السياسة السكانية وإدارة التنوع جنوب أفريقيا مثالاً .. بقلم: رمضان أحمد
12 ديسمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
76 زيارة
بالأمس كنت في مطار الملك شاكا الدولي بديربان – جنوب فريقيا – وأردت أن أشتري رصيداً لهاتفي فدخلت أحد متاجر المطار. ما لفت انتباهي هو أن شبابيك التحصيل فيها 5 أفراد وكل فرد يمثل مكون عرقي معين. على أقصى الشمال شاب هندوسي من ذوي الاصول الهندية كانت العلامة الحمراء بائنة في جبهته، وعلى شماله امرأة من ذوي الأصول البيضاء (جذور أوربية)، يليها فتاة من السود الأصليين، ثم فتاة مسلمة متحجبة، وفي الشباك الخامس شاب من الملونين. بقدر ما كان المنظر معبراً عن لوحة رائعة ، فإنه يحكي أيضاً بلسان حاله للزائر أن هذه هي جنوب أفريقيا وبأن ثراءها في تنوعها وألوانها البشرية الزاهية.
إن أي دولة فيها تنوع سكاني وثقافي لابد أن تكون لها سياسة سكانية واضحة وتطبق بصرامة في كل مؤسسات الدولة بلا ساتثناء. وذلك من ناحية ضمان لإزالة أي شعور سلبي من شريحة سكانية معينة تجاه الدولة ومن ناحية أخرى تعزيزاً لمفهوم الوطنية لما له من دور في تشجيع الإنتاج وتعزيز روح الانتماء.
إذا أسقطنا ما ورد أعلاه على سياق السودان نجد خللاً بائناً لا يخفى على العين، وهو السبب الرئيس وراء شعور كثير من شرائح المجتمع بأنهم مهمشون وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية وما إلى ذلك، مما ولد الغبن والحقد. وذلك مرده إلى عدم وجود سياسية سكانية واضحة يلتزم بها القطاع العام والخاص لعكس صورة السودان الحقيقية.
ما يجري في السودان حالياً من خلل في التمثيل السكاني قد لا يكون مقصوداً بالضرورة ولا مخططاً له، ولكنه نتيجة لغياب سياسة سكانية مما فتح الباب على مصرعيه لاجتهادات المسؤولين الذين هم بشر في النهاية ويعتريهم ما يعتري البشر من نزوع إلى المجموعة العرقية والدينية في غياب الضوابط التشريعية.
السياسة السكانية ضامان للتوزيع العادل، ليس للثروة والسلطة فحسب بل للتركيبة السكانية حتى لا تشعر شريحة من المواطنين بأنهم محرومون من الظهور في مواقع معينة بسبب لون بشرتهم أو دينهم أو شكلهم، مما يفسر لجوء كثير من الناس وخاصة العنصر النسوي إلى استخدام مساحيق تفتيح البشرة بحثاً عن هذه المقبولية! فعلى مستوى الإعلام والواجهات العامة تشترط السياسة السكانية أن يكون هناك تمثيل واضح، بحيث يشعر الإنسان في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، بل وحتى في شمال السودان أنه جزءً أصيل في الدولة وليس “بالمناسبة”، ليس على مستوى المذيعين والمذيعات ومقدمي البرامج فحسب، بل حتى على مستوى تمثيل اللهجات الإقليمية باعتبارها من أبرز معالم الإثراء. ويكون ذلك من خلال مختلف البرامج كالدراما ، والمنوعات والتحليلات والتغطيات الخارجية ونحو ذلك.
أخبرني أحد الأصدقاء أنه كان عضواً في لجنة معاينات المذيعين والمذيعات في التلفزيون السوادن فأجروا معاينات لعدد من المرشحين الذكور والإناث وكان لافتاً أن فتاتين من مدينة الأبيض كانتا من أميز المتقدمين ولكن لجنة الاختيار حرمتهم الفرصة لأن “الشكل غير تلفزيوني”!!
طالما أن قيمة البشر لا تكمن في اللون أو الشكل أو الحجم، فذلك شأن البهائم، وإنما تكمن في مستوى الفكر وإنعكاسه على السلوك الفردي بما يسهم في رفاهية الجماعة البشرية، فإن التنوع الثقافي والعرقي وحتى الديني يعتبر إثراءً تقدره أي دولة تنشد الرقي والتقدم وتحرص على تنمية هذا التنوع. فبفضل السياسة السكانية في جنوب أفريقيا يتوجب على أي مؤسسة خاصة أو عامة إبراز السحنات البشرية الرئيسية المكونة للدولة في كل الواجهات، بما في ذلك الدعايات الثابتة والمتحركة. فمثلاً المذيعين والمذيعات ومقدمي البرامج التلفزيونية وكل من يظهر في الإعلام لابد أن تكون وجوههم عاكسة للتنوع السكاني في البلد. ولا يسمح لأي فتاة باستخدم مبيضات البشرة لتغير لونها باعتبار أن لونها الأصلي جزء لا يتجزأ من معايير قبولها كمذيعة أو مقدمة برامج.
حرص الدولة على التنوع لا يقف في تمثيل الوجوه البشرية فحسب، بل حتى اللكنات الإقليمية. فاللكنات الشائعة في جنوب افريقيا هي لكنات كيب تاون وجوهانسبيرج وديربان، بحيث إذا تكلم الشخص بالإنجليزية تعرف أنه من سكان المنطقة المعينة. وتحرص البرامج الإعلامية على إبراز هذه اللكنات بإعتبارها ميزة.
ربما نجاح تمثيل اللكنات بهذه الطريقة في جنوب أفريقيا مرده إلى وجود تنمية افقية في البلاد. هذا بخلاف ما عندنا في السودان حيث التنمية الرأسية مركزة في الوسط وفي الخرطوم، وحيث أن التوجه الثقافي العام للدولة جزء لا يتجزأ من محاباة المدينة “الخرطوم” على الريف، ويعمل على محاربة اللكنات الإقليمية وتمجيد اللكنة الخرطومية وجعلها معياراً لـ”التحضر”. فإذا تكلم الشخص باللكنة الدارفورية أو لكنة المسيرية أو لكنة عربي جوبا أو حتى لكنة الشايقية، يوصم بالتخلف. وكلما تكلم الشخص بلكنة الخرطوم يعتبر مثقفاً، مما أوقع هوة شاسعة وجفوة غير مبررة بين الريف والحضر. اللكنات الإقليمية في السودان لا تظهر في الإعلام إلا لتوحي بالتخلف، مع استثناءات ضئيلة جداً.
السياسة السكانية كفيلة بمعالجة هذا الخلل ويجب أن يوليها حكام المستقبل اهتماماً خاصاً نظراً للفجوة الثقافية الشاسعة بين الريف والمدينة واستئثار الخرطوم والطبقة النيلية المثقفة بنصيب الأسد من التمثيل بالسودان بدلاً من تمثيل السودان. وما لم يحصل ذلك لن يهدأ أزيز الرصاص وتتوقف سيول الدماء طالما هناك شريحة من المواطنين تشعر بأنها مظلومة من الدولة.
breima_ramadan@hotmail.com