الرجال لا امان لهم يا سيدتي .. بقلم: عبدالغفار عبادي

.عاشت مع زوجها على شاطيء الحرمان سنوات عديدة … لم تكن تتذمر من فقره و ضيق ذات يده بل كانت تواسيه بعبارتها الممزوجة تفاؤلا و حنانا ( بكرة ربنا حيفتح عليك يا حسن … ) … ( بكرة دي متين يا ست الحريم ) …. ( يا راجل اصبر … الحمدالله نحنا عايشين بالكتير و بالقليل و احسن من ناس كتيرين ) … ( انتي بتسمي دي عيشة يا حنان ) …. ( مالها عيشتنا دي … الحمدالله مستورين … ماكلين و شاربين و بيتنا لامينا و ساترنا ) …. ( عليك الله ما زهجتي من اكل الفول و العدس و السخينة … و الخرابة الساكنين فيها دي بسميها بيت …. هسه انتي حامل في شهرك سابع لمن تلدي حتستقبلي ضيوفك وين … حق المستشفى وين و حق السماية وين… هسه لو استعملتي الحبوب دا كان كلو ما حصل ) … ( يا راجل استغفر … و بعدين مافي زول الله بضيعوا و كل مولود بجي برزقوا و الحبوب دي قروشها بتعمل لي حلتين بأكلونا اسبوع … الفقر عمرو ما كان عيب يا حسن ) …. ( انتي عارفة انتي الحاجة الوحيدة الجميلة في حياتي … والله لو لقيت قروش املاكي دهب من راسك لي قدمك و اسوقك نلف الدنيا دي كلها ) … ( الله يهون يا حبيب القسا و ربنا يديك الفي مرادك ) .
رغم ذلك الفقر المدقع كانت حنان تناضل لاسعاد زوجها تقتطع من لحمها لتشتري بعض الحناء و المحلبية و تتسول الصندلية و الخمرة و الطلح عند صديقاتها و جاراتها اللاتي اصبحن يلاقينها بشيء من البرود و الضجر بسبب ( لو ولعتي الحفرة كلميني يا اخلاص …. اقسم لي حبة صندلية في الفتيل دا يا سامية ….. لو فتحتو الجست دا كلموني اجي افرد معاكم يا سلمى ) ….. تذهب لزيارة اشقائها فتعود منهم بما فيه ” النصيب ” فتذهب به فرحة الى السوق لتشتري تلك الوجبة الفاخرة التي يحبها زوجها و تلك الحلوى التي يحبها صغارها ووووو …. و عندما تفكر في احتياجاتها تجد ان المال قد نفد ….
عامان و هي تجاهد لشراء ( توب مرقة ) و في كل مرة تجمع مبلغا من ثمنه تخرجه في حاجة زوجها و صغارها ….
لا زالت تذهب الى الافراح ( بتياب الشيلة ) التي مضى عليها عشر سنوات فتمزق حواف بعضها و بهت بعضها و دخل بعضها المتحف عنوة و اقتدارا …
قبل ستة اشهر اعطتها شقيقتها الصغرى مئتي جنيه لتشتري لها بهم ثوب حتى لا تفضحهم ” بشراميلها ” هذه بين الاهل و الجيران ، حملت حنان المال غير مبالية بغطرسة شقيقتها و كلماتها الجارحة و هرولت به نحو زوجها ( شيل دي اشتري ليك مقطع جلابيية و خيطوا و اشتري ليك جزمة لانو خلاص جزمتك دي قدمت خلاص ) … و استمرت في نضالها و كفاحها لاجل عائلتها و شعارها ( زوجي و اولادي ثم زوجي و اولادي ) .
و لان الرزق تحت مشيئة الرحمن بين عشية و ضحاها تبدلت احوال زوجها و طرق الغنى بابه عبر الميراث الذي جاءه بلا موعد بعد وفاة ذلك القريب المنسي …
الكريزة الباهظة الثمن و مركوب النمر و العطر الباريسي و الساعة السويسرية و السيارة الفارهة اصبحت اصيلة في مظهره و هندامه …. و الفتيات اللاتي لم يكن يأبهن لوسامته في فقره اصبحن يطاردنه بهمة غريق يبحث عن النجاة …. استحوذت احداهن على قلبه و اصبح الزواج منها شغله الشاغل … اصبحت كل كلمة تنطق بها حنان مصدرا لكدره و ازعاجه و طلباتها الواقعية لرجل بثرائه اصبحت غير واقعية و في معظمها مرفوضة …. عرفت حنان من احد اصدقائه بعزمه الزواج من تلك الطبيبة الثلاثينية فثارت ثائرتها و واجهته بالامر فلم ينفي فتلاسنا بعنف و انتهى الامر بان طلقها و اصطحبت ابنائها الخمسة الى منزل شقيقها ….
علمت بالامر فذهبت اليه معنفا و معاتبا و مترجيا … ( معقولة يا حسن تسيب حنان الصبرت معاك على المر سنين و تطلقها بالبساطة دي ) … ( حنان قلت ادبها علي ) … ( انت عايز تعرس فيها عايز كيف يكون البساط احمدي و بعدين اتذكر افضالها عليك ) …. ( اي زول بعرس الله قال اربعة … و بعدين انا اتزوجتها و هي اصلا ما مصدقة زول زي اتزوجها و هي اصلا فيها عرق …. و اصلا اي مرة واجب عليها تخدم راجلها و انا والله لو ما قلت ادبها كنت ناوي اعيشها احسن عيشة ) .
انتهى الامر بحنان خادمة في احد منازل الاثرياء حتى لا تشق على شقيقها الذي اصبحت زوجته متبرمة منها و من ابنائها …. الححت عليها ب” جرجرته ” الى المحاكم و سوف تحصل على نفقة لا بأس بها سوف تغنيها عن هذا العمل الذي لا يشبهها ولا يشبه عائلتها …. ( والله الزول دا ما داير منو حاجة …. لو اموت بالجوع ما عايزة منو حاجة و ما عايزة حاجة تذكرني بيهو … الانسان البقابل الحنان و العطف بالقسوة و الاحسان بالاساءة و الجميل بالشين ما عااااااوزة منو شي و قروشو حلال على ” …. ” العرستو دي ) .
آخر الحكي
*****
كم من حنان بيننا و كم من حسن حوالينا و يا مأمنة الرجال يا مأمنة المية في الغربال .

abdelgafar52@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً