى التى كتبت فى القرن الثانى الميلادى وتم إكتشافها فى العام ١٩٤٧ توضح وجود تصوف مسيحى اذ كان المسيح يخاطب حوارييه بقوله ان مملكة الله ليست فى السماء بل داخلكم أنتم. ولكن جاءت روما فيما بعد فى القرن الرابع الميلادى وتبنت المسيحية التى نراها اليوم وابعدت تماما التعددية فى فهم المسيحية أبان نشأتها الاولى.
جدير بالذكر ان مشروع الخاتم عدلان السياسى بعد خروجه من الحزب الشيوعى كان فى شراكة مع بعض الجمهوريين الملتزمين من أمثال المرحوم بشير بكار والمرحوم الباقر العفيف لان التصوف الاسلامى لا يتعارض مع حقوق المواطنة والدولة الحديثة . وقد كانت تلك شراكة استراتيجية بالنسبة للمرحوم الخاتم.
كما ظل الخاتم على قناعة بضرورة إقتلاع الكيزان اقتلاعا بقوة السلاح منذ مجئ انقلاب الانقاذ ،وقد طرح رؤية ” تكتيكات فعالة لمواجهة الانقاذ” وافقت عليها سكرتارية الحزب الشيوعى فى البداية حسب قوله ولكنها إنقلبت عليها ١٨٠ درجة بعد ذلك بتوصية من محمد إبراهيم نقد عليه رحمة الله.
مهما اتفقنا او اختلفنا حول سيرة الرجل او مواقفه، لايمكن إنكار حقيقة ان الخاتم عدلان كان زرقاء يمامة.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم