في الديموقراطية الثالثة وحتي نهاية التسعينات كان بي بقية من الشباب أستعمل وسائل المواصلات وألتقي بالزملاء والأصدقاء من ضحايا الصالح العام، لكنني كنت في مؤسسات الخدمة العامة كأهل الكهف في سوق المدينة، وكان للأصدقاء والزملاء السابقون محطات في وسط الخرطوم وقلبها النابض يلتقون فيها، وألتقي بالناس في ملفات الأفراح والأتراح الذين يأتون من مختلف المناطق والشرائح الاجتماعية، فقد كان القراء يجدون في مقالاتي الصحفية طعم ورائحة وصدى ايقاع الحياة السياسية والاجماعية والصحافة سلطة رابعة لأنها سلطة الحق والحقيقة، لكن أبواق النظام كانت تصف مجالس الخراطيم بمجالس المرجفين في المدينة.
كنت أهتم بكل خبر وكلمة تصدر من الصادق المهدى وحسن عبد الله الترابي باعتبارهما امتدادا لكارثة مؤتمر الخريجين الذ انقسم الي أحزاب طائفية في وطن تعددى علي عكس حركات التحرر من الاستعمار في آسيا وأفريقيا التي تحولت الي أحزاب قومية، فقد كان المال في خزائن أشياخ الطائفية عبد الرحمن المهدى وعلي الميرغني والمجد للمال ليس المجد للقلم وبالمال تشترى الأقلام والسيوف، وترقبت كتاب الصادق المهدى المعلن عنه بعنوان نحو مرجعية اسلامية متجددة وطال الانتظار، فتوجهت الي مكتبة الصادق المهدى عند بوابة منزله بالملازمين، وعلمت ان الصادق المهدى أمر بايقاف توزيع الكتاب لسوء التغليف، وبعد مشاورات داخل وخارج المكتبة وافقوا علي منحي نسخة من الكتاب مجانا، وسرعانما تفكك الكتاب وتحول الي أوراق لا يجمعها سوى أرقام الصفحات ويوجد اللآن بمكتبتي في كيس من البلاستيك.
وقال الترابي لحسن الحظ ان المسلمين في السودان يجهلون الكثير عن حقيقة وجوهر الاسلام والكتاب مادة أساسية لمعالجة الجهل المريع بحقيقة وجوهر الاسلام لكن الصادق المهدى له أجندته الخاصة ولا يستطيع الفصل بين الذات والموضوع، وارتد الكثرون عن المشروع الحضارى المزعوم بعد أن اتضح لهم أنها للسلطة والمال والجاه والنفوذ وليست لله كما يزعمون، ولو كانت لله لكانت للناس ولما احتاجت لقوة القوة وجكة من الكذب والمكر والخداع والشعوذة والدجل، والكتاب أحدث وأهم مرجع في موضوعه للباحثين الشباب في الجامعات ومراكز البحث العلمي في الداخل والخارج، وبصفة خاصة طلاب العلوم السياسية بجامعة أمدرمان الاسلامية وهي مؤسسة كيزانية وآلية من آليات التمكين علي حساب الشعوب السودانية المغلوب علي أمرها والضرائب المباشرة وغير المباشرة لا تميز بين المسلمين وغير المسلمين، بدليل أنها لم تقدم لنا سوى ذاكرات آلية تجتر فقه الأقدمين، وكان فرع جامعة أم درمان الاسلامية في جوبا بلطجة سياسية واستفزازا وصبا للزيت علي النار.
الكتاب لم ينشر حسب علمي ولم يعرض بالمكتبات وأكشاك الصحف وتوقف الاعلان عنه، واذا عرف السبب بطل العجب لأن الكتاب في مضامينه يلتقي مع محمود محمد طه في دحض أكذوبة الاسلام دين ودولة وأكذوبة العلمانية ردة عن الالسلام ومفهوم دار الحرب ودار الاسلام في عصرنا هذا ومفهوم الجهاد فريضة قائمة الي يوم القيامة، وان كان الصادق المهدى يحاول تبرير ما لايمكن تبريره علي طريقة الفقهاء الأولين، والجهاد فرض عين في كل الأمم والشعوب في حالة العدوان وللحيوانات والطيور في الغابة أرض وموارد ومجالات حيوية تدافع عنها ضد الغرباء الطامعين، ويحاول الصادق المهدى تجنب الاحتكاك بالجماعات السلفية التي رمته بالكفر والخروج من الملة المحمدية لأنه أعلن ان برنامج حزب الأمة يتضمن منع البرقع بحكم القانون، ويتفق الكتاب في مضامينه مع محمود محمد طه بأن آيات السيف آيات ظرفية، ومع عمر بن الخطاب عندما أوقف الفتوحات بعد هزيمة الفرس والروم في القادسية واليرموك لأن الحرب ليس لها عائدا ومردودا غير الكراهية والأحقاد والمرارات والاعراض والنفور ولا اكراه في الدين ولا عدوان الا علي الظالمين والله لا يحب المعتدين.
جاء في الكتاب ان آيات الحرية والتسامح عددها 100 آية في 48 سورة، ويعني ذلك ا ن أى حركة دينية هي بالضرورة حركة عنصرية، وفي العقل والحس والعيان وأرض الواقع لا وجود لدول عربية أو اسلامية الا مجازا باطلاق اسم البعض علي الكل أو الاستلاء علي السلطة باسم الأغلبية كما حدث في السودان، وكانت الخلافة الاسلامية أمبراطورية تركية تستعمر الشعوب الناطقة بالعربية وشعوب البلغان، وفي سنة 1648 في مؤتمر أوربي توافقت الشعوب الأوربية علي الخروج من دائرة الدويلات الاقطاعية والحروب التوسعية والدينية والفوضي الدينية والسياسية التي يعاني منها المسلمون الآن لأن النخب المستسلطة كما في السودان تقاوم الديموقراطية ودولة المواطنة لتكريس الوصاية علي الشعوب المغلوب علي أمرها، وتكونت الدول القومية في أوربا علي أنقاض الأمبراطورية الرومانية المقدسة، وبعد الحرب العالمية الثانية واعلان مواثيق حقوق الانسان تكونت الدول القومية علي أنقاض الأمبراطوريات وتصفية الاستعمار وأصبحت نظاما عالميا يحكمه القانون الدولي، لكن الحركات الاسلامية تتهم الدول القومية بأنها مؤامرة استعمارية لتفكيك الخلافة الاسلامية.
في أوربا نظم الصادق المهدى ندوة حول المهدية وليس حول النظام العنصرى في السودان، والمهدية كلأمبراطوريات الاستعمارية التي كان آخرها الأمبراطورية الروسية التي كانت تعرف بالاتحاد السوفيتي مثلماكانت الأمبراطية التركية التي كانت تعرف بالخلافة الاسلامية مرحلة من مراحل التاريخ مضت وانقضت وليس لها مكانا في الحاضر والمستقبل لأن حركة التاريخ لا تعود الي الخلف.
الصادق المهدى مفكر يجمع بين دور المفكر ورجل السياسة، وكان ينتقد أداء النظام ولم يكن له موقفا معلنا ضد الدولة الدينية بمعني المزايد علي الاسلام وتلطيخ الاسلام في أوحال السياسة القذرة، وقال ان قوانين سبتمبر لا تساوى الحبر الذى كتبت به لكنه تواطأ مع الكيزان علي ابقاء قوانين سبتمبر مسمار جحا في جدار السياسة السودانية وهي الشرارة التي أشعلت الانتفاضة، وذلك بتغييب تجمع المهنيين عند تكوين الحكومةالانتقالية وهو الذى قاد الجماهير الي النصر وأسقط النظام المايوى، والهبوط الناعم الآن محاولة لاقصاء تجمع المهنيين.
abdullah.alsadeg@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم