الشِّينة منكورة: عن ذاكرةٍ تُنتقى وواقعٍ يُحرّف

بقلم: لوال كوال لوال

ليست الأزمة التي يعيشها السودان اليوم مجرد صراعٍ مسلحٍ على السلطة، ولا هي خلافٌ عابر بين قوتين عسكريتين؛ بل هي، في جوهرها، أزمة وعيٍ وذاكرةٍ وتاريخ. أزمة تتجلى في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الماضي وفق مقتضيات الحاضر، وفي الكيفية التي تُنتقى بها الوقائع لتخدم سردياتٍ بعينها، بينما يُدفع بالبقية إلى هامش النسيان أو الإنكار. إن أخطر ما يواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات ليس فقط حجم الدمار المادي، بل حجم التشوه الذي يصيب الوعي الجمعي. فحين يُعاد تعريف الضحية، ويُعاد تلميع الجلاد، وتُختزل الجرائم في رواياتٍ انتقائية، يصبح من الصعب – إن لم يكن مستحيلًا – بناء مستقبلٍ قائم على الحقيقة والمساءلة. في هذا السياق، تبرز واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في السودان اليوم: محاولات بعض الأصوات التنصل من جذور “قوات الدعم السريع”، وتقديمها كجسمٍ غريب عن الدولة والمجتمع، أو – في بعض الحالات – إلصاقها بدول الجوار، وكأنها نتاج مؤامرة خارجية محضة. هذه السردية، رغم ما تحمله من بساطةٍ مريحة، تخفي وراءها قدرًا كبيرًا من التزييف، بل وتُسهم في إعادة إنتاج نفس الأزمة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه. الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن التشكيلات المسلحة التي تُعرف اليوم باسم “قوات الدعم السريع” ليست وليدة عام 2013 كما يُروّج، بل هي امتدادٌ تاريخي لمسارٍ طويل من السياسات التي انتهجتها الدولة السودانية في إدارة صراعاتها الداخلية. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، ومع تصاعد النزاعات في الأطراف، لجأت السلطة المركزية إلى تسليح مجموعات محلية، عُرفت في بعض المناطق باسم “المراحيل”، لتكون ذراعًا غير رسمية في الحرب. في عهد جعفر نميري، بدأت ملامح هذا النهج تتشكل بوضوح، حيث استُخدمت هذه المجموعات في مناطق التماس مع جنوب السودان، في سياق حربٍ لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت أيضًا ساحةً لانتهاكات واسعة النطاق. ومع أن الدولة لم تكن دائمًا تعلن مسؤوليتها المباشرة، إلا أن طبيعة العلاقة بين هذه التشكيلات والسلطة كانت تشير إلى نوعٍ من التواطؤ ،التسليح والإشراف أو الرعاية غير المعلنة. ومع الانتقال إلى فترة الديمقراطية الثالثة، وتحديدًا خلال حكومة الصادق المهدي، لم يتم تفكيك هذا الإرث، بل جرى – في بعض الجوانب – تطويره وتوسيعه، تحت مبرراتٍ أمنية وسياسية. فقد وجدت النخب الحاكمة نفسها أمام تحدياتٍ معقدة في الأطراف، فلجأت مرةً أخرى إلى أدواتٍ سريعة التأثير، دون النظر إلى كلفتها طويلة المدى بتسليح القبائل العربية ضد الزرق. ثم جاء عهد عمر البشير ، ليحوّل هذه السياسة من حالةٍ شبه استثنائية إلى نهجٍ مؤسسي. فقد تم إنشاء “قوات الدفاع الشعبي”، وتوسيع نطاق التعبئة المسلحة خارج الأطر العسكرية التقليدية، مما أدى إلى ترسيخ ثقافة المليشيات كجزءٍ من منظومة الحكم. ومع اندلاع النزاع في دارفور، برزت مليشيات “الجنجويد” كأحد أبرز تجليات هذا المسار، قبل أن يُعاد تشكيلها لاحقًا في إطارٍ أكثر تنظيمًا تحت مسمى “قوات الدعم السريع” عام 2013. إن هذا التسلسل التاريخي لا يهدف إلى توزيع الاتهامات بقدر ما يسعى إلى وضع الأمور في سياقها الصحيح. فالمشكلة ليست في اسم القوة أو تاريخ إعلانها الرسمي، بل في البنية التي أنتجتها، والعقلية التي رأت في المليشيات أداةً فعالة لإدارة الصراع. ولا يمكن قراءة هذا المسار بمعزلٍ عن دور النخب الحاكمة في ما يُعرف بالشمال النيلي، التي ظلت – لعقود – تمسك بمفاصل الدولة وتُدير الصراعات بعقلية المركز. هذه النخب، في مراحل مختلفة، لم تكتفِ بإهمال الهامش، بل لجأت إلى تسليح مجموعات محلية واستخدامها كأدوات في حروبٍ بالوكالة، هربًا من كلفة المواجهة المباشرة، أو لتحقيق مكاسب سياسية آنية. غير أن هذا النقد لا ينبغي أن يتحول إلى خطابٍ جهوي يُبرئ بقية الفاعلين، أو يختزل الأزمة في جغرافيا بعينها. فالمشكلة أعمق من ذلك؛ إنها تتعلق ببنية السلطة نفسها، التي أعادت إنتاج نفس السياسات مهما تغيرت الوجوه. فكم من نظامٍ جاء بشعاراتٍ مختلفة، لكنه انتهى إلى استخدام نفس الأدوات التي استخدمها سلفه؟ المفارقة المؤلمة أن بعض من يهاجمون اليوم “الدعم السريع”، يتجاهلون – عن قصد أو عن غير قصد – السياق الذي أنتجه. بل إن بعضهم كان، في مراحل سابقة، جزءًا من المنظومة التي شرعنت وجود مثل هذه التشكيلات، أو صمتت عن جرائمها حين كانت تخدم توازناتٍ سياسية معينة. وهنا تتجلى خطورة المثل الشعبي السوداني “الشينة منكورة”. فالمجتمع الذي ينكر أخطاءه، أو يحاول تحميلها بالكامل للآخرين، يُحكم على نفسه بتكرارها. فالتاريخ لا يُمحى بالإنكار، ولا يُعاد كتابته بالرغبات، بل يظل حاضرًا في نتائجه، حتى وإن غاب عن الذاكرة. إن محاولة إلصاق “الدعم السريع” بدول الجوار، أو تصويره كجسمٍ دخيل، قد تبدو للبعض وسيلةً للهروب من المسؤولية، لكنها في الحقيقة تُعقّد الأزمة بدلًا من حلها. فحتى لو وُجدت أدوار خارجية – وهو أمرٌ لا يمكن استبعاده في أي صراع إقليمي – فإن ذلك لا يلغي المسؤولية الداخلية، ولا يُبرر تجاهل الجذور المحلية للمشكلة. الدول لا تنهار فقط بفعل التدخلات الخارجية، بل أيضًا – وربما أساسًا – بفعل سياساتها الداخلية. وحين تختار الدولة، أو نخبها الحاكمة، الاعتماد على أدواتٍ غير رسمية للعنف، فإنها تفتح الباب أمام قوى قد تخرج لاحقًا عن السيطرة. لقد أثبتت التجربة السودانية، مرارًا وتكرارًا، أن استخدام المليشيات كأداةٍ سياسية أو عسكرية هو سلاحٌ ذو حدين. فقد يُحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنه يُنتج على المدى الطويل واقعًا أكثر تعقيدًا وخطورة. فهذه التشكيلات، التي تُنشأ لخدمة أهدافٍ محددة، قد تتحول إلى قوى قائمة بذاتها، لها مصالحها وشبكاتها، وقدرتها على فرض إرادتها بالقوة. إن الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب أكثر من مجرد تغيير في موازين القوة؛ يتطلب مراجعةً جذريةً لطريقة إدارة الدولة، وللعلاقة بين المركز والأطراف، وللمفهوم نفسه الذي يُبنى عليه احتكار العنف المشروع. فلا يمكن بناء دولةٍ مستقرة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة، ولا يمكن تحقيق سلامٍ دائم دون مساءلة حقيقية عن الجرائم التي ارتُكبت، بغض النظر عن هوية مرتكبيها. العدالة الانتقائية لا تُنتج سلامًا، بل تؤسس لجولاتٍ جديدة من العنف. كما أن إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني تتطلب الاعتراف المتبادل بالمعاناة، ورفض السرديات التي تُقصي الآخر أو تُنكر آلامه. فكل منطقة في السودان تحمل جراحها الخاصة، وكل مجموعة لها روايتها، لكن لا يمكن لأي رواية أن تُلغي الأخرى. إن السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في دوامة الإنكار، وإعادة إنتاج نفس الأخطاء تحت مسمياتٍ جديدة، أو مواجهة الحقيقة بشجاعة، مهما كانت مؤلمة. الحقيقة التي تقول إن ما يحدث اليوم ليس حدثًا معزولًا، بل نتيجة لمسارٍ طويل من السياسات الخاطئة، والقرارات قصيرة النظر، والتحالفات الهشة. وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: من المسؤول وحده؟ بل: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكيف نمنع تكرار ما حدث؟ الإجابة على هذا السؤال تبدأ بالاعتراف بأن “الشينة” ليست دائمًا في الآخر، وأن إنكارها لا يُلغي وجودها. بل على العكس، يُرسّخها ويمنحها فرصةً جديدة للظهور. وإلى أن يجرؤ السودانيون – نخبًا وشعبًا – على مواجهة هذه الحقيقة، سيظل التاريخ يعيد نفسه، بأسماءٍ مختلفة، لكن بذات الألم. فالشينة، حين تُنكر، لا تختفي… بل تعود بشكلٍ أكثر قسوة.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الميلاد في زمن الانتهازية والكراهية (2-5)

بقلم: لوال كوال لوال الحظ العاثر وحده لا يفسّر مأساة الملايين من أبناء الشعب الجنوب …