(1)
من القضايا المهمة التي يجب وضعها في الإعتبار عند التفكير في التغيير السلمي للنظام، هي مسألة التشكيلات العسكرية والأمنية التابعة للنظام، المعروفة منها وغير المعروفة. بدءاً بالقوات الخاصة والأمن الشعبي وقوات جهاز الأمن والإحتياطي المركزي والمليشيات التي تتبع لعدد من قادة النظام، وتدار خارج قنوات الدولة الرسمية. وللحديث عن هذا الجانب، جديرٌ بنا مناقشة علاقة الحركة الإسلامية بالسلاح وموقعه من فكرها ونهجها.
كان أول عهد الحركة الإسلامية السودانية بحمل السلاح بعد إنقلاب نميري ، حيث التفوا حول الإمام الهادي بالجزيرة أبا وصمدوا معهم أيام ما عُرف بمجزرة الجزيرة أبا في مارس 1970 م ، ثم في منتصف سبعينات القرن الماضي، كانت تجربتهم الثانية ، حيث شكلوا الجبهة الوطنية مع أحزاب معارضة لنظام الرئيس الأسبق نميري، وحاولوا تغيير النظام إنطلاقاً من ليبيا في يوليو 1976 م، ما عُرف بحركة المرتزقة، والتي تم السيطرة عليها بعد ثلاثة أيامٍ احتلت فيها قواتها بعض المؤسسات الحيوية بالدولة. وعندما جاءت المصالحة الوطنية بعدها في العام 1977، قطفت الحركة ثمار حملها للسلاح فشاركت نميري في الحكم لفترةٍ استمرت حتى قبيل الإنتفاضة، أسمى الراحل الدكتور حسن الترابي هذه السنوات في كتابه الحركة الاسلامية : التطور والنهج والكسب ب ( فترة التمكين )، إذ ارتفع حينها عدد الإسلاميين في المؤسسات العسكرية، وأُسِّس المركز الإسلامي الإفريقي ليغدو واجهة لتدريب كوادر الحركة الإسلامية العسكرية، وغيرها من مكاسب في مجال إنشاء المؤسسات الإقتصادية وفرص التدريب العملية لإدارة الدولة .
( 2 )
منذ ذلك الحين لم تغب أهمية السلاح عند قادة ومنظري الحركة، فعددٌ ممن شارك في جيش الجبهة الوطنية وقاتل داخل الخرطوم وقتها، كان من القيادات التي أصبحت في صفوف الحركة الأولى بعد المصالحة الوطنية وعند مجيئ الإنقاذ، ووُثِّقت أدوارهم في أحداث الجزيرة أبا وحركة يوليو 76 في مؤلفات الإسلاميين . وبرز اسما محمد صالح عمر عبدالإله خوجلي .
فتحت حركة يوليو 76 الباب أمام الإسلاميين لتجريب المغامرة بحمل السلاح، لتغيير نظام الحكم، وخرَّجت كوادر عسكرية خبرت السلاح، فكانت أولى خطواتهم في طريقٍ يتوافق مع فكرهم .
هدَفَ الأخوان المسلمون منذ بداية دخول فكرهم للسودان، لإقامة مجتمع إسلامي وحكومة إسلامية، ثم جاء برنامج الميثاق الإسلامي الذي حدد طبيعة الحكم بالـ ( قرآنية سنية )، وفي مراحل لاحقة كان من أهداف الحركة أن يكون المسلمين أمة واحدة، لكن مبدئياً يقتصر مشروعهم على إقامة دولة إسلامية بالسودان.
ومع إرتباط فكر الحركة الإسلامية بأفكار أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، تسربت الكثير من أفكارهما لتصبح هادياً لإسلاميي السودان، فقد كانت رؤى قطب قاطعة حول الجاهلية التي ارتدت لها البشرية، ودوغمائية وسمت أفكاره حول الحاكمية لله، أو الكفر، فالحكم لله وحده لا يشاركه أحد في منهجه، ما عدا ذلك فهو الشرك المبين. وقد أوردت في مقالٍ سابقٍ إتفاق عدد من الباحثين في الجماعات الإسلامية، على إعادة جذور التطرف الذي أنتج القاعدة وداعش لفكر سيد قطب.
وأجدني أتفق معهم في جانبٍ محدد يتعلق بإسلاميي السودان . فقطعيات قطب حول إقامة دولة الإسلام كانت هاديهم لإنقلاب 30 يونيو، وأشعاره التي تتقطر دماءً وتعلي من شأن الموت في سبيل الدعوة ونذر النفوس لذلك ، كانت تقود الشباب للموت في معارك جنوب السودان، وهم يرددون قصيدته ( أخي أنت حرٌ وراء السدود ) التي كتبها في فترة سجنه انتظاراً لحكم الإعدام في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، يقول ؛( سأثأر لكن لربٍ ودين وأمضي على سنتي في يقين)، ويقول ( أخي فامضِ لا تلتفت للوراء، طريقك قد خضبته الدماء) .
( 3 )
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم