الذي لم تنتبه له النخب السودانية بأن العالم الآن يتخلق ليولد من جديد و أنها لحظة لا تختلف عن لحظة انتظار العالم لميلاد أفكار جديدة عشية الكساد الاقتصادي العظيم عام 1929 و حينها كانت لحظة حاسمة و قد تزامنت مع ميلاد أفكار مدرسة الحوليات الفرنسية و دعوتها لدراسة التاريخ الاقتصادي و التاريخ الاجتماعي على المدى الطويل و المدى المتوسط و المدى القصير و عرفت كيف تستدل على أسرار تاريخ الذهنيات و دورها في القيادة المرنة للظواهر الاجتماعية و كيفية توجيه المجتمعات بأن تكون دوما على قدرة على السير مع مسيرة الانسانية كمسيرة تراجيدية بلا قصد و لا معنى و منفتحة على الا نهاية.
و في مثل هذه اللحظات أي لحظات التخلق للعالم من أجل أن يولد العالم من جديد ينبغي الانتباه الى المؤشرات المضللة مثلا عام الكساد الاقتصادي العظيم عام 1929 كانت لحظة نهاية فكرة اليد الخفية لأدم اسمث و لكن نجد أن جون ماينرد كينز عندما قدم نظريته الكينزية في مسألة التدخل الحكومي كانت نتاج قراءة ذكية لأنتاج أدم اسمث و فكره و لاشك بان كينز قد مزج أفكار أدم اسمث أفكاره التي أنتجت فكرة اليد الخفية و أفكاره في كتابه الآخر نظرية المشاعر الأخلاقية و كثير من قارئ تاريخ الفكر الاقتصادي يقولون بان أدم اسمث قد قدم أفكار اقتصادية في كتابه نظرية المشاعر الأخلاقية غاية في الدقة و الروعة تفوق ابداعه في فكرة اليد الخفية و لكن لأسباب كان فيها علم الاقتصاد مرتبط بالفلسفة و الدين قبل أن يفك ادم اسمث ارتباط الاقتصاد من كل من الفلسفة و الدين فقد كانت الفرصة سانحة لأن تنتشر فكرة اليد الخفية و تكون في قمة الأفكار لهذا السبب تراجعت أفكار نظرية المشاعر الأخلاقية الى حين ظهور أزمة الفكر الأوروبي أي لحظة ظهور النظرية الكينزية بعد ما يزيد على مئة و خمسين عام لكي تأتي لحظة ميلاد جديدة لفكر كينز الذي يدمج فكرة اليد الخفية و نظرية المشاعر الأخلاقية لأدم اسمث.
و بالمناسبة في عام 1929 لحظة ميلاد مدرسة الحوليات الفرنسية قدمت الدعوة للمفكريين و الفلاسفة و علماء الاجتماع بأعادة النظر في الفكر الأوروبي الذي يمر بأزمة و كانت النظرية الكيزية أول استجابة من كينز لدعوة مدرسة الحوليات و كانت نتاج قدرة كينز لدراسة تاريخ اقتصاد و تاريخ اجتماع الشعوب الى ان وصل الى فكرة التدخل الحكومي و كانت أفكار كينز في حينها غريبة الى درجة أن اتهم بأنه شيوعي مندس يريد تحطيم الرأسمالية من الداخل و هو لم يكن شيوعيا يريد تحطيم الرأسمالية من الداخل بل قد بث في الرأسمالية روح جديدة قد جعلته من من انتبهوا الى لحظات الانقلاب حيث يولد الفلاسفة و الحكماء و الأنبياء.
و عرف كينز كيف يلحظ و يراقب كيف و متى انتهت الليبرالية التقليدية و كيف و متى جاءت لحظة ميلاد الليبرالية الحديثة و هذا ما نريد أن ننبه له لأن النخب السودانية ما زالت عالقة في أفكار أزمة الفكر الأوروبي و ما زالت أفكارها أفكار فكر لحظة أزمة العلوم الأوروبية و يمكن اعطاء الدليل على ذلك بأن نخبنا السودانية ما زالت في ضلالها القديم بأن الفكر الليبرالي فكر رميم و ليس له ملامح في مقابل الفكر الاشتراكي الذي تجسده الشيوعية و لاحظ كيف يتهيب المفكرين السودانيين و دارسي علم الاجتماع و المؤرخيين السودانيين الرازحين تحت نير المنهجية التاريخية الحديث عن الفكر الليبرالي لأنهم ما زالوا في ضلالهم القديم بأن الفكر الليبرالي مقابل الشيوعية كنظرية يظنون انها نظرية متكاملة فكر رميم و لم تقراء لهم غير السب و الشتم للرأسمالية و قد أصبحت عبارة البرجوازية الصغيرة قاعدة الشر و هذا يختلف عنما يوصي به تاريخ الذهنيات و هي أن لولا أن تصادف رغبة البرجوازية في سيرها باطراد مع أفكار مارتن لوثر لما كان هناك اصلاح ديني و لا عصر نهضة و لكن عند نخبنا و لأنها ما زالت قابعة في فكر خمسينيات و ستينيات القرن المنصرم قد أصبحت البرجوازية سبة لم تقابلها إلا الشيطان الاكبر عن الخمينيين في شتمهم لأمريكا و على القارئ أن يلاحظ كيف يظن مفكري اليسار السوداني في سبهم للبراجوازية الصغيرة بأنهم قد نهوا فكر الليبرالية الحديثة و هم يعيشون في نعيمها و هذا ما يوضح مستوى ضحالة فكرهم.
فعلى نخب اليسار السوداني الانتباه الى تأخرهم عن ركب البشرية الفكري و كيف أنها قد قطعت أشواط بعيدة و ما زالت نخب اليسار السوداني في استخدام عبارة مهدّية لأعصابها و هو سب البرجوازية و محاولة تأبيد فكر العبودية الذي يؤسس الى أن الشيوعية أفق لا يمكن تجاوزه في وقت نرى أن العالم بأكمله قد وصل الى قاعدة سهلة لكي تفهم بأن الديمقراطية ذات علاقة طرية مع الرأسمالية و ذات علاقة عكسية مع الماركسية. العالم اليوم قد أدرك بأن لا سبيل الى تنظيم العلاقة بين الفرد و المجتمع بغير معادلة الحرية و العدالة و هي معادلة تضبط علاقة الفرد في صراعه مع المجتمع و ليس كما يظن المثقف المنخدع بماركسية ماركس بأن هناك امكانية لنهاية التاريخ و انتهاء الصراع الطبقي و هناك ارتكاز للمفكريين على أخلاقية و عقلانية الفرد في صراعه مع مجتمعه و هنا تأتي أهمية دراسة المعادلات السلوكية و كيفية أن نؤسس لفكرة العدالة كما نجدها في النظرية الكنزية في فكرة الاستهلاك المستقل عن الدخل و هذا لا يمكن تحقيقه بغير ترسيخ فكر الليبرالية الحديثة في الساحة السودانية بدلا عن فكر من يتحدثون عن البرجوازية الصغيرة و هم يلبسون منظار الخمينية و رؤيتها الى الشيطان الأكبر قد جاء الوقت أن يكف نخب اليسار السوداني الرث عن تدمير حقول الفكر في السودان. و عليه عندما بدات مدرسة الحوليات و استجاب لدعوتها جون ماينرد كينز و كان أول مفكر قدم نظريته بعده احتاجت مراكز البحوث لما يزيد عن ثلاثة عقود لكي تسيطر أفكار مدرسة الحوليات الى الأفكار و قد صارت أفكارها في كبرى الجامعات و روح مراكز البحوث و كان ذلك في منصف ستينيات القرن المنصرم و حينها كان عندنا صراع النخب السودانية و على رأسهم الاستاذ عبد الخالق محجوب في كيفية سودنة أفكار الشيوعية و لم يتنج غير حفظة النصوص لم يختلفوا عن حفظة الشريعة أي أفكار التيارات الاسلامية و هل تختلف الشيعية عن الفكر اللاهوتي الغائي الديني غير أنها دين بشري فاشل كما فشل حفظة الشريعة أى الاسلاميين و بالمناسبة لا يختلف أتباع الايدولوجية المتحجرة عن الاسلاميين في شئ فايمانهم بالمطلق في زمن النسبي و العقلاني يجعلهم يلتقون في فكر غائي لاهوتي ديني يصر على فكرة تقديم الحلول النهائية و هيهات.
العالم الآن يغادر أفكار ديناميكية النيوليبرالية و يتجه باتجاه الحماية الاقتصادية ها هي امريكا تريد أن تعود الى الداخل و قد عاقبت الشعوب النخب منذ انتخاب الشعبوي ترامب و خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي و هي كلها مؤشرات تشير الى السير باتجاه أفكار الحماية الاقتصادية و هي ان تنطوي كل أمة على نفسها الى فترة لا تقل عن الثلاثة عقود و هذا يصادف عندنا لحظة عودة السودان الى حضن المجتمع الدولي و عودة الدولة في السودان لكي تقود التحول الاجتماعي و التحول الديمقراطي و هنا تتضح صعوبة المهمة للنخب السودانية يعود السودان لحضن المجتمع الدولي في لحظة يتفرق فيها المجتمع الدولي و تستعد كل أمة لتنطوي على نفسها و هنا تكون صعوبة المسألة للنخب السودانية و كيف تستطيع أن تبدأ مع العالم حقبة جديدة لذلك نقول للنخب السودانية هذه البداية الجديدة للعالم و للسودان العائد لحضن المجتمع الدولي تحتاج لفكر مفارق و غير متفق و لا تابع لفكر نخب نتاج اليسار الرث في السودان أنها تحتاج لفكر متجاوز و غير مجاور و لا مساكن لفكر الشيوعية السودانية كنسخة غير مواكبة بل ظلت نخبها في أصرار على ضلالها القديم بأن الشيوعية أفق لا يمكن تجاوزه و هيهات
taheromer86@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم