alshiglini@gmail.com
كتب وهو في السنة الثانية بآداب جامعة الخرطوم في سبعينات القرن الماضي:
إني أرنو لصيدٍ لا يقاوِم
حاك لي حبل نجاتي
وأنا في اليمِ ممكونٌ
ولا أعرف ذاتي
*
أعلاه جزء من تجاربه الشِعرية التي لا يحب الحديث عنها ، لأنها في نظره تجربة فطيرة و منخفضة الشاعرية. ألحّيتُ عليه أن يضمها لروزنامة أشعاره ، وإن تطلّب ذلك تعديلها . لم يزل عند رأيه حتى الآن . سابقاً قدّمها ذات أمسية لسكرتارية الصحيفة الطالبية الحائطية الثقافية ” مواقف ” .حضر إلى الطابق الثاني وطرق الغرفة رقم ( 18) من مبنى داخلية طلاب جامعة الخرطوم ، التي كان يفصلها عن مبنى وسط جامعة الخرطوم في السبعينات طريق هو ” شارع الجامعة “المشهور .وكانت هي غرفة اجتماعات سكرتارية الصحيفة.
فُتَح باب الغرفة ، وترك القصيدة التي ذكرنا مطلعها عند أول قادم لفتح الباب، ولم ينبس ببنت شفة . أودع طالب السنة الثانية آداب: ” بشرى الفاضل ” قصيدته التي اقتبسنا بعض أبياتها أعلاه ، ثم انسحب وابتلعته الظُلمة.
*
جاءت سكرتارية الصحيفة الحائطية الثقافية” مواقف ” . أصيبوا جميعاً بالدهشة : كيف يكون هناك طالباً بهذا الاخضرار الكثيف ولا يتعرفون عليه؟!. كيف لا يتعرفون على هذا المُبدع الذي سيصبح جسداً أصيلاً ضمن مُحرري صحيفة ” مواقف ” الحائطية “بقهوة النشاط ” التي أزالها ” الجهل النشط “من الوجود في مُقبل السنوات ؟!.
*
في الصباح كانت سكرتارية ” الصحيفة الحائطية الثقافية ” تُلاحق الطالب” بشرى الفاضل ” .ونشأت صداقة بينهم دامت إلى تاريخ اليوم . كنتُ حينها أقوم بالأعمال الفنية الجمالية لصحيفة الحائط الثقافية ” مواقف ” ، دون مشاركات أخرى . بيننا وبين الآداب حينها بون شاسع. كان الراحل الطالب ” كمال النَّقر ” يقوم بالخط العربي للصحيفة الحائطية ، ويُصحح بموسوعيته الموضوعات ، ويشرف على طقس الاخراج . ويُدقق أيضاً على الوقائع التاريخية . و كان تم فصله سياسياً من كلية القانون منذ أيام الحكم العسكري الأول . تحول مديراً لأحد المدارس الشعبية ، وامتحن الشهادة السودانية مرة أخرى عام 1971 ، وعاد للجامعة ملتحقاً بآداب جامعة الخرطوم! .
كان من ضمن مُحرري الصحيفة تلك ” الدكتور حالياً ” مبارك بشير سليمان ” الشاعر الغنائي المعروف والمكنوز ثقافة ، و كذلك البروفيسور ” صلاح حسن الجرّق ” المختص الآن في الفن الأفريقي والثقافة بجامعة ” كورنيل ” بنيو يورك. والإنسان المُبدع في كل ضروب الفن ” صلاح حسن أحمد “. والأخير هو مؤلف المسلسل الإذاعي في السبعينات ” الحياة مهنتي ” وكاتب السيناريو ، وكان حينها مساعد المخرج ” صلاح الدين الفاضل ” في تلك التجربة ،وكان ” صلاح حسن أحمد” وقتها طالباً في السنة الثالثة في آداب جامعة الخرطوم !. ولاحقاً أصبح بعد تخرجه من الجامعة مُحرراً في المجلة الإنكليزية ” سوداناو ” تحت إشراف الأستاذ ” بونا ملوال ” وزير الإعلام في السبعينات ، ثم رحل بعد ذلك مُحرراً في ” الـ بي بي سي ” العربية في لندن ، ثم انتقل مُترجماً في صحيفة “الشرق الأوسط” التي تصدر في لندن .
*
لم تكُن المجلة الحائطية ، إلا وتتبع منهاج صحافة الحائط الثقافية التي كان من محرريها ” بروفيسور “علي المك ” أو الشاعر “صلاح أحمد إبراهيم ” في أواخر خمسينات القرن الماضي، عندما كانا طلاباً في جامعة الخرطوم .
لم تكُن الصحيفة الحائطية الثقافية ” مواقف ” إلا من تُراثنا الثقافي ، رغم كثير من الأمواه التي جرت تحت جسور التاريخ. تُراث كبير منذ منتدى جماعة الهاشماب و جماعة أبو روف، قبل تكوين مؤتمر الخريجين . لم تكُن الثقافة منذ الثلاثينات طارئة على حياة المثقفين . رغم ارتدادنا إلى الوراء !.
(2)
” بشرى الفاضل ” خرج عن سماوات خيالنا المعهود بغرابة ما يُكتبه . في الشِعر و في القصّ وفي الرواية .هو ذهنٌ متّقد ، لا سقف لأحلامه أو رؤاه أو أقاصيصه. سماواته أرحب مما كُنا نتخيل . بدأت بذرة إبداعه منذ السنة الأولى في متوسطة ” المدينة عرب ” .وازدهرت في ثانوية ” حنتوب “، حيث نما إبداعه في حُضن ” طلائع الهُدهُد ” التي أسسها أستاذ الفنون بحنتوب ولاحقاً الدكتور ” عبد الله بشير بولا “.
(3)
كثير من أصحاب الرؤيا ، والابداع الرصين يقفون في مفترق طُرق عصيّة على السير في أرضية حجارتها . دائماً تشغلهم الكتابة للجمهور الخاص ، وللجمهور العام. استخدم الدكتور ” بُشرى الفاضل ” المُفردات عاديّة التداول ، ونسج منها قصصه في منعطف العُمر منذ سبعينات القرن الماضي . زاوج هو بين اللغة المتوسطة الدلالة ، ليصنع منها مردة خيال عِظام ، لا يوقف صعودهم حواجب أو متاريس سماوية . لم تكُن لغته مُقعّرة ، بل مُنسابة وادعة .وتنأى أساليبه عن البلاغة المُركبة رغم مقدرته ، فيسهُل للعامّة قراءة ما يكتُب، بل وتمسّ وجدانهم ،وسط دهشة منْ يقرأ أو منْ تقرأ .فتصويره للأحداث يذوب في خيال فنتازيا مُترفة ، ولكن لقصصه تذكرة عودة إلى الواقع لمَنْ يقرأ العِبر. يُلبِس الكائنات غير البشرية روحاً وحياة كأنها بشر ، ويتناول الواقع بخفة ومهارة وجاذبية . يضع الأشياء في مواضع المفاجآت المُدهشة . يأخذ من تُراث البيئة و يُلبسها جسوماً أخرى.
(4)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم