وفقا لعنوان المقال بيننا و بينا العالم الحاضر رغم أننا جزء منه بالجسد و لكن عقلنا متخلف عنه بقرن و يزيد و دليلنا على ذلك ها هو الحزب الشيوعي السوداني يحلم بالبلشفية و يحلم باعادة عقارب الساعة الى الوراء و رأينا كيف كانت مطالبهم باسقاط حكومة الثورة و قد إلتقت رغبتهم مع إنقلاب البرهان و المغامرين كجبريل و مناوي و أردول و قد سقطت حكومة حمدوك بإنقلاب البرهان و قد حققت للحزب الشيوعي السوداني حلم إسقاط حكومة الثورة و بشكل مختلف إنقلاب البرهان حقق لمناوي و جبريل حلم ديمومة السلطة و لأنهم يعلمون بأن مخزون فكرهم لا يحملهم في مركبة الديمقراطية أما البرهان و حميدتي فكان الأنقلاب بالنسبة لهم هروب الى الامام من جرائم لا تسقط بالتقادم أما الفلول فكان إنقلاب البرهان محاولة لفوزهم بما سرقوا من ثروة الشعب و كان كل همهم إثبات ان حكومة الثورة فاشلة كما سعى الحزب الشيوعي واهما بأن ماركسية ماركس ما زالت هي الأفق الذي لا يمكن تجاوزه و بالمناسبة طموح الحزب الشيوعي السوداني و حلمه بأنه سيقود حكم البلاد واحدة من المؤشرات القوية على أن الوعي في السودان متدني وسط النخب السودانية الى مستوى مثير للشفقة.
و خاصة أن الحزب الشيوعي السوداني ما زال يخزن في كهوفه و مغاراته أفكار المثقف التراجيدي كما يقول الطاهر لبيب عالم الاجتماع التونسي عن المثقف التراجيدي بأنه يطرح مشاريع هو ذات نفسه يعرف أنها غير قابلة للتحقيق على أرض الواقع و هذا حال الشيوعي السوداني مع ثورة ديسمبر ثورة شعارها حرية سلام و عدالة و هو تلخيص لروح الفكر الليبرالي و معادلته التي تضبط صراع المجتمع مع الفرد أي معادلة الحرية و العدالة و يزعمون انه شعارهم بشكل مخجل و في نفس الوقت يحتفظون بروح شيوعية قد عافتها النفس الانسانية و غادرها الفكر الانساني الذي يفترض بأن أى فرد بضرورة عقلاني و أخلاقي و الهدف من أخلاقية و عقلانية الفرد تجاوز أفكار هيغل و ماركس فيما يتعلق بفكرهم بإضطراد العقل و التاريخ و ينتهي بالماركسية الى غائية و لاهوتية دينية لا تختلف عن فكر الكيزان في شئ إلا في قدرة الشيوعي السوداني في زعمه بأنه تقدمي. و بعد نجاح ثورة ديسمبر رأينا كيف كان فكرهم أي أتباع الحزب الشيوعي السوداني ما زال واقف في شيوعية ما قبل كتابات غرامشي و إعادة إكتشافه يظن بأن شيوعية الستينيات أيام دفاع سارتر عن النظم الشمولية تصلح لقيادة ثورة ديسمبر و رأينا كيف كانت خطتهم برنامج إسعافي و لن يحكمنا البنك الدولي و غيره من الأفكار الكاسدة و المضحك يقولون بأنهم لهم اقتصادييهم و نحن نقول لهم لو كان بين اقتصادييهم اقتصادي لما ظل أسير وهم ان الشيوعية أفق لا يمكن تجاوزه لأنه يمكن عبر الزج و التعبية و التلقين الذي يقوم به تعلمجية الحزب أن ينحبس متدني الثقافة في حزب شيوعي متحجر كنسخة الشيوعية السودانية و لكن ليس من المنطق في شئ أن يكون أي اقتصادي جزء من من حزب متكلس كحال الحزب الشيوعي السوداني إلا اذا كان اقتصادي على الطريقة السودانية.
على أي حال قد ساهم حمدوك في اضاعة ثورة ديسمبر و كما قلنا من قبل أن حمدوك صادف قلب الثورة و لكنه لم يصادف عقل الثورة و حتى لحظة كتابة هذا المقال لم يغير حمدوك طبعه و هو عدم القدرة على المواجهة و لم يستطع أن يخرج من أن يكون جيد في لعب دور الرجل الثاني و لكن ان يكون على مقدرة على لعب دور الرجل الاول فهذا قد أصبح من رابع المستحيلات. حمدوك ما لم يخرج و يخاطب الشعب و بشكل واضح و قوي يجعله في مصاف ديغول عشية تحرير فرنسا من النازية أو كما خطاب روزفلت الشعب الامريكي صبيحة الكساد الاقتصادي العظيم أي حاضنة لم تكن له طوق نجاة و خاصة و قد رأينا حوله جماعة الجودية السودانية و أغلبهم لا يملك حكمة حل مشكلة حدود حواشة بين مزاعيين متنازعين.
إذا خرج حمدوك و هذا أصبح في حكم المستحيل و قال خطاب أبطل به مفعول الانقلاب و أصبحت السلطة بيده و هذا مستحيل لأن البرهان و حميدتي في خوف عظيم من ان التحول الديمقراطي يسوقهم الى المحاكم عن جرائمهم و لو بعد ثلاثة عقود و أكثر كما حصل مع جماعة بول بوت لذلك وجود حمدوك الآن في السلطة و لو بحاطنة فان حكومته الجديدة ستكون كحكومات أوروبا ما بعد الحرب العالمية الاولى لأنها محكومة بخوف البرهان و حميدتي من التحول الديمقراطي فهي حكومة فاشلة كما تحدث ذات يوم جون ماينرد كينز عن حكومة المانيا ما بعد الحرب العالمية الاولى و قال بأن المانيا وضعت في ظروف و إكراهات ستقود الى قيام حرب ثانية بعد سنين و هذا ما حدث في زمن النازية النخب السودانية الفاشلة قد أدخلت ثورة ديسمبر في حالة تشبه حالة اوروبا ما بعد الحرب العالمية الأولى.
و على أي حال الثورة ستستمر و الشعب هو الذي يقوم بالتغيير و ليس النخب و لا المفكريين و لا المثقفين و لكن يظل غياب الشخصية التاريخية هو ما يؤخر تحقيق شعار الثورة كما حال أوروبا بعد الحرب العالمية الاولى كانت حالة الاقتصاد قد ساقت المانيا الى النازية و جحيم الحرب العالمية الثانية و بعدها وقعت اوروبا بأكملها في التبعية للاقتصاد لأمريكا و خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لأن تدخل أمريكا في الحرب العالمية الثانية كان بشرط أن تتبع اوروبا الغربية للشروط الاقتصادية الامريكية و قد كان و بعدها كانت ديناميكية الكينزية الى لحظة أزمة الدولار و بعده ا قد جاءت ديناميكية النيوليبرالية الى لحظة الأزمة الاقتصادية الاخيرة في عام 2008.
حال أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى على أقل كان أحسن من حال السودان الآن لأن هناك اقتصاديين ككينز و قد تنباء بالحرب العالمية الثانية و قد أعلن قبلها بأن فكرة اليد الخفية لأدم اسمث قد وصلت لمنتهاها و قد بداء يفكر منذ بداية الثلاثينيات في تفسير لماذا كان الكساد العظيم و قد خرج بالنظرية العامة و لكن حالنا في السودان حال يرثى له ليس هناك من يتنباء لأن الشيوعي السوداني واثق من أن هناك نهاية للتاريخ و نهاية للصراع الطبقي و بالمناسبة سوف ينجح الشعب من جديد في اسقاط انقلاب البرهان و حميدتي و لكن سيبدد الشيوعيون السودانيون جهود الثورة و سيطول عمر كفاح الشعب السوداني كما كا كانت حالة اوروبا بين الحربين العالميتين أذن ثورة ديسمبر ربما تستمر لزمن طويل بسبب النخب الكاسدة التي تبدد جهود الشعب السوداني الى حين ظهور شخصية تاريخية تستطيع جسر الهوة فيما يتعلق بكساد الفكر السائد في السودان و بسببه يتسيد أتباع الايدولوجية المتحجرة أي النسخة الشيوعية و أحزاب وحل الفكر الديني و إختفاء هذه الأحزاب يحتاج لزمن ما بين الحربين العالمتين أي ما لا يقل عن عقدين و هذا سيكون عمر ثورة ديسمبر في استمراريتها الى حين انتصار الفكر الليبرالي فكر ينتصر للفرد و العقل و الحرية فكر يقود من يتسم بصفات الشخصية التاريخية.
و على ذكر نبؤة كينز بان اليد الخفية قد وصلت لمنتهاها و بعدها أبحر في علوم النظريات الاقتصادية و تاريخ الفكر و جاء بفكرة التدخل الحكومي لدرجة انه قد أتهم بانه شيوعي مندس يريد تحطيم الرأسمالية من الداخل و لكن قد ساقت نظريته اوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية الى إزدهار مادي غير مسبوق على الاطلاق في تاريخ البشرية و عليه نسأل أتباع الحزب الشيوعي السوداني اين معادلاتهم الرياضية التي تثبت بان الشيوعية يمكنها تحقيق ما حققته الليبرالية الحديثة في معادلاتها السلوكية التي تنطلق من عقلانية و أخلاقية الفرد. اصرار أتباع النسخة المتخشبة على نهاية التاريخ و نهاية الصراع الطبقي يجعل حظ الشعب السوداني يسير في مسيرة تراجيدية و مأساوية على الأقل في العقدين القادمين. سينتصر الشعب في ثورته ضد انقلاب البرهان و كالعادة يحقق الشعب السوداني من جديد مقولة عبد الله الغذامي باننا في زمن تقدم الشعب و سقوط النخب.
taheromer86@yahoo.com
///////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم