الصرف على الصحة كاستراتيجية لمحاربة الفقر .. بقلم: د عيسي حمودة*
18 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
84 زيارة
جاء في الأخبار أن السيد معتز موسي رئيس مجلس الوزارء دعا الورزاء الجدد الي تقديم خطط عاجلة لمعالجة الفقر. وذُكرَ أنه أمهل وزراءه 24 ساعة لتقديم خططهم هذه. وهي مدة زمنية قصيرة لا تسمح حتي للتشاور داخل الوزارة ناهيك عن التواصل مع المواطنين والاخذ بآرائهم في تفاصيل هذه الخطط. والاخير مهم في وضع مثل هذه الخطط و جدواها وحول كيفية تفصيلها وتنزيلها حتي تستهدف الفقراء منهم حقا ومن بعد تقييمها.
علي كلٍ هذه مقالة للسادة الوزارء والحكومة والأحزاب المشاركة حول أهمية الصرف علي الصحة كإستراتيجية فعالة لمحاربة الفقر. وأشير هنا الي معلومات وإحصاءات من ثلاث جهات معتبرة في هذه المجال: منظمة الصحة العالمية، البنك الدولي ومعهد بروكنغز الشهير. والمؤسستين الأولتين شريكيين فنيين للسودان وتعملا علي مساعدة الدولة في قطاعات الصحة والاقتصاد ومحاربة الفقر. وسياسات القطاع الصحي والاقتصادي تشمل جزء كبير من توصيات الصحة العالمية والبنك الدولي.
إن الصرف علي الصحة هو إستثمار وعمل إقتصادي. هذا هو بيت القصيد. ولكن من غير تغطية صحية شاملة فان الأثر يظل محدودا. كما في التجارة: رأسمال الكبير يساعد علي علي الفايدة الكبيرة. كذلك التغطية الصحية الشاملة تساعد القطاعات المنتجة في التمتع بصحة جيدة. وهناك أدلة علي أن الصرف علي الصحة يؤدي إلي: زيادة الإنتاجية الفردية وزيادة المداومة علي الدراسة من خلال تقليل غياب الطلاب بسبب المرض ؛ زيادة الاستيعاب والاداء التعليمي وحتي وجد ان التمتع بصحة جيدة يحفز الأسر علي الصرف علي التعليم والإدخار. وتؤكد الأبحاث أيضا أن الحصول علي الرعاية الصحية للأطفال ذات مردود إجتماعي كبير في المستقبل حيث تمنع حدوث الجريمة و تقلل حوجتهم للرعاية الاجتماعية والصحية. والعكس صحيح تماما عدم الصرف علي الصحة يؤدي الفقر! الفقراء عادة يعيشون في بيئة صحية متردية، ياكلون أغذية غير صحية ويصابون بسوء التغذية وهذه تودي الي المرض وبالتالي يقل دخل الفرد و بسبب التوقف عن العمل والصرف علي الرعاية الصحية يدخلون في دورة جهنمية.
والصرف علي الصحة إستثمار غير مكلف خاصة الصرف علي خدمات الصحة الوقائية التي تقلل حوجة الناس للعناية الطبية الحرجة. وتؤكد إحصاءات منظمة الصحة ان 90% من حالات الأمراض يمكن علاجها في مؤسسات الرعاية الصحية الأولية. وبرامج التثقيف الصحي كأحد برامج الرعاية الأولية تقلل من الإصابة بالامراض المزمنة من سكري، ارتفاع ضغط الدم، السل وغيرهم.
حتي يومنا هذا تمويل الخدمات الصحية من الميزانية العامة لا يزال في حدود ٢٪. ومن غير تدخل الدولة يظل تحقيق الرعاية الصحية والعائد الاقتصادي والاجتماعي منها حلما بعيد المنال. حصول المواطنين علي الخدمات الصحية وجودتها هي مسؤلية الدولة. تمويل التكلفة الكلية لهذه الخدمات يمكن التفاكر حوله وهو ليس من الخزينة العامة وحدها والا اصبح عبء كبير علي الدولة في الإيفاء بهذه المسئولية.
ماهي الإستراتيجيات والأنشطة التي نقترحها للمساعدة في حماية الأفراد من خطر الفقر بسبب الأمراض والصرف عليها – خاصة عند الطبقات الفقيرة؟ أدعو اإلي ما دعا له البنك الدولي والصحة العالمية وهي:
• تخفيض تكلفة العلاج مباشرة في المرافق الصحية. وليس الدعم علي المستوي الأعلي الذي يستفيد منه تجار الأدوية والدولار كما راينا. يكون الدعم المباشر اما بإلغاء رسوم العلاج او توفير التامين الشامل لكل الفقراء
• تخفيض الهدر وزيادة فاعلية الأجهزة من خلال التدريب وتقوية النظم الصحية وغيره للحد من استهلاك الأدوية والصرف غير المرشد لها، واعتماد نظم التحويل. وكما قلت ان معظم الحالات يمكن ان تيّم علاجها علي مستوي المراكز الصحية الأولية لو احسن استخدامها وفِي مرات كثيرة تنعدم هذه المراكز ولا يذهب الناس للعلاج وتسوء حالتهم فيذهبون المستشفيات وهذا يكلف الدولة والمواطن. لكن الفقراء هم الأكثر يفقدون سبل عيشهم ويضحون بمستقبل ابناءهم التعليمي بسبب الصرف الكارثي علي الصحة.
• توفير العلاج والخدمات الصحية علي مقربة من سكن المواطن مهم جدا او وضع صندوق لدعم تحويل وسفر المرضي او حتي إعطاء الأسر الفقيرة إعانات مالية مباشرة وتحفيزية توضح عدد المرات التي استخدموا هذه الأموال لحالات المرض او بقوا أصحاء واستخدموها في تحسين حياتهم.
• ادخال الشراكة بين القطاع العام والخاص للوصول بالخدمات للمناظق البعيدة والشرائح المحتاجة. وليس كما نري من إعفاءات للقطاع الخاص وخصخصة القطاع العام من غير دراسة وتقييم.
هذه إستراتجيات طبقتها دول مثل الهند ( مشروع راجستان لتطوير الرعاية الصحية)، جورجيا(مشروع تطوير الرعاية الصحية في جورجيا) ودوّل حوض الميكونج بجنوب شرق اسيا ( المشروع الصحي الإقليمي لدول حوض نهر الميكونج ).
التركيز يكون في المناطق الطرفية ووسط الفقراء. المؤشرات الصحية في السودان تخفي مفارقات كبيرة ليس في توزيع الخدمات والرعاية الصحية ولكن في انتشار الأمراض نفسها. مثلا يعاني سكان الريف وفقراء المدن من معدلات اعلي من الأمراض المستوطنة والمزمنة مقارنة بغيرهم من المواطنين.وهو دلالة علي تزايد الفوارق الاقتصادية التي اتسعت فيها الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون. وعليه ينبغي علي الدولة تقييم سياسة التمويل للصحة في السودان بما في ذلك تقييم التامين الصحي الحالي. وهناك حوجة لاستراتيجية الصحة الشعبية/المجتمعية من خلال تكوين “جهاز من المتطوعين الصحيين الطبيين ” – بمعدل متطوع واحد علي الأقل لكل قرية او مجموعة سكانية في المناطق الريفية والتي تبعد عن المؤسسات الصحية ما لايقل عن ميلين( خمس كيلو مترات). هذا يتطلب تمويل لهذه الصحة الشعبية/المجتمعية. وتقوم وزارات الصحة الولائية من خلال هذه التمويل المتخصص بوضع أسس تساعد السكان علي اختيار المتطوعين وتزويدهم بالأدوية والمعدات حسب مجموعة الأمراض التي تقر بعلاجها الوزارة لهؤلاء المتطوعين الصحيين.
**طبيب وإختصاصي وبائيات
مستشار البرامج والمتابعة والنظم الصحية
مكتب الامم المتحدة للمشروعات – بجنوب شرق أسيا
eisa.hamouda@gmail.com