دكتور محمد عبدالله
في أواخر القرن العشرين، قدّم الطبيب والمفكر المالطي Edward de Bono إدوارد دي بونو منهجاً بسيطاً وعميقاً في آنٍ معاً. فقد لاحظ أن البشر، حين يواجهون مشكلة معقدة، يقعون غالباً في فخ التفكير الأحادي؛ فالبعض لا يرى سوى المخاطر، وآخرون لا يرون سوى الآمال، وغيرهم تحكمهم العواطف أو الأيديولوجيا. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة المعروفة بـ«القبعات الست»، وهي طريقة تدعو إلى النظر إلى القضية الواحدة من زوايا متعددة: الحقائق، والمشاعر، والنقد، والتفاؤل، والإبداع، ثم إدارة عملية التفكير نفسها.
ولو قُدّر لإدوارد دي بونو أن يتأمل المشهد السوداني اليوم، لربما رأى أن المأزق يتجاوز الحرب والاقتصاد والسياسة إلى ما هو أعمق: الطريقة التي ننظر بها إلى هذه الكارثة نفسها. فالأمم، كما الأفراد، لا تتعثر فقط بسبب ما يحدث لها، بل أحياناً بسبب الزاوية التي تنظر منها إلى ما يحدث. والسودانيون، بمختلف مواقعهم، يرتدون قبعات مختلفة في الوقت نفسه، ويتحدثون بلغات ذهنية متباينة، حتى صار الاتفاق على توصيف الواقع نفسه مهمة شاقة.
القبعة البيضاء: ماذا تقول الحقائق؟
حين نرتدي القبعة البيضاء، نضع جانباً الانفعالات والاتهامات، ونسأل ببساطة: ما الذي نعرفه؟
نعرف أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 تحولت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، وانهيار واسع للبنية التحتية، وتراجع في الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطل للخدمات الأساسية في مناطق واسعة. كما نعرف أن الاقتصاد الذي كان يعاني أصلاً من اختلالات مزمنة دخل مرحلة أكثر حدة من الانكماش والتفكك.
وهذه ليست وجهة نظر لطرف في النزاع، بل حقائق يصعب على أي سردية سياسية أن تتجاوزها. والوقائع، مهما كانت مؤلمة، تظل نقطة البداية الوحيدة لأي تفكير جاد في المستقبل.
القبعة الحمراء: بماذا يشعر السودانيون؟
الحقائق وحدها لا تروي القصة كاملة.
هناك خوف يسكن البيوت التي لم تصلها القذائف بعد. وهناك حزن ثقيل في نفوس من فقدوا أبناءهم أو منازلهم أو ذكريات عمر كامل. وهناك أيضاً غضب متراكم ، غضب من النخب السياسية، ومن العسكريين، ومن المجتمع الدولي، ومن القدر أحياناً.
في مثل هذه اللحظات يصبح من الخطأ التعامل مع الناس وكأنهم جداول إحصائية. فالمجتمعات لا تتحرك بالأرقام وحدها، بل بالمشاعر أيضاً. وأي مشروع للسلام يتجاهل الألم الجماعي محكوم عليه بالفشل، مهما بدا منطقياً على الورق.
القبعة السوداء: ما الذى يمكن ان يحدث إذا استمر المسار الحالي؟
هنا تأتي القبعة التي يسيء كثيرون فهمها. فالقبعة السوداء ليست قبعة التشاؤم، بل قبعة الحذر. إنها السؤال الذي لا يرغب أحد في سماعه: ماذا لو استمرت الأمور كما هي؟
إذا استمرت الحرب، فإن خطر تفكك مؤسسات الدولة سيزداد. وإذا استمر الانهيار الاقتصادي، فإن الهجرة ستتحول من خيار إلى ضرورة بالنسبة لأعداد أكبر من الشباب والمتخصصين. وإذا استمر الاستقطاب السياسي الحاد، فقد يصبح بناء الثقة الوطنية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
فالتفكير في أسوأ الاحتمالات ليس استسلاماً لها، بل محاولة لتجنبها قبل أن تصبح واقعاً دائماً. فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تنهار فجأة، وإنما تتآكل تدريجياً عندما تعجز عن رؤية المخاطر المحدقة بها.
القبعة الصفراء: أين تكمن الفرص؟
قد يبدو الحديث عن الفرص وسط الحرب نوعاً من السذاجة، لكنه في الحقيقة ضرورة.
فالسودان، رغم كل ما جرى، ما زال يمتلك موارد طبيعية ضخمة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وكتلة بشرية شابة، وجاليات واسعة في الخارج تحتفظ بروابط قوية مع الوطن.
لقد خرجت أمم كثيرة من حروب أهلية أكثر تدميراً مما يشهده السودان اليوم. ولم يكن سر نجاحها أنها تجنبت الكارثة، بل أنها امتلكت القدرة على إعادة تعريف نفسها بعد الكارثة. وقد تكون المأساة الحالية، على قسوتها، فرصة لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، ودور المؤسسة العسكرية، ومفهوم المواطنة ذاته.
القبعة الخضراء: ما هى الأفكار التي لم نجربها بعد؟
هنا يبدأ التفكير الخلاق.
فالأزمات الكبرى لا تُحل دائماً بالأدوات التي صنعتها. وعلى مدى عقود ظل السودان يدور في الحلقة نفسها: انقلاب، وانتقال، وأزمة، واتفاق، ثم انقلاب جديد. وربما يكون أكبر خطأ هو الاعتقاد بأن الأدوات القديمة ستنتج نتائج مختلفة.
ماذا لو انتقلت بعض صلاحيات الدولة بصورة حقيقية إلى الأقاليم؟ ماذا لو جرى تصميم عقد اجتماعي جديد ينطلق من التنوع السوداني بدلاً من محاولة صهره قسراً؟ ماذا لو أصبح الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا جزءاً من مشروع وطني للإنقاذ لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي؟
ليست هذه حلولاً جاهزة، لكنها أسئلة ضرورية. والإبداع السياسي يبدأ غالباً بسؤال لم يجرؤ أحد على طرحه.
القبعة الزرقاء: كيف ندير التفكير في المستقبل؟
القبعة الزرقاء هي قبعة القيادة الفكرية. إنها لا تبحث عن الإجابات بقدر ما تنظم عملية البحث عنها.
والمعضلة السودانية ليست نقصاً في الآراء؛ فالبلاد ربما تمتلك من الآراء أكثر مما تحتاج. المشكلة الحقيقية هي غياب إطار جامع يسمح بتحويل هذه الآراء إلى مشروع وطني قابل للحياة.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، رغم أهمية ذلك، بل اتفاق على طريقة التفكير في المستقبل. فالأمم التي تنجو من الأزمات الكبرى هي تلك التي تتمكن من الانتقال من سؤال: “من المسؤول؟” إلى سؤال: “ماذا نفعل الآن؟”.
خاتمة
لو طبقنا منهج إدوارد دي بونو على السودان، فسنكتشف أن كل قبعة تكشف جانباً من الحقيقة، لكنها لا تملك الحقيقة كلها. فالحقائق مهمة، والمشاعر مهمة، والحذر مهم، والأمل مهم، والإبداع مهم. أما الأهم من ذلك كله فهو القدرة على الانتقال بينها دون أن نصبح أسرى لأي منها.
لقد أمضى السودان سنوات طويلة يبحث عن المنتصر في صراعاته السياسية والعسكرية، بينما كانت الخسارة تتسع لتشمل الجميع. وربما حان الوقت للبحث عن شيء آخر: طريقة أفضل للتفكير في الوطن، وفي الدولة، وفي المستقبل. فإعادة بناء البلدان لا تبدأ من الجسور والطرقات وحدها، بل من الأفكار التي يتبناها الناس وهم يتخيلون ما يمكن أن يكون عليه الغد. فقبل أن يجد السودان طريقه إلى الخلاص، عليه أولاً أن يجد طريقة مختلفة للتفكير فيه.
muhammedbabiker@aol.co.uk
