الطَّيِّبْ وَالكَعَبْ- أبْ لِحَايّة، قصصٌ مِنْ التُّراثْ السُّودانَي- الحَلَقَةُ الخَامِسَة والأرْبَعُوُنْ .. جَمْعُ وإِعدَادُ/ عَادِل سِيد أَحمَد
12 أبريل, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
89 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الطَّيِّبْة الشديدة من سمات الرجل، وكان اسمه على مسماه: (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ ).
وأزمع (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) العودة إلى دياره من سفرٍ بعيد، فتزوّد بالطَّعَامْ والشراب الذين يكفياهُ، ووضع سعن الماء على ظهر حماره، ثُمَّ امتطى الحمار، وانطلق في طريق العقبة.
وفي الطريق، قابله رجلٌ غريب، فتوقف صاحبنا، لإلقاء السلام عليه، وسؤاله عن حاله، وأحواله.
ولمَّا سأله عن اسمه، أجابه الرجل:
– أنا إسمي (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ!).
وتحادثا، فعرف منه، أيضاً، أنه مسافرٌ إلى نفس وجهته، فسمح له، عن طيب خاطر، بمرافقته.
وانطلقا، يؤانس بعضُهما بعضًا، في ذلك الطريق المُوحِش، الوَعِر.
ولمّا حان موعد وجبة الفطور، فتح (الطَّيِّبُ الما بِبْقَى كَعَبْ) الجُّراب الذي يحوي الزُّوادة، وصبَّ الماء من السِّعِنْ، ودعا (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) ليشاركه الطَّعَامْ، فأكلا، وشربا معاً، ثُمَّ واصلا المسير.
وكرّر (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) دعوتَهُ لرفيق سفره، في الوجبات التالية كلها، إلى أن نفد طعامه، وجف شرابه.
ولما حان وقت الوجبة التالية، فتحَ (الكَعَبُ الما بِبْقَى زِيْنْ) جرابه، وأخرج الطَّعَامْ، وصبَّ الماءَ من السِّعِنْ، ولكنه أدار ظهرَهُ لرفيقِ الدرب، وبدأ يأكُل لوحده، مُنفرِداً!
فطلب منه (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) أن يدعه يشاركه الطَّعَامْ، والشراب، إلا أنه رفض، وقال للطيب:
– أنا قبيل ما قلت ليك إن اسمي هو (الكَعَبْ المابِبْقَى زِيْنْ)؟
ولم يجد (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) أدنى أمل في إقناع الكعب بأن يشاركه الطعام، فتوسَّد ذراعه، منطوياً على جوعه، ونام.
ولكن، في الصباح، شعر (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) بالعطش الشديد، فطلب من رفيقه (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ)، فقط، جرعة ماءٍ، فرفض له أيضاً. ولما أصر عليه صاحبنا (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ)، أجابه:
– سأوافق، ولكن بشرط وحيد، هو أن أفقأ عينك.
ولما كان العطش قد اشتدَّ (بالطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) في منتصف النهار، فقد وافق، مكرهاً، على أن تُفقأ عينه، مقابل جرعة الماء.
ففقأ (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) له عينه، ثُمَّ أعطاه جرعة ماءٍ، وواصلا المسير.
واستمرت الحال على هذا المنوال لمدة يومين، فيأكل (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) طعامه، ويشرب شرابه لوحده، منفرداً، بينما يُعاني (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) آلام الجوع، والعطش.
وبعد عطشٍ شديدٍ، طلب (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) جرعةَ ماءٍ للمرّة الثانية من رفقيه (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ)، فقال له:
– سَأُعطِيك الماءَ، ولكن بشرط، هو أن أفقأ عينك الثانية!
واحتج (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) على لؤم رفيقه في الدرب، وقال له غاضباً ومعاتباً:
– سأصير أعمى، إن أنت فقأت عيني الثانية؟
فرد عليه رفيقه الكَعَبْ:
– لا يهمُني عماك، من عدمه، ولن أتنازل عن شرطي!
وتحت وطأة العطش، لم يجد (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) مناصاً من أن يرضخ للشرط القاسي، ولكنه طلب من رفيقه، مفوضاً أمره إلى الله، أن يضعه تحت شَجَرَة ظليلة، وأن يربط له حماره بجواره!
فوضعه (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) تحت الشَجَرَة، وانطلق، لوحده مواصلاً الرحلة، تاركاً رفيق دربه (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) لقدرهِ المجهول!
وما أن توهَّط (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) في مجلسِهِ تحت الشَجَرَة اليانعة، حتى اشتم رائحةً، زكيةً جداً، ملأت أنفه وأنعشته، فأخذ بضعَ صفقاتٍ (وريقات) منها، وفركها بين راحتيه ليشتم عطرها، فإذا ببصره يرتدُّ إليه كاملاً.
ونظر للشَجَرَة السحريّة، وتفحصها فإذا بها (شَجَرَة الإِكْسِيِرْ!).
ومن فوره احتطب منها، وملأ الجراب، وملأ خُرجيْ الحمار من أغصان الأكسير، وانطلق في مسيره، عائداً إلى الديار، وما هو إلا وقتٍ وجيزٍ، حتى وصلها محملاً بأغصان الإِكْسِيِرْ.
وقبل أن يخلُد إلى الراحة، دعا العِمْيَان، والمصابين بأمراض العُيُون، فعالجهم بصفقات الإِكْسِيِرْ.
وما هي إلا هنيهة، حتى ذاع خبره، وعمَّ القرى المجاورة.
وسمع (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) بخبره، وأسرع إليه ليفهم منه، بالتفصيل، ما سر العلاج؟ ومن أين له بشَجَرَة الإِكْسِيِرْ؟
ولكن (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) لم يتعرّف عليه وسط الناس، والزحام.
واقترب منه (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) متخفياً، وقال للطيب:
– أريد معرفة القصة الكاملة للأكسير، وبحذافيرها.
فحكى له (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) قصته، وكيف أن رجلاً فقأ عينيه مقابل جرعتي ماء، وكيف أنه طلب من الرجل وضعه تحت شَجَرَة كانت بالمصادفةِ، والحظ الحسن: شَجَرَة إكسير!
فأصر عليه (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) أن يأخذه لتلك الشَجَرَة، فوافــــــق (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) على مرافقته إلى هناك.
وما أن صلا إلى هناك، حتى إستل (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) فأسًا، وقطع بها شَجَرَة الإِكْسِيِرْ من جذورها، ووضعها في خُرجي الحمار، وسارا في الطريق، عائدين إلى الديار.
وفجأة، انتابت (الكَعَبْ الما بِبْقَى زِيْنْ) نوبةُ بُكاء، كانت نتاج صحوة ضمير أيقظه التَّسَامُح اللا محدود، والطَّيِّبْة، والأصالة الذين يمتاز بها رفيق دربه (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ).
واعترف له بأنه، هو، الذي منع عنه الطَّعَامْ، والشراب، وهو الذي فقأ عينيه، وهو الذي تركه للمصير المجهول تحت تلك الشَجَرَة.
وطلب منه صفحه، وغفرانه، وقبول توبته، وصداقته.
وكان (الطَّيِّبْ الما بِبْقَى كَعَبْ) عارفاً بالمثل القائل: (الإضينة دقُّو واتعضرلو)، ولكنه لم يأخذ موقف رفيقه في هذا الإطار، ولم يسمح للإساءة أن تغير من طيبته، وتفل قدرته على الصفح.
فقابله بالمزيد من العفو، التَّسَامُح، وهما، الآن، صديقان حميمان!
/////////////////////////