بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:(هَذَا بَلاغٌ لِلْنَّاس وَلِيُنْذَرُوْا بِه وَلِيَعْلَمُوَا أَنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِد وَلِيَذَّكَّر أُوْلُو الألْبَابْ) ..الآية
هذا بلاغ للناس
بقلم: أبوبكر يوسف إبراهيم
zorayyab@gmail.com
توطئة:
نتابع الحديث عن الشاعر الفيلسوف محمد إقبال لأنه رمز للتسامح بين العالمين لأن ديدنه في ذلك هو عشقه لحبيبنا ونبينا المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام ؛ عشقٍ تعمق في الرسالة التي جاء بها؛ وليتنا نتقدي بتعاليمها؛ فإن فعلنا فلن نكون مثل الذين جاء القرآن الكريم في محكم التنزيل على سيرتهم؛ قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44) ، وقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:2،3) ، وقال تعالى إخباراً عن شُعيب صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ )(هود:88).
كبُرَ مقتاً أن يقول أو يكتب بعضنا في الخفاء نابي القول ويدعي المثالية والتأدب في العلن؛ وتعبير” كبر مقتاً ” “فيه تعريض بالمنافقين إذ يظهرون الإيمان بأقوالهم وهم لا يعملون أعمال أهل الإيمان بالقلب ولا بالجسد. قال ابن زيد شارحاً: هو قول المنافقين للمؤمنين نحن منكم ومعكم ثم يظهر من أفعالهم خلاف ذلك؛ قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}!!؛ فما بالكم بالذين يظهروا في العلن بوجه مُتَجَمَّل وفي الباطن يفصحون عن القبح كل القبح؛ أليس في هذا نفاقٌ وتضليل؟!
المتـــن:
من صفات المثال أو النموذج الإنساني الذي يشارف الكمال: الحرية ؛ فالأحرار وحدهم هم الذين يبدعون وينتصرون؛ ويحققون أروع الأمجاد الإنسانية وقول إقبال : [ إن المحكوم الرقيق لا يوثق بأحكامه ولا يعتمد على استحسانه أو استهجانه وإنما الميزان هو الإنسان الحر؛ والشعب الحر الذي يعيش حراً كريماً؛ مستقلاً بتفكيره وميوله؛ فإن الأحرار هم وحدهم أصحاب الفراسة الصادقة؛ والبصيرة النافذة؛ وإن إنسان الساعة هو الذي شقّ طريقه إلى المستقبل ولم يقنع بالحاضر.] يتحدث محمد إقبال كثيراً عن عاطفة الحب؛ الحب بمعناه الواسع الكبير، ويعتبره: ” تعبير عن الروح الإنسانية الشفافة ؛ التي لم يلامسها زيغ؛ أو يشوبها تعصب أعمي ؛ والحب كما يعتقد إقبال:” يبعث في الإنسان الاعتداد بالنفس والاحتفاظ بالكرامة؛ ويمنع من الوقوف على أبواب الملوك والحكام والخضوع للمادة والسلطان” . ويحمل إقبال على الجفاف الذي ينتاب العلاقات والسلوك الإنساني؛ ويردد: ” إن العالِم الديني لا يحمل هماً؛ إن عينه بصيرة، ولكنها جافة لا تدمع، لقد زهدت في صحبته لأنه علم ولا هم؛ وأرضٌ مقدسة ولا ” زمزم”؛ .
ومحمد إقبال كغيره من رموز الإصلاح في العالم الإسلامي- أبان الركود والضعف – يناضل من أجل تنقية الدين من الخرافات والأكاذيب التي لُصِقت به إلصاقا؛ ويحاول أن يقدم الدين ورجل الدين في ثوبٍ حقيقي أصيل جدير بالإعجاب والإقتداء ؛ فيناقش مشاكل التواكل والاعتذار بالقضاء والقدر ، ولذا يصرخ إقبال في [ ألم المسلم الضعيف يعتذر دائماً بالقضاء والقدر؛ أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد]!!.. فما أشبة اليوم بعصر إقبال.!!
ولقد كان إقبال واحداً من كبار ثوار أمته؛ بل ثوار عصره، لم يقدس قديماً لقدمه ؛ ولم يطرب لجديد لمجرد جدته؛ بل كان يعيش بقلب شاعر فيلسوف؛ وروح شابة متوقدة؛ فينعي على قومه جمودهم؛ وتمزقهم ويسخر من فناني عصره الذين لا يمثلون روح الثورة الواجبة. ثار إقبال على الرأسمالية وفيها قال: ” لقد انتهى دور الرأسمالية؛ والثراء الفاحش؛ وانتهت هذه المسرحية التي مثلها الملوك وأبطال ألف ليلة”!!. أكرر ما أشبه الليلة بالبارحة ها هو العالم الرأسمالي اليوم ينهار أمام أعيننا؛ لأنه قام على مص دم الضعفاء!!.
الحاشــية:
لقد ثار محمد إقبال على نظام الملكيات الفاسدة؛ فقال عنها: ” صدرها خاوٍ؛ ليس فيها قلبٌ خفاق؛ إنها كالنحلة تجلس على كل زهرة وتشرب منها الرضاب؛ وتغادرها إلى زهرةٍ أخرى؛ وتبقى هذه الزهرات بلونها وشكلها ورائحتها؛ ولكنها أوراق بالية وحشائش ذاوية”.!!
ويثور الشاعر الصوفي محمد إقبال على الفنون الخليعة التي ترضي النزوات؛ وتحطم قيم الشعوب المعنوية، وتكون أداة هدمٍ لا بناء، إنها داء عضال ؛ ومشكلة من أهم المشاكل التي تستلزم المعالجة والتقويم وفي ذلك قال بيت شعره الشهير: { إن سرت في اللحون دعوة موت …… حُرِّم الناي عندنا والرباب].
ويقول إقبال:{إن كل مأثرةٍ وكل إنتاجٍ؛ لم تذب فيه حشاشة النفس؛ناقصٌ وجدير بالفناء والزوال السريع؛ وكل رنّة أو نشيد لم يُدمِ له القلب؛ ولم تتألم له النفس قبل أن يصدر؛ ضربٌ من العبث والتسلية، ولا مستقبل له في عالم الروح والفكر}.
الهامش:
هذا قليل جداً.. من كثير جداً عن شاعرنا المتصوف الفيلسوف المؤمن محمد إقبال؛ الذي دعا إلى إنشاء دولة باكستان؛ والذي كان الأستاذ المعلم والملهم للملايين من أبناء شعبه وأبناء الشرق المسلم قاطبة، والذي تحدى الاستعمار والفلسفات الجامحة.. بقلب فنان؛ وروح مؤمن، والذي ترك لنا تراثاً غالياً يتمثل في دواوينه: “رسالة الشرق، وضرب الكلم ، وصلصلة الجرس وأرمغان – حجاز” وغيرها ؛ عدا دراساته في الفلسفة والتاريخ والسياسة والاجتماع… ولم يزل كثيرٌ من أبناء الشرق العربي الإسلامي خاصة يجهلون الكثير من ثماره فكره ؛ ونضاله المشرف من أجل الإنسانية عامة إذ يقول في ذلك:[ ليس وطني دلهي ولا أصفهان ولا سمرقند؛ إنما وطني العالم كله]!!.
هذا هو محمد إقبال الذي يرى حُلماً لذيذاً ؛ يرى في مرآة المستقبل عصراً لا يزال في طيات الغيب؛ يرى عصراً قد بدت تباشيره؛ وظهرت طلائعه لعينه ؛ ربما في تونس ومصر والسودان وإيران ؛ وغيرها ممن هي محجوبة عن أعين الناس لأنها ما زالت في رحم الثورات في مراحل المخاض، لذا فمن نافلة القول أن أورد هنا قول إقبال:{ لو كشفت الغطاء عن وجه هذا العالم الجديد؛ وبُحت بما في صدري من أفكار وأسرار لشقّ ذلك على أوروبا وفقدت رشدها وجنّ جنونها.}…رحم الله محمد إقبال فقد كان ترجماناً أميناً لقضايا عصره؛ وكان أميناً مع نفسه.. وقته .. وعصره؛ إن ما نشاهده؛ نسمعه ونقرأه اليوم عن بعض الأقلام التي تدعي نزاهة الكلمة وحريتها هم أبعد ما يكونوا عن تطبيق هذه المعايير الأخلاقية ا!!.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم