ضمير مستتر ..
( … السبب الحقيقى الذى يدفع إثيوبيا للإستحواذ على مياه النيل ربما هو إعادة توزيعها فى نظام رىّ دائم يخدم الإستثمارات الخليجية الزراعية والحيوانية فوق العملاقة ويبقى عليها، بمعنى أن دول الخليج ربما هى المحرض الفعلى لإثيوبيا على مشروع بناء السد على حساب تدمير مصر، لتتفق إرادتهم مع ما يسعى اليه العدو الصهيونى، لكن من زاوية أخرى)
———————
ـ فى ابريل 2015، وفى دراستى المتواضعة “مصر وسد النهضة .. ضبابية الواقع وتخوفات المستقبل”، تحدثت، وربما كنت فى صدارة من فعل ذلك وقتها، وبالبراهين والأدلة، عن تمويل نظامى السعودية والإمارات للسد الإثيوبى، متسائلاً عن الدوافع، فلم أجد إلا أنه محاولة منهم لعقاب مصر على رفض نظامها بدبلوماسية ونعومة لمسايرة حماقاتهم الجاهلية فى سوريا واليمن.
ـ يومها قامت علىَّ بعض الدنيا المصرية ولم تقعد، بين صدمة وإستغراب ورفض وإستنكار، وهجوم وتكذيب من الكائنات اللزجة المتزلفة، عينة تلك التى رفعت علم السعودية تحت قبة البرلمان المصرى أحد أعرق برلمانات العالم، إحتفالاً بالتنازل عن ثيران وصنافير المصريتين، أو تلك التى دعت النظام المصرى لإهداء الأهرامات للأمير محمد بن سلمان، أو تلك فى محافظة المنيا “الصعيدية” التى إستقبلت “حمد الشامسى” سفير الإمارات فى القاهرة إستقبال الفاتحين بالزفة والمزمار والطبل البلدى، تكاد تنشد “طلع الشامسى علينا” ليطرب الرجل فينعم على مصر كلها بـ 46 طنا من المساعدات الغذائية ربما كزكاة للفطر عن بلاده فى رمضان الماضى، فيقبلها المسئول المصرى المحترم رغم أنها تقل كثيرا عن حجم فضلات الموائد المصرية اليومى، مما يُلقَى للكلاب الضالة والقطط والهوام، أعزكم الله!
ـ بعدها، ظهرت على الساحة عملية اختراق البريد الإلكترونى لـ “يوسف العتيبة” السفير الإماراتى لدى واشنطن، تحدثت إحداها فى 2014 عن دور إماراتى فى المشكلة بين مصر وإثيوبيا عن طريق “محمد دحلان” القيادى الفلسطينى الفتحاوى المنشق ! كتب فيها شخص يدعى “فادى السلامين”، أحد رجال “دحلان”، لـ “يوسف العتيبة” قائلاً:
(كل ما يحدث بين إثيوبيا ومصر الآن هو عمل جيد لأبو ظبي. رتبنا تلك القناة الخلفية)
فيرد “يوسف العتيبة”:
(أعرف أن دحلان له يده في كل شيء) !!
وهو أمر شائك لا ارغب، وربما لا ٱمن، فى الخوض فيه فى هذا التوقيت فى الحقيقة، عموما سيكشفه التاريخ فى كل الأحوال.
ـ ثم فى 7 يناير 2017، وعلى غير طبيعة الأمور، وبالتزامن مع عملية التنازل عن جزيرتى ثيران وصنافير المصريتين للمملكة السعودية، وفى ذروة التصعيد الإعلامى المصرى ضد قطر وتركيا وإتهامهما بأنهما يدعمان إثيوبيا ضد مصر، وقبل شهور قليلة من العفو الرئاسى عن “هشام طلعت مصطفى” رغم أنه يحمل على رقبته ثأرا لبعض الحلفاء من ٱل زايد !
خرجت علينا بوابة الأهرام بتقرير صحفى من درجة “فوق الخطير جداً” أعده الصحفى الأستاذ “محمد محروس” عنوانه:
(إثيوبيا تتنفس بأموال الخليج .. السعودية “تشرب القهوة” بجوار “النهضة” وقطر تصارع الإمارات على الزهرة الجميلة) يقصد إثيوبيا
وهو عنوان يغنى عن الإسهاب فى محتواه الذى إستعرض فيه الأستاذ “محروس” كافة صور وأشكال الدعم التى تقدمها دول الخليج عموماً للنهوض بإثيوبيا دون أى حساب لمصر “بتاعة مسافة السكة” !
ـ نفس فكرة الموضوع وحقائقه تناولتها مصادر كثيرة عربية وأجنبية، بل وخليجية أيضا فى نوع من حماقة التفاخر، كعادة المنّ والأذى الجاهلية التى إعتادها كتاب السلطة فى الخليج، ليتأكد أن نظامى الإمارات والسعودية يتسابقان بالفعل لتقديم المساعدات لإثيوبيا دون أى إعتبار للشقيق أو حتى الحليف المصرى “بتاع مسافة السكة “! ..
فتحولا، أو للدقة سقطت ورقة “التِقّية” فظهرت حقيقتهما كخنجر حقيقى فى ظهر القاهرة، على حد رأيى الشخصى، بدعمهما للقابض ظلماً وعدواناً على شريان حياتها، بينما يحرضانها على خوض حرب بالوكالة ضد تركيا ـ حليفتهم بالأمس ! ـ على أرض ليبيا، مع تحملهم للنفقات، وكأن جيش مصر وقدس أقداسها مجرد عصابات من المرتزقة !!
وهو أمر لا يثير أى نوع من الإستغراب لدى الدارس لطبيعة الأعراب عموماً وظنهم ان بوسعهم شراء أى شئ بأموالهم، ومدى تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال حسب شهوتهم للعرش، ولو على حساب الأب أو الأخ أو حتى الإبن ! إلا من رحم ربك.
ـ كذلك ليس من الغريب أن تحذو بقية دول الخليج حذو الإمارات، وهى قائد الخليج دون منازع بعد سيطرتها على السعودية بالتدبير لتمكين رجلها محمد بن سلمان من العرش، فنجد التوابع من الكويت وقطر والبحرين يلضمون فى نفس السلسلة وقبلهم السعودية، وهو ما دفع مسؤلاً دبلوماسياً مصرياً للقول إن “إثيوبيا مطمئنة تماماً أن خلافها مع مصر لن يتصاعد، لأن الأموال والاستثمارات في سد النهضة تعود لحلفاء القاهرة” كما ورد فى تقرير لجريدة العربى اللندنية حول نفس الموضوع نشرته فى 4 يوليو 2020
ـ ولسنا هنا فى معرض سرد تفاصيل كل ذلك الدعم الخليجى لإثيوبيا، سواء الدعم النقدى للخزينة الإثيوبية، أو دعم الحكومة إجتماعياً بتمويل المشاريع المحلية متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، أو فى مجال جلب العمالة الإثيوبية الى الخليج، أو بمنح وقروض لتمويل بناء السد والإستثمار فى تشغيله، أو الإستثمار فى مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والطاقة التى ترتبط بشكل وثيق بمشروع السد، خاصة الإستثمارات الإماراتية التى تضاعفت كثيرا خلال الفترة الأخيرة، وبشكل غير مسبوق يثير الشك ويبعث على الريبة، الى جانب مشروعات عقارية عملاقة كمشروع “لا غار” العقارى، الذى تنفذه شركة “إيجل هيلز” الإماراتية وسط العاصمة الإثيوبية لبناء حوالي 4000 وحدة سكنية، الى جانب مصنع شركة الخليج للصناعات الدوائية “جلفار”، ومصنع شركة “مازا الدولية” لإنتاج العصائر، ومصنع رأس الخيمة للسيراميك، وفندق “حياة ريجنسى” بأديس أبابا، ومصنع للألمنيوم بالتعاون مع شركة “أراكون” الإثيوبية، الى جانب الأخطر، أو استحواذ شركات إماراتية ـ شركة جنان للاستثمار الزراعى ـ على نحو 40 مليون فدان من الأراضى الزراعية، بل لدرجة طباعة بطاقات الاقتراع والإنتخاب الإثيوبية فى الإمارات وعلى نفقتها كهدية لنظام “آبى احمد” الحبيب، قبل تأجيلها بسبب وباء كوفيد – 19 !، حسب “فرانس برس” ـ “العربى اللندنية” ـ يوليو 2020،
ـ أيضاً تحتل المملكة السعودية المرتبة الثالثة فى الإستثمار داخل إثيوبيا بنحو 300 مشروع، خاصة فى مجال الشاى والبن، وفقا لتقرير منسوب لوزارة الزراعة السعودية.
الى جانب الإستثمارات القطرية فى قطاعات صناعة الأسمنت والسكر واللحوم وصناعة الأدوية، وما يزيد الان عن 21 شركة كويتية فى مجالات مختلفة، واتفاقيات تعاون مع عمان، بل وحتى البحرين أيضاً التى وفى مارس الماضى 2021، ومع ذروة التصاعد الدراماتيكى للمشكلة بين مصر والسودان من جهة وبين اثيوبيا من جهة أخرى، يخرج رئيس غرفة التجارة والصناعة البحرينية “الشقيق” ليؤكد على أهمية تفعيل وتطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية المشتركة بين بلاده وبين إثيوبيا !!
ـ إقتربت الإستثمارات الخليجية عموماً فى إثيوبيا فى مجال الزراعة فقط الى ما يزيد عن 10 مليارات دولار، وهو رقم ضخم يفسر بوضوح أن السبب الحقيقى الذى يدفع إثيوبيا للإستحواذ على مياه النيل، ربما هو إعادة توزيعها فى نظام رىّ دائم يخدم الإستثمارات الخليجية الزراعية والحيوانية فوق العملاقة ويبقى عليها، بمعنى أن دول الخليج ربما هى المحرض الفعلى لإثيوبيا على مشروع بناء السد على حساب تدمير مصر لحساب مصالحها، لتتفق إرادتهم مع ما يسعى اليه العدو الصهيونى، لكن من زاوية أخرى !
ـ وكعادتها .. تخرج هنا أفاعى الإستفهام من جحورها نشوى، تتراقص مع عصى التعجب ..
1ـ هل النجاح الكبير للنظام الإثيوبى فى تهيئة مناخ الإستثمار وجذب المستثمرين هو السبب ؟ وإن كان، فهل من الصدفة أن ينجح فقط فى جذب الإستثمار الخليجى دوناً عن كل دول العالم الأخرى ؟!
2ـ هل إمتناع دول الخليج عن دعم إثيوبيا، أو على الأقل مجرد الضغط عليها لصالح مصر، هل يحتاج فعلا الى قمة لوزراء الخارجية العرب، وتعقد فى دولة خليحية داعمة ؟!
3ـ هل يمكن أن نعرف نحن شعب مصر، من بقى على سطح الكوكب لم يدعم إثيوبيا حتى الآن، ويؤيدنا فعلاً فى موقفنا العادل من مشكلة السد الإثيوبى ؟!
4ـ مَن يملك الأوراق الـ 99% من أوراق لعبة السد الإثيوبى ؟! .. العدو الصهيونى ؟ واشنطن ؟ موسكو ؟ بكين ؟ جيبوتى ؟ أم أبو ظبى وتوابعها الخليجية ؟!
ـ بالتأكيد لست من السذاجة لأنتظر إجابات رسمية، لكن ذلك لا يمنعنى من أن أضع كامل ثقتى فى قيادة بلادى، ولو مضطراً، من زاوية قناعتى بواحد من دروس “سيادة المشير محمد عبد الغنى الجمسى” الكثيرة .. أن الخلاف مع القيادة فى وقت الحرب خيانة.
وسلاماً يا بلادى
ضمير مستتر
يقول تعالى:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ﴾ المائدة 53
علاء الدين حمدى شوَّالى
كاتب وباحث سياسى مصرى
القاهرة فى 14/6/2021
aladdinhamdy@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم