طرفة بسيطة عميقة تصلح كمقدمة لهذا المقال المهم.
يقال أن زائر ليل تسوّر حائط منزل شباب عزابة،
وجد ستة شباب يغطون في نوم عميق في (سراير) في الحوش،
وتأكد أنهم لن يتحركوا،
دخل غرفتهم الواحدة،
وجمع كل ما تيسر له من أشياء..
فتح باب الغرفة وهمّ بالخروج،
وجد (السراير) الستة خالية من الشباب..
عمل (تقدير موقف) كما يقول العسكر..
تأكد له أنهم رسموا خطة للفتك به..
عاد وأحكم قفل الغرفة وهو داخلها، وأخذ يصيح:
والله لن أفتح الغرفة حتى تستدعوا الشرطة..
هذا حالنا الآن ! كل (سراير) الدول حولنا أصبحت خالية من الثقة والإطمئنان والصداقة الحقة،
وتجمعوا في تحالفات وصداقات مريبة، تدعو لليقظة والحذر والاستعداد.
مجموع أطوال هذه (السراير) حولنا 7672 كلم.
تحالف مصري أثيوبي مفاجئ وحدوده معنا: مصر 1276 كلم، وأثيوبيا كلم 744. وتحالف قديم مصري ليبي (حفتر): وحدودنا مع ليبيا 382 كلم. وتحالف مصري سعودي: بحدود بحرية مع السعودية 853 كلم.
وتحالف وصداقة مفاجئة، بمبادرة ودعم من دولة الإمارات بين أثيوبيا وأريتريا: بحدود 682 كلم مع اريتريا، لتصبح حدودنا الشرقية مع الدولتين 1426 كلم.
ودولة جنوب السودان في وجود سلفاكير تظل عدائية وجاهزة للإنضمام إلى أي تحالف ضد السودان: وبحدود 2158 كلم.
وتشاد وأفريقيا الوسطى سوف تنضمان إلى الطوق المرسوم ضد السودان، بضغط من فرنسا، التي تناصب نظام السودان ورئيسه العداء: حدودنا مع تشاد 1403 كلم، وافريقيا الوسطى 174 كلم.
بمعنى أن هذا الطوق يبلغ طوله الكلي 7672 كلم..
تشكل هذا الطوق الخطير، بهذه الأطوال الواسعة، بتحالف مصر مع خليفة حفتر قبل سنوات، ثم تحالف مصر والسعودية والإمارات، وتحالف مصر مع اثيوبيا قبل أشهر، وأخيراً تحالف اثيوبيا واريتريا الجديد، بمبادرة ودعم كبيرين من دولة الإمارات، ودولة جنوب السودان في عداء منذ الإنفصال، وفي الطريق تشاد وافريقيا الوسطى.
القاسم المشترك بين هذه الدول، هو المعاداة والحرب على الإسلام السياسي، وبالتحديد حركة الإخوان المسلمين العالمية، والسودان منذ يونيو 1989 محكوم بها.
بدأت أنياب هذا الطوق المدعوم من أمريكا وأوروبا، خاصة فرنسا،
تظهر في الآتي:
أولاً: بيان الخارجية الأمريكية الأسبوع الماضي المحبط، الذي يقلل من دور السودان في حلحلة أزمة جنوب السودان، بإصرارها على ضرورة ضم جهات جنوبية غير تلك التي اجتمعت في الخرطوم للمفاوضات، وتأكيد عدم تقديم أي دعم مادي أمريكي لإنجاح عملية سلام الخرطوم، ما لم يبدأ حوار شامل لكل الأطراف.
ثانياً: رفض البنك الدولي الأسبوع الماضي مساعدة السودان، واقترح أن تتولى إدارة اقتصاد السودان شركات عالمية، تعمل في كل مناحي التنمية وإعادة التأهيل للمشاريع والمؤسسات بنظام البوت (Build Own Operate Transfer)، الإنشاء والتملك والإدارة، ثم التحويل لسيطرة السودان في فترة لا تقل عن عشرين عاماً – أي بمعنى واضح وصريح وضع اقتصاد السودان تحت الوصاية الدولية، وبالتالي وضع سيادة السودان تحت الوصاية.
ثالثاً: أصدرت الأجهزة الأمنية في اثيوبيا بياناً أيضاً الأسبوع الماضي، أشارت فيه إلى أنها تمكنت من إحباط محاولة لتهديد استقرار اثيوبيا، عندما وضعت يدها على مبلغ عشرة ملايين دولار وأسلحة مخبأة. واضافت أنها ترجح دخول الأموال والأسلحة عن طريق السودان وجيبوتي، وفي ذلك بداية واضحة لتوتر علاقات السودان واثيوبيا، وأصلاً هي متوترة منذ زمن مع اريتريا.
هذه الحقائق والشواهد تدعونا إلى (تقدير موقف) بصورة عامة، والتعامل مع هذه التطورات المفاجئة المتصاعدة كحزمة واحدة تحركها أيادي خفية..
أولى خطاوي تقدير الموقف تبدأ بالآتي:
أولاً: الإعتراف بأن سياسات التأرجح بين المحاور وعدم الثبات في محور واحد أضرت بالاقتصاد السوداني، بسبب حجب أي دعم أو مساعدة من أطراف تلك المحاور.
ثانياً: تعاملنا مع عائدات صادرات النفط بعيداً عن الشفافية المطلوبة، مما أتاح مناخاً داعماً للفساد.. لا أحد حتى الآن يعرف ما هي الكميات التي تم تصديرها، وكم كان عائدها المادي، وأين ذهب ذلك العائد الضخم؟
ثالثاً: عدم استغلال عائدات البترول في تأهيل المشاريع والخدمات القائمة والبنيات التحتية المنتجة، مثل مشاريع الزراعة، خاصة في الجزيرة والمشاريع والمؤسسات الإنتاجية الأخرى، ولماذا تحوّل المجتمع السوداني إلى استهلاكي كامل الدسم؟
التنمية الإنتاجية نقصد بها على الأقل المحافظة على المشاريع القائمة وناجحة منذ الإستقلال، مثل مشروع الجزيرة، وزراعته بالقطن كمحصول نقدي أساسي.
أكبر خطأ استراتيجي كان تحول مشروع الجزيرة إلى انتاج القمح المستهلك والمتوفر عالمياً بأسعار متوازنة طول العام وفي بلدان كثيرة، ونسأل أنفسنا أين ذهبت عائدات النفط من تصدير حوالي 350 ألف برميل يومياً، وأسعار تقارب المائة دولار للبرميل في الفترة من 1999 وحتى 2011..
لماذا لم توجه لتحديث وتأهيل مشروع الجزيرة وزيادة مساحته؟ لماذا لم توجه لتنمية الثروة الحيوانية؟، لماذا لم توجه لتحديث وزيادة المسالخ والمدابغ؟. ولماذا تصدر الماشية حية دون إضافة قيمة في المسالخ ومعامل تجهيز اللحوم؟، لماذا لم يتم تأهيل السكة الحديد وزيادة القوة الساحبة والخطوط الجوية؟، لماذا فقدنا كل أسطولنا الجوي والبحري، والآن لا نملك طائرة أو سفينة واحدة تجوب العالم بعلم السودان؟..
الآن السودان الدولة الوحيدة التي لا تملك خطوط جوية أو بحرية !، لماذا ضاع النقل الميكانيكي الذي كان مسؤولاً عن تحديد نوع وصلاحية كل العربات الحكومية، وتوحيد مصادر انتاجها حتى تسهل صيانتها؟، لماذا اندثرت المخازن والمهمات، التي كانت تصنع وتؤهل مكاتب الدولة في نظام دقيق يحكم كل مؤسساتها؟.. .
الآن كل وحدة حكومية تشتري أفخر الأثاثات بأرفع الأسعار لأنها مستوردة، البديل لكل ذلك كان عمارات زجاجية ضخمة، لا تساهم في زيادة الناتج القومي، بل تعمّق من العجز المتنامي في الميزان التجاري.
لماذا تحولنا بصورة متعجلة إلى سياسات السوق الحر، ونحن دولة فقيرة بدأت تنهض بعد استخراج البترول، إذ كان يجب أن يتم التحول إلى السوق الحر تدريجياً، بضوابط تكبح جماح القطاع الخاص، وتحدد له السلع للإستيراد وأسعار البيع. بهذا المفهوم، والسوق الحر المقيّد، نهضت اثيوبيا ورواندا والسنغال.
قبل ثمانية أعوام كان الجنيه السوداني يعادل 7 بر أثيوبي اليوم البر الأثيوبي يعادل 2.5 جنيه سوداني، قبل سنتين كان الجنيه المصري يعادل جنيهاً سودانياً، الآن الجنيه المصري يعادل ثلاثة جنيهات سودانية.
رابعاً: ندرس ونعترف بتزايد حالات الفساد بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح واحداً من أهم أسباب تدهور الاقتصاد السوداني.
خامساً: لماذا يُحكم السودان بهياكل ومؤسسات باهظة التكلفة، بعيداً عن كل نظريات الحكم المثالي؟ ولماذا نصرف على الأمن في كل مؤسساته قرابة الـ 70% من الميزانيات، منذ العام 1989؟ لماذا 18 ولاية بها 18 مجلس وزراء و18 مجلساً تشريعياً وجيوشاً جرارة غير منتجة من الموظفين السياسيين؟، لماذا تكون هيئة الرئاسة مترهلة وبها 5 مساعدين للرئيس وعدداً من المستشارين؟ لماذا يتكون مجلس الوزراء الإتحادي من 80 وزيراً ووزير دولة، وما هو انتاجهم وعطاؤهم وانجازهم وتناغمهم من غير صوت نشاز.
بات الحال الداخلي مهدداً لاستقرار البلاد بهياكل حكم متنافرة ومجلس وزراء اتحادي به نشاز وخروج عن الإيقاع بصورة مزعجة، كل ذلك مهدد بثورة جياع عفوية، في ظل تصاعد أسعار السلع والخدمات اليومية، وسط تآمر ومخططات مدمرة، لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل منها أو الإلتفاف حولها .كل ذلك يستدعي تدخلاً عاجلاً وجريئاً بقرارات رئاسية تاريخية، تحفظ السودان من المؤامرات الإقليمية والدولية، التي أصبحت واضحة ومسألة وقت فقط.
أولاً: إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاث سنوات، وتعطيل الدستور وحل البرلمان القومي والمجالس التشريعية، وحكم البلاد بمراسيم جمهورية سريعة التنفيذ، وهذا يعني بالضرورة تأجيل انتخابات 2020 المثيرة للجدل إلى 2021.
ثانياً: تعديل وتقليص هياكل حكم البلاد في ستة أقاليم، تدار بواسطة حاكم عسكري، و5 وزراء فقط، وحل مجلس الوزراء الإتحادي، وإبداله برئيس وزراء قومي، وعشرة وزراء متخصصين، وإلغاء وزراء الدولة.
ثالثاً: تحديد فترة الثلاث سنوات كفترة انتقالية للتحول الديمقراطي السلمي، وإصدار قانون جديد للأحزاب يقلص عددها إلى أقل من خمسة، وتشجيع قيام أحزاب كبرى، بدمج المتسقة آيديولجياً وفكرياً في حزب واحد أو كتلة واحدة، مثل حزب السودان الوطني: وبضم كل الأحزاب التي تنادي بالدستور الإسلامي، وحزب السودان الديمقراطي: ويضم كل الأحزاب التي تنادي بالحكم المدني، وفصل الدين عن الدولة وهكذا.
خلال فترة الثلاث سنوات، تبعد كل الأحزاب عن المشاركة في السلطة، بما فيها المؤتمر الوطني، وتُطالب بالتفرغ الكامل لترتيب أوضاعها، وحصر واستقطاب عضوية تخوض بها انتخابات ،2021 وفي ذلك البعد عن الحكم ضمان للنزاهة وسلامة الانتخابات، وقبول نتائجها.
رابعاً: يجب تحديد المحور الإقليمي الذي يلتزم به السودان خلال الثلاث سنوات، والحزب أو الكتلة التي تفوز في انتخابات 2021، لها الحق في الاستمرار في الحلف أو تبديله.
من واقع الحال الاقتصادي السوداني الآن، فإن المحور الأمثل لفترة الثلاث سنوات الانتقالية هو محور السعودية والامارات ومصر واثيوبيا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم