طبعا الحزب الشيوعي في قَرارةِ نفسه عارف إن ديسمبر “ليست بثورة”، أو دعنا نقول -بتعبير أدق- إنها “ليست ثورته”، ويعلم تمامًا أن لا إمكانية متاحة لإعادة توجيهها وتعديل تصميمها لتكون “حمراء زاهية” .. يعني أن هذه ليست الثورة التى يحلم بها، ولا الثورة التي سهروا من أجلها أعضاءه الملتزمين عبر تاريخ الحزب الملئ بالخيبات والسجل الاسود.. ولا حتى تشبه الثورة التي نظر اليها في برنامجه المعروف للجميع، وحسب معتقداته ليست ثورة تشبه الثورات التي يعرفها الشيوعيون في العالم أجمع فهل يترك المولد يضيع ؟ لا طبعا!.
لأنه حزب سياسي في الآخر، لا يستطيع أن يخرج ويقول للجماهير: هذا “فنكوش” وخديعة كبرى، ويخسر الكتير في سبيل ذلك.. بالتالي يبدأ يستفيد من حالة الرفض والإحتجاج هذه ويبني نفسه ويرمم داخله المهجور من هذا الحدث العابر ، لأنه بعدها سيرجع الناس لليأس والحسرة من الجديد أو لنقل الحياة الإعتيادية في أحسن الفروض، وسيُحكم الناس من جديد بمنطق الواقع والمتاح هذا طبعا حسب عقليته المحدودة وتفكيره السازج.
وبمجاراة الموجة الجارفة هذه يكون حقق كسب استراتيجي على المدى القريب بإنه رسّم حدود المعارضة لزملائه المطرودين من الدولة -في حال لم تتم استعادتهم من جديد- : كيف تكون المعارضة “الحقّة”؟! شكلها، طبيعتها، خطابها، مطالبها، .. إلخ إلخ هذا ما سيفرضه الشيوعي. وطبعا سيُخضِع زملاءه في الساحة السياسية بإبتزاز: “أنا كنت عارف ح يحصل و ح يحصل…” ، وهو الحزب المتَّكِئ على: رصيد سبق خروجه الباكر من التحالف الحاكم، وعفته وزهده عن المناصب “العليا والبارزة” في دولة ما بعد ديسمبر، مع سمعة جيدة -نسبيًا- وسط شباب اللجان. ..
ما سبق تكتيكات سياسية خاضعة لتقديرات وقراءات عمومية للمشهد وهي أحداث خاطفة سريعة في عمر الدولة، والخسائر هنالك -سياسيًا- لا تُكلِّف الكثير ولا المكاسب كذلك بالأخص مع شعب عفوي وطيب بلا روح انتقام ولا ذاكرة حديدية. لكن من جهةٍ أخرى فإن الحزب الشيوعي سيتعرض لخطر داهم بسبب بعض عضويته النشطة والمعروفة للجميع داخل المجتمع المدني ومنظماته، وهي تتكاثر وتتوالد هنالك بإستمرار وبتزايد مُطَّرِد، وتعمل تلك الطبقة الإجتماعية من الوجهاء على بناء حواضن ودوائر مصالح لها بِمَنْأىً عن فقراء الحزب وبؤسائه من تعساء المدينة وفقراء الريف.
“الطفيليون” هؤلاء هم طبعا أبناء الذين كان يخشى عبد الخالق على مستقبل الحزب منهم.. وهم في حقيقة الأمر لا شئ يجمعهم مع فقراء الريف والمدينة من الملتحقين بالحزب الشيوعي سوى النطاق التنظيمي!
هذه الطبقة باتت تُوجِّه الخطاب الحزبي وتخدعه بإستمرار، وتعمل على تقويض خطابات السيادة الوطنية ولقمة العيش بدعاوى أنها تحمل النفس الإسلامي الرجعي وتُحل مكانها خطابات الجندر والحريات الجزئية ومطالب الحقوق الفردانية والإنصياع للفوضى والسيولة، وكسر الإلتزام والإنضباط العقائدي بالإنسياق خلف الرجرجة والدهماء وغثاء سيل من حشود بلا رؤى ولا أيدلوجيا.. بجعله يخشى الإبتزاز فيُغني لهم ما يطربهم ويصفق لكل ما يفعلونه!.
وهو دلال ودلع لا تعرفه المنظومات الثورية، علاوة على جعله منشغلًا بالترندات وحروب الطواحين، بإختصار تعمل هذه الفئة على “لبرلة” النواة “الماركسية- اللينينية” هذا بالتعاون مع بعض مراكسة المنافي والشتات، وطبعا لهم شكل تنسيق -ما- مع تيار قديم داخل الحزب الشيوعي يُعتقد أنه يعمل لصالح “المخابرات البريطانية!.
الحزب الشيوعي أسير لنموذج مصمت وثابت عن الثورة وأي ثورة أو حراك يقوم بمقايسته مع 1917 وأكتوبر (ست الإسم) وحالة انهيار روسيا القيصرية وتخبط الجنود الثوار ثم صعود لينين بالسوفييتات لاحقاً هو سدرة منتهاه من كل حراك.
ديسمبر في جوهرها تجري بما لا تشتهي رياح الحزب فهي متلبرلة ولا خط فكري أو سياسي يمكن أن يتلبسها سوى الخطاب العدمي وسيكتشف الحزب لاحقاً أن اللجان و جمهورها ليست خالصةً له رغم الإختراق والرعاية والتنسيق.
الخطوط التي يتبناها الحزب وغواصاته مع شباب اللجان كتفكيك المؤسسة العسكرية -بدفع من الغبن القديم الناتج عن فشل “الحركة التصحيحية” وإعدام القيادة التاريخية بواسطة هذا الجيش- والعداء الصفري للتيارات المحافظة – المختزن لذاكرة الحل في 1965 هو الآخر- لن تغنيه عن حقيقة أن ديسمبر ستصير او صارت بنتاً للسفارات.
الخلاصة هي أن علي ( الحزب الشيوعي السوداني ) أن يتغير فعلا : شكلا ومضمونا وان يغادر (كلاسيكيته ) الماركسية اللينينية في خطابه السياسي اليومي . في الحقيقة ان ما يعتقده الحزب الشيوعي من انه الوحيد الذي يدرك (الطبيعة الطبقية الطفيلية الارتزاقية ) للنخبة الحاكمة لدولة مابعد 1956 وحتى الآن ( عسكرا ومدنيين ) يدركه ( علي نحو فطري وطبيعي ) ابسط سوداني في الريف والحضر ..الكل يعرف بأن السودان( يحكمه اللصوص ) وان هذا السودان لن ينصلح حاله الا باجراءات شبيهة بما يقترحه ( الحزب الشيوعي السوداني ) ،ولكن الشيوعيين السودانيين يعتقدون انهم الوحيدون الذين ينفردون بتلك المعرفة.
الآن لاتوجد ( طبقة عاملة ولا فلاحين ) بالمعنى المبذول في كلاسيكيات الادبيات الماركسية اللينينية .. فالطبقة العاملة الصناعية قد تم تجريفها بالكامل بواسطة الاقتصاد الطفيلي للانقاذ الذي دمر بشكل كلي تقريبا كافة المشاريع الإنتاجية والخدمية للقطاعين العام والخاص … فلا صناعة ولازراعة وانما فقط نهب الموارد والخامات وتمريرها كما هي للخارج ..أو دعوة الخارج نفسه لياتي وينهب بعد أن عجزت الطبقة الطفيلية حتي عم تحمل ( عبء تمرير الموارد ) … بل وصلت مرحلة دعوة لصوص الخارج لياتوا وينهبوا ما شاء لهم ان ينهبوا وان يمنحوا طفيليي الداخل فقط( الكوميشن) … علي الماركسيين ولا نقول ( الشيوعيين ) أن يعلموا أن (الطبقة ) هي مفهوم ينبغي النظر فيه باستمرار والبحث عنه بغرض اكتشافه … فالواقع المذري للسودان انتج انماطا من الإنتاج و انماطا من الطبقات لم تخطر في بال ماركس وانجلز حتي في الأحلام… وعلي ( الحزب الشيوعي السوداني ) أن يكتشف ذلك.. مازال هذا الحزب يتمسك ( بثنائية العمال والفلاحين ) … مع انه عندما يمعن النظر في ( العمال ) لا يكاد أن يكون لهم وجود بالعين المجردة…ولضروارات استكمال الشق الكلاسيكي الاخر من ثنائية ( العمال والفلاحين ) لم يجد من فلاحين سوي ( عرب مشروع الجزيرة )الذين لا يفلحون شيئا وانما اعطوا ( حواشاتهم ) لاشباح تسمي ( اهل الكنابي ) ضمن اتفاقيات غير مكتوبة عبر علاقات إنتاج لا يعلمها إلا الله .. ولكن الآن الحزب الشيوعي لم يعد يستخدم ثنائية ( العمال والفلاحين ) وانما أصبح يستخدم كلمة غامضة جدا وحمالة أوجه اسمها ( الكادحين ) بدون اي تفصيل … ولكننا سنمده بطائفة واسعه من هولاء : الرعاة ، الدهابة، الجنقو ، الكتكو ، العسالة، الصماغة ، الحواتة ، العرواته و…وو . الخ وهم يشكلون 80 % تقريبا من جمهور الشعب السوداني .. الحزب لم ينظر ابدا لهؤلاء وقد لا يعلم عنهم الشيء الكثير كونه في جوهره ( حزب مركز ) … ولكن مع ذلك فهو الحزب الوحيد في السودان المؤهل( علميا ) لا نجاز تصور معقول لهذه الأنواع الغريبة والمتعددة من ( الكادحين ) …ولكي يستوعب الحزب كل هؤلاء عليه أن يختار اسما جامعا ومعبرا عنهم جميعا …لان مصطلح( الحزب الشيوعي ) يرتبط في الاذهان بتلك الثنائية ( العمال والفلاحين) والنظام الراسمالي الصناعي .. السودان يحتاج فعلا الي حزب يعبر عن ( الطبقات ) الناتجة عن نهب الموارد والتي تتكون بشكل مستمر وتأخذ اشكالا غريبة بحسب غرابة نوع النهب الذي يتم … فبعض هذه الفئات ( الطبقات ) لها وجود مؤقت( مثل ام جركم ) ينتهي عمرها بانتهاء المورد المنهوب . اعتقد ان ( الحزب الشيوعي السوداني ) يدرك جيدا لعنة اسمه ..فلذلك يلجأ الي التخفي خلف ( واجهات المجتمع المدني ) …انه يحتاج لتغيير الكثير الكثير غير اسمه حتي ينفتح امامه الافق السوداني الجماهيري علي مصراعيه .
على كل القوى الوطنية بلا استثناء أن تسد الفراغ الذي خلفه اختطاف الحزب الشيوعي.
اتصل بي يوم أمس صديق لي بغربة الهم والشجن، قال لي – بأنفاس الحماس والروح المُستثارة:-:
ما حدث في مواكب يوم 19 ديسمبر مُماثل لما حدث يوم 6 ابريل.. تراجعت القوات الأمنية أمام زحف الثوار، ميلودراما لثوار يعانقون أفراد من الجيش ويبكون بما يوحي أن القوات المسلحة أزاحت قائدها وانحازت “للثوار”، وما يطابق الأحداث كذلك كان الإحتلال الكامل لباحة القصر بأعدادٍ هائلة من البشر… وذهب بعضهم للقول بطرفة ظهور إبراهيم الشيخ باحثًا عن جنرال كبير ليلتقط معه صورة إلخ ..
المشهد ذات المشهد!.
هل سيتم الاطاحة بالبرهان كما تمت الإطاحة بسلفه البشير وبن عوف ؟!
قلت له – بوثوقية يائسة- : لا أعتقد ذلك أو بالأصح ليس قريبا ، للأسف يا صديقي هذا يتطلب وقتا كثيرا مع اراقة الكثير الكثير من الدماء حتى يتحقق ذلك
قال لي: لماذا ؟!
قلت له أن الفارق في يوم 6 ابريل لم تكن الحشود الهادرة وحدها من صنعت الفارق، وإنما التنسيق المصري/الخليجي، والعون اللوجستي من السفارة البريطانية والأمريكية.. هو ما مهد الطريق للإطاحة بالبشير .. هو ما أزال أبنعوف كما تزاح الشعرة بالملقاط
فاللجنة الأمنية كانت مخترقة بالكامل فهم أبناء الخليج يعرفهم ويعرفونه، لجهة أن أعضاءها هم أبطال وبارونات حرب اليمن. ولكي يجري تنسيق خارجي مماثل لما حدث في السابق مع طاقم آخر من كبار الضباط لابد وأن يأخذ هذا زمنًا كافيًا؛ هذا بالطبع مع الترتيب لإعداد ظهير سياسي مدني يُساند الخطوة العسكرية في قلب الطاولة على البرهان، مع إقرار للقوى الخارجية أن الوجوه القائمة استفذت أغراضها أو لم تعد مطيعة لهم.. وهذا ما لا أظنه!
– آخرون سخروا من خطاب “الثورة الملونة”، و قالوا: يا لبؤس أصحاب هذه الدعاوى، ها نحن نفعلها مرة أخرى ونختبر أن لا إرادة تقف خلف إرادة شعبنا، وأننا نتحرك بإرادة حرة كاملة!
نبضة أخيرة:-
وها نحن ذا اليوم بعد ثلاثةِ أعوام وفي ذات اليوم وفي ذات الساعة يستديرُ بنا زمانُ الخلاصِ بكامل هيئته كما بدأ لا ليُرْجِعنا القهقري، بل لاستكمال موكبنا الظافر في تصفير عداد تركة المستعمر مرة وإلى الأبد، وشعارنا في الجولة الأخيرة من هذه الحرب قد سَرّبنا دلالاتهِ الحافّةِ بين سطورِ مقالتنا هذه وجاء في متنه الفخم الذي انْبَشّ ماء الفصاحةِ قوةِ مبانيه، وافْتَرّ ثغر البلاغةِ عن حُسْنِ معانيه:
“قدرنا أنَّنا الجيل الذي سيدفع تكلفة نهاية الإنقلابات العسكرية ولن نؤجل هذه المعركة”
وصاني ابوي؛
الموج بيهدم كلّ رخوة على الجروف
شِدّ الضُّراع
النيل بقاوم من زمن
زي المراكب مع الشراع
لازم تعرفو الظلمِ جاي
من وين عليك وافتح عنيك
على زهور الغابة والأدغال
وعشان يكون الحق ليك
تعبر بحور تهدم جبال
والحقّ هُوَ النضال
كلو سنة وإنتو طيبين كلكم بلا فرز حتى محور الممانعة بكل صدق
mido34067@gmail.com
//////////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم