العلاقات السودانية الأمريكية وسياسة العقوبات .. محاضرة قدمها د. غازي صلاح الدين العتباني

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله
العلاقات السودانية الأمريكية وسياسة العقوبات
محاضرة قدمها د. غازي صلاح الدين العتباني
قاعة الشهداء – جامعة الجزيرة

الأخ مدير جامعة الجزيرة أ.د محمد وراق عمر
الأخ نائب مدير الجامعة أ.د محمد السنوسي
الأخ وكيل الجامعة د.مالك النعيم محمد علي
الأخ عميد كلية الاقتصاد والتنمية الريفية د.محمد عوض الكريم
الأخ رئيس قسم العلوم السياسية
الأخوه أعلام الجزيرة وأعيانها وعلماؤها
الابناء خريجي وخريجات كلية العلوم السياسية

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
بالطبع اتشرف كثيرا في هذا اليوم الخريفي الباسم بمخاطبة مثل هذا الجمع الكريم مرة بعد مرة كلما زرت ود مدني. وحقيقة انني استعيد ذكريات عزيزة كلما وطأت قدماي الجزيرة التي اتشرف بإن اكون أحد ابنائها، درجت في أرضها من السنة الثانية في عمري حتى طرّ شاربي في الخامس عشرة.
ذكريات مدينة ودمدني تمضي بنا الى ابعد من لحظة الميلاد وفترة المعاش في الجزيرة، الى فترة الحراك الوطني والدور الرائد لمثقفي الجزيرة ولابنائها عامه في اقتراح انشاء مؤتمر الخريجين والاثر الكبير الذي احدثه ذلك الاقتراح على استقلال السودان. فرغم أنه لم يوجد شارع أسفلت آنذاك، ونحن نتحدث عن ثلاثينات القرن الماضي، ولم توجد إنترنت ولا قوقل ولا واتساب (كضاب أو نصاب)، فإن مركز الحدث والتوجيه يومها لم يكن في الخرطوم، كان في الجزيرة، وهي التي حركت السياسة يومذاك. واليوم بوسعها أن تؤدي نفس الدور التوجيهي من خلال جامعتها ومثقفيها ومؤسساتها. وفي المستقبل بإذن الله سيتصل هذا الدور ويتعاظم، فلئن كانت بالأمس جامعة للجزيرة، فاليوم هنالك جامعات في الجزيرة وقد تضاعف أعداد الدارسين في التعليم العام آلاف المرات، الشيء الذي يوفر بنية ملائمة لنشأة مجتمع علمي وحركة علمية تضع الجزيرة في موضع القيادة والريادة.
على مستوى العالم لعبت المدن التي نشأت حول جامعات بعينها دورا كبيرا في اشاعة العلم وتحقيقه وتثقيف الناس به، بما يهذب السلوك ويشيع الاستنارة، وجدير ان نذكر هنا ان ودمدني القلب النابض للجزيرة نشأت في بدايتها على يد مصلحين ودعاة اتخذوا العلم مطية للاخرة، وحقيق بهذه الجامعة أن تتوسع في اداء هذه المهمة التنويريه الجليله فتخرج اجيالاً وافواجاً لا تنقطع من علماء المستقبل .
أنتهز هذه الفرصة لأتناول مفهوماً أساسياً ومهما في فلسفة التعليم العالي، وهو أن الهدف الرئيس من التعليم العالي تخريج متعلمين مستقلين، بمعنى أن الخريج الجامعي قد أصبح قادراً على تحصيل العلم بنفسه، أي أصبح متعلما مستقلا. وفي تراثنا استخدمنا كلمة اجازة بمعني ان الطالب المجاز (أي الخريج) يسمح له ويجوّز ان يقول برأيه المستقل في المسائل، اذن الخريجون بعد أن أجيزوا كمتعلمين ومعلمين مستقلين هم من سيحملون هذه الرسالة فوجاً وراء فوج، وجيلا وراء جيل. وعليهم أن يعوا أن مهمتهم هي أن يجعلوا الاخرين يعون أن المشكلة التي تحاصرنا هي في جوهرها مشكلة وعي. ومجتمعات العلم والمعارف هي التي تملك المؤهلات والقدرة على اضاءة الاركان المظلمة في العقول الكسولة والمترددة.
من ناحية أخرى النور لا يشع مع الظلمة، لابد للنور أن ينسلخ من الظلمة ليضيء ويبقى الظلام اية دالة عليه : “وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون”، كذلك العقل المستنيروالعقل المظلم لايتعايشان . العقل يشع ويزدهر بالحرية والجدل البناء، وهذا ما تفعله الجامعات الحقيقية حين تصبح مصدرا للضياء، للطاقة، للأكسجين الفكري. تلك هي الحرية الاكاديمية الحقة التي لاقوام للجامعات بدونها، وهي حرية لايحدها الا بما حدها به بارؤها وواهبها حيث تتوقف حدود العقل . لذلك فإن الحرية الاكاديمية لأي جامعة أو محفل علمي مبدأ لا مساس به وحق لا يجوز تضييعه أو مقايضته.
تحية خاصة للرواد الذين أنشأوا هذه الجامعة، نحيي فيهم الشجاعة التي دفعتهم لإنشاء جامعة بفلسفة رائدة. جامعة قصد منها أن تربط العلم والمعرفة بالمجتمع ربطاً وثيقاً وبنمط مختلف يجعلها رائدا للتحرير والتنوير. جامعة لها طرائقها الخاصة الاصيلة في التدريس بما جعلها نموذجا معتداً بذاته ليس تكرارا للجامعات السودانية السابقة لها.
بينما كان هذا التطور الكبير يحدث كان كثيرون منا في أبراجهم العاجية يسخرون من أولئك الرواد الذي كانوا يعملون في إيمان كالصخر وصمت ودأب كمن يبني بيت النمل. والنتيجة هي هذه الأفواج من النوابغ الذين يجددون الحياة ويدفعون بآفاق المعرفة نحو تخوم جديدة. نحيي أولئك الرواد مرة ثانية. وكنت أتمنى أن أذكرهم بأسمائهم لولا خشية الزلل، وإذا أعانني الأخوة في قيادة الجامعة بقائمة مستوعبة لنحييهم بأسمائهم ندعوا لأحيائهم ونترحم على موتاهم في نهاية هذا اللقاء .
وتزداد سعادتي وتقديري لهذه الدعوة الكريمة لانها نبعت من اهتمام الجامعة بطلابها واساتذتها بالاحداث التي تؤثر في وطننا كله وتؤثر في أبنية الدولة واجهزتها التي هي دولتنا وملكنا جميعاً.
المواجهة بين السودان والولايات المتحدة الامريكية والعقوبات التي اتخذت عمليا من طرف واحد هو الطرف الأمريكي، تمثل فصلا مهماً من تاريخ السودان، فصلاً تجب دراسته على كل من يهتم بشأن السودان، لأنها استهلكت طاقات كبيرة في المدافعة كما استغرقت فترة طويلة من الزمن، لكنها أيضاً تمخضت عن دروس قيمة.
في البدايه نحتاج ان نتفحص التجربة الامريكيه التي تكونت وتبلورت ابتداء من نهاية القرن الخامس عشر وإبحار كولمبوس في 1493 نحو الأراضي الجديدة بعد أن مكن التقدم العلمي من صناعة سفن جديدة تستطيع الإبحار في أعالي البحار وتقطع المحيطات.
أفواج البشر المنتقلون من أوربا وضيقها جعلوا أمريكا مجتمع مهاجرين، وعمروا الارض على حساب سكانها الاصليين، وكان أولئك المهاجرون تحديدا من طائفة البروتستانت الذين فروا من الاضطهاد الديني الذي تعرضوا له على يد الكنيسة الكاثوليكية والتي كانت الكنيسة الاكبر في اوروبا.
المبادئ التي دعا لها مارتن لوثر وكالفن، وهم رواد حركة الإصلاح الديني، هي مبادئ البروتيستانيه بدعوتها الى التجديد من خلال العودة الى الاصول المسيحية.
لهذا السبب فإن غالب الطوائف البروتستينية هي أقرب مودة لليهود واليهودية بسبب تركيزهم على سيرة أنبياء بني إسرائيل المودعة في العهد القديم، يأخذون منها الفتوى أكثر مما يأخذونها من العهد الجديد الذي يحوي تعاليم السيد المسيح ومواعظه. أفضل مثال لتلك العلاقة هو الحلف الذي قام على عهد الرئيس بوش بين المجموعات اليهودية المؤيدة لإسرائيل من ناحية والإنجيليين المؤيدين للرئيس بوش والحزب الجمهوري من ناحية أخرى، اليهود في انتظار المسيح في نزوله الأول، والإنجيليون في انتظار المسيح في نزوله الثاني، والملتقى المشترك هو بيت المقدس الذي يجب تطهيره ممن يقيم فيه الآن من سوى الطائفتين ليتهيأ النزول للسيد المسيح.
نهاية القرن التاسع عشر كانت فترة حافلة بالصراع الايديولوجي، ظهرت فيها النظرية الماركسية والاشتراكيات مقابل النظرية الرأسمالية الغالبه في أوربا الغربية والولايات المتحدة ومن سار في فلكهما. ولقد أدى ذلك الصراع إلى الحربين العالميتين وما حدث فيهما من صدام ايديولوجي كبير.
الحرب العالمية الثانية تحديدا انتهت بالانتصارعلى نظام النازيه في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وهما من صنف الاشتراكيات الوطنية (بمقابل الاشتراكية العلمية في الماركسية).
بنهاية الحرب العالمية الثانية استيقظ العالم على تحالف عالمي جديد تقوده الولايات المتحده الامريكيه وبريطانيا (المجموعه الانغلوسكسونية) بمقابل المجموعة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا. المجموعة الأولى هي التي جنت ثمرات الحرب مما مكنها من أن تنشئ اهم منظمة سياسية دبلوماسية هي منظمة الامم المتحدة، وهي المنظمة التي افتقرت منذ البداية إلى التكافؤ بين الدول، حيث يوجد خمسة اعضاء دائمين في مجلس الأمن، كان اختيارهم من البداية يشير بالاتجاه نحو تقوية عناصر وتهميش أخرى. ما معيار وجودهم ومبرر استدامة عضويتهم في المجلس؟ لا إجابة، مع ملاحظة أن هنالك دولا اخرى اكبر مثل الهند واندونيسيا واليابان والمانيا هم خارج دائرة الأعضاء الدائمين رغم أهليتهم للعضوية.
هكذا أطلت الأمم المتحدة من رحم الزمان منظمة دولية مهيئة بمبررات نظرية قوية وهيمنة على المواثيق والعهود والنظم الداخلية التي صاغتها دول منتصرة . لكن في إطار الصراع السياسي وتوازن القوة مع الاتحاد السوفيتي، ظلت الأمم المتحدة منظمة مقيدة من أن تنطلق بكامل طاقتها في سماوات السياسة الدولية. كان عليها أن تساوم الاتحاد السوفيتي آنذاك، حالة بحالة وصفقة بصفقة، برتابة وملل، حتى جاء عام التحلل الأكبر، الذي انهار فيه الاتحاد السوفيتي عام 1991 مفسحا المجال واسعاً أمام معادلة دولية جديدة تميل فيها معظم موازين القوة نحو المجموعة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
من خلال التشكيل الجديد الذي غابت عنه سطوة الاتحاد السوفيتي، استطاعت الولايات المتحدة الامريكية باعتبارها القوه الاكبر الان في العالم ان تمرر الكثير من سياساتها وقراراتها من خلال الضغوط والعقوبات المتنوعة التي تبدأ معنوية رمزية وقد تكون اسميه في البدايه، مثل التشنيع والتشويه لصورة شخص سياسي أو قائد بعينه، كما حدث مع صدام حسين ومليسوفتش واخرين. ثم تتصاعد العقوبات لتشمل العزل دبلوماسي، إلى تقييد المعاملات التجارية والمصرفية، إلى الحظر الكامل، حتى تصل درجة الحرب المباشرة وإزالة النظام ان رأت مصلحه في ازالة النظام، أو الاحتفاظ به مهيناً ومنهكاً، إن كانت لديها مصلحة في ذلك. من التطورات التي عقدت مسألة الضغوط تدخل الكونغرس فيها، بعد أن كانت في يد الإدارة ويمكن تغييرها بسهولة.
دعنا الآن نصوب ناحية أخرى نستنطق فيها بعضاً من تاريخ الولايات المتحدة .
بعد طرد بريطانيا من مستعمراتها في أمريكا الشمالية أخذت الولايات المتحدة تبرز كقوة إقليمية متقدمة تقدما سريعاً في النصف الأول من القرن التاسع عشر ومتطلعة في ذات الوقت إلى العالمية، لكن الحرب الاهلية الامريكية التي استمرت مابين 1860 الى 1865 أوقفت تلك المسيرة.
بعد إنتهاء الحرب الأهلية مباشرة وفي فترة وجيزة تمكنت أمريكا من أن تصبح القوة العسكرية الاولى في العالم في بدايات القرن العشرين منتزعة موقع الصدارة من بريطانيا. الذي مكن أمريكا من ذلك هي بضع حقائق مهمة: أولا، الثروات الطبيعية الضخمة التي ما كان أولئك المهاجرون ليجدوا معشار معشارها في أوربا؛ ثانيا، درجة التصنيع العالية التي تحققت بعد نهاية الحرب الأهلية، مما جعل اقتصادها يتضاعف بنسب عالية؛ ثالثاً تأمين أمريكا من الحروب بعد حسم معاركها البرية ضد البريطانيين والفرنسيين والإسبان والمكسيك. أضف إلى ذلك تأمين أمريكا من العدوان البحري من جانبي الأطلسي والباسفيكي.
من المهم أن نلقي نظرة على بعض الخصائص والمؤثرات الثقافية والسياسية التي تشكل الذهنية الأمريكية وتؤثر على أفعالها واستجاباتها. أهم تلك المؤثرات هي الفلسفة البراغماتية التي ازدهرت على يد فلاسفة مثل وليم جيمس وجون ديوي، وبالطبع هؤلاء الفلاسفة لم ينشئوا البراغماتية من عدم، لكنهم وجدوا آثارها في سلوكيات المجتمع الأمريكي ومفاهيمه فدرسوها وأبرزوها.
تتميز البراغماتية بمفهوم التعامل بالمحسوسات والمقيسات وفق الحواس الخمس، لذلك القرارات ليست مبنية على قيمتي الحق والباطل بالإطلاق هكذا دون تقييد، لان الحق والباطل ليست لهما قيمة ذاتية مطلقة ومستقلة، بل قيمتهما منسوبة إلى نفعهما أو ضررهما. وينعكس ذلك على السياسة في حقيقة أنه لا توجد صداقة مطلقة ولا عداوة مطلقة، الصداقة هي ما ترتب عليها قيمة قابلة للقياس.
هنالك مبدأ ثان مهم في السياسة الامريكية وهو مبدأ الاستثنائية (American Exceptionalism) وتعني ان ما ينطبق على الدول الاخرى قد لا ينطبق على الولايات المتحدة الامريكية تلقائيا. وهذا الامر يظهر في عدد من الحالات إحداهن هي محكمة الجنايات الدولية التي ترفضها الولايات المتحدة بقوة، لكنها لا تستنكف من أن تطالب الدول الأخري بالانصياع للمحكمة دون قيد أو شرط.
الحالة الثانية هي مقترح إقامة عصبة الأمم الذي تقدمت به في الأصل أمريكا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى مباشرة، ثم عادت لتكون أول الخارجين عنها، مما أدى إلى إلغائها.
الاستثنائية هي التي تجعل الحكومة الأمريكية تبذل الوعود تلو
الوعود، وتتقدم خطوة لترجع خطوتين، باعتبار ذلك مباحا لها بصفة استثنائية. لذلك القرار الأمريكي مرهون باللحظة التي يتخذ فيها، والمعطيات السائدة في تلك اللحظة، وهو غير مقيد بوعد سابق ومعطيات سابقة، بمعنى أنه إذا تأخر إصدار القرار الآن فربما يبدأ في التحول إلى ضده.
الذهنية الأمريكية تقدس النجاح والإنجاز الفردي والجمعي، وقد أسهم ذلك في نمو آليات الحراك الشعبي والمجتمع المدني، مثل الكنائس والجمعيات الطوعية، وكلها برغم الزعم أنها جمعيات أهلية محضة إلا أنها تلعب دوراً كبيراً في السياسة.
النظام القضائي الامريكي يوصف بانه منحاز ثقافياً وسياسيا إلى اليمين، والأحداث التي تنفجر من حين لآخر مع الأقليات ونجاة أفراد الشرطة البيض دون أحكام وعقوبات يقوي ذلك الزعم.
النظام الاجتماعي الأمريكي أيضا يوصف بمعاداة المرأة سياسيا، وقد اتضح ذلك في الانتخابات الأخيرة مع المرشحة كلنتون.
النظام السياسي الامريكي الذي تكون من مجتمع مهاجرين كما أشرنا سابقاً، قد تجاورت بداخله وتلاقحت خبرات وتجارب وثقافات جعلت منه نظاماً سياسياً متفردا وغريبا. على سبيل المثال هو نظام علماني بصورة رسمية لكنه أكثر نظام حمل أجندة دينية قياسا بأي نظام آخر. كذلك هو نظام فصل السلطات فيه ليس تاماً لأن الكونغرس يصدر تشريعات ملزمة للجهاز التنفيذي ومعها تخصيصات مالية للتنفيذ.
إذا تفحصنا تاريخ العلاقات القريبة بين البلدين سنجد أن قضية التعاون على مكافحة الإرهاب لم تغب عن الأجندة. ظل هناك تعاون وتشاور بين البلدين حول مكافحة الارهاب، ولكن ذلك حدث والسودان تحت ضغوط امريكية متواصلة جندت لها كل الوسائل العالمية كالمنظمات المالية والاقتصادية. وقد تزايد استخدام تلك الوسائل بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 . الحكومة السودانية ظلت تتلقى وعودا بالمعاملة بالمثل والاعتراف بتعاونها دون وفاء بتلك الوعود والالتزامات. أي أنها تعاونت في ذلك الملف دون مكافأة أو التزاماً بوعد. ظلت امريكا تضغط وتتقدم بطلبات جديدة في ظل اختلال كبير في موازين القوة وغياب التضامن العربي والأفريقي تضامناً يعتد به. كانت هناك محاولات لاخراج الحوار حول الارهاب من الفضاء الأمني إلى الفضاء السياسي لكن المحاولة لم تنجح، ربما لاعتقاد الادارة الامريكية من واقع التجربة في بلاد كثيرة أن نقاش المسائل داخل الإطار الأمني يحقق مكاسب أكثر. استطراداً في هذه النقطة فيما يلي قائمة مختصرة تبين تواريخ أهم قرارات العقوبات أو الأحداث ذات الدلالات الخاصة للبلدين:
30 يونيو 1989 العقوبات التلقائية بعد الثلاثين من يونيو بحسب تشريع الكونغرس في حالة تغيير نظام الحكم بالقوة

18/8/1993 تاريخ ادراج السودان في القائمة الأمريكية الخاصة بالتعريف الامريكي للإرهاب.

1996 اخراج بن لّادن من السودان.

1997 عقوبات من طرف الكونغرس و ايضا توصية بعقوبات من لجنة الحريات الدينية.

20/8/1998 الهجوم على مصنع الشفاء.

11/9/2001 الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك.

9/يناير/2005 توقيع اتفاقية السلام الشامل.

13/اكتوبر/2006 الرئيس بوش يصدر قانون لمحاسبة دارفور.

2007 نشر قوات اليونميد.

2009 اتهامات محكمة الجنايات الدولية.

هذه الخلفية كانت مهمة وضرورية للحديث عن الاتفاق الامريكي الذي جاء مؤخرا حول البدء في رفع العقوبات، وهو مضمون الاتفاق السوداني مع الرئيس أوباما عبر المبعوث دونالد بوث. لقد اتفق الطرفان اتفاقاً معلنا على ان يلتزم السودان بالنقاط الخمس أدناه خلال الستة أشهر التالية:
التعاون في مكافحة الإرهاب
وقف الحرب في المناطق التي تستمر فيها (جنوب كردفان والنيل الأزرق)
تيسير وصول الأغذية والإغاثة الإنسانية
التعاون من أجل بسط الأمن في جنوب السودان
التعاون في بسط الأمن الإقليمي
مقابل ذلك يتعهد الرئيس أوباما برفع العقوبات الاقتصادية والتجارية على الترتيب التالي: أولاً ترفع العقوبات لمدة ستة أشهر؛ ثانيا، في نهاية الستة أشهر، إذا أثبتت الحكومة السودانية التزامها بالنقاط الخمس (وهو ما قد حدث) ترفع العقوبات تلقائيا وبصورة نهائية.لكن الذي حدث هو أن التقارير أفادت بالتزام الحكومة بما عليها وكان المنتظر أن يوقع الرئيس ترمب على القرارات تلقائياً. لكن يبدو أن الرئيس ترامب الذي جاء حاملا معه حزمة ضخمة من المتناقضات والاعباء والخصومات الداخلية تردد في اتخاذ القرار وتراجع عن الالتزام بالرفع الكلي النهائي للعقوبات، (على نهج الاستثنائية الموصوف أعلاه) .
الآن لابد من اللجوء إلى التخمين مرة أخرى حول قرار الإدارة الأمريكية بعد مرور الأشهر الثلاث التالية. هل سيفي الرئيس ترمب بوعده برفع العقوبات في اكتوبر القادم؟
بالنسبة لي أرجح أنه سيفعل، ببساطة لأن هذا هو الأفيد له. لكن من الافضل دائما البناء على الاسوأ، أي احتمال أن لا يفعل، (ألا يوقع القرار بالرفع النهائي)، يصبح السؤال هو ماذا علينا ان نفعله نحن بعيدا عن الأجندة الأمريكية؟ ماهي الأجندة السودانية؟ يمكن تلخيص الإجابة في النقاط التالية:
أولا: الناس يستبطئون ثمرات الإصلاح ونتائج الحوار الوطني، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه ستتآكل الثقة وتنقلب مشاعر الخيبة إلى مشاعر غضب. لذلك لابد من تطبيق مخرجات الحوار بحيث يراها الناس ماثلة امامهم، وبحيث يروا جهة ما مسئولة عن تطبيقها، وهذا ممكن اذا حولنا الحوار الى مشروع سياسي عملي يشارك فيه الجميع.
أهم وأكبر الجهود ينبغي ان تخصص في مثل هذه الظروف لتقوية وتأسيس الجبهة الداخلية من خلال التفاهم والتشاور والتواضع على مشروع سياسي يتفق عليه. ولا يعني هذا إعادة جهود الحوار الوطني مرة ثانية، يمكن البناء على المخرجات المجازة من الحوار الوطني في قاعة الصداقة مع الحرص على اعتماد ما سيضيفه حاملو السلاح والذين لم يوقعوا حتى الآن.
بهذا الوصف ستكون مخرجات الحوار الوطني وما يضاف إليها هي الاساس الذي تتم به تسوية وطنية داخلية تضمن حكما راشدا وازدهارا اقتصاديا في السودان المنطقة.
ثانيا: هنالك ضرورة لحملة بناء وعي كبيرة و شاملة لتبين للناس حدود الواجبات التي عليهم ان يلتزموا بها. لابد من ايصال حقيقة ان الجهود في هذه المهمة تقع على الجميع بالتساوي.
ثالثا: تكثيف اتصالات السلام مع حاملي السلاح لحمايتهم من الاستقطابات الإقليمية وتكثيف التواصل المباشر معهم سعياً لإحداث اختراق سلام قريب.

رابعا: الشروع فوراً في الإعداد لانتخابات نزيهة في ٢٠٢٠. وأن يكون الإعداد بمشاركة ومتابعة كل القوى السياسية. والخطوة الأولى التي ستبني الثقة بين كل أبناء الوطن هي التوافق على قيام المفوضية القومية للانتخابات، التي ستقوم بتحديد المعايير الانتخابية ومعالجة أوجه الخلل في الإجراءات الانتخابية الحالية. هذا يعني بالضرورة مراجعة كل القوانين والإجراءات الخاصة بتكوين الأحزاب وتيسير ممارستها لوظائفها ونشاطها، أيضا ودعمها مادياً وإداريا ومن كل نواحي الإعداد بصورة عادلة.

خامسا:البدء فوراً في حملة الإصلاح السياسي الذي يستهدف ترقية الأداء السياسي والتنظيمي والفكري للأحزاب وإعدادها وإنشاء كوادرها وتدريبهم، وبصورة عامة إعادة بنائها لتؤدي وظائفها الطبيعية، في إطار ثقافة سياسية وقيم مشتركة. ويتضمن إصلاح الحركة السياسية إعادة ترتيب وتنظيم الأحزاب بتشجيع دمجها وإعادة تشكيلها.

سادسا: مواصلة الحوار مع الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية من أجل حل المشكلات القائمة، مثل الحظر على سفر السودانيين، والعقوبات الاقتصادية والتجارية.

والأسوأ إن حدث، لا قدر الله، ينبغي ألا يعجزنا ولا أن يدفعنا إلى اليأس. هناك دائماً حلول أودعها الله في نظام الكون، وكما يقال: كل واحد في هذه الأرض له مشكلة، حتى أمريكا التي يستعظم قوتها الناس لها مشاكلها الخاصة التي ترتبط بإمكانية بقائها واستمرارها إزاء التهديدات التي تواجهها من التسلّح النووي والإرهاب.

وأخيراً حق علينا أن نذكّر أنفسنا بالوعد من الله: إن تنصروا الله ينصركم. لكن علينا ان ندرك أنها نصرة في صميم سَنَن الله الكونية. وعلينا أن نعمل متناصرين لأن الهدف واحد، والسفر طويل، والعقبة كؤود. علينا التعاون مع الآخرين من أجل نظام دولي عادل، وألا ننسى قوله تعالى : “ومن يعمل سوءاً يجز به”، والحكمة الإنسانية: “كما تدين تدان”. فإن ظلم الحاكم أو الشخص القوي سلط الله عليه عقوبة مثلها. لتكن هذه انفتاحة نجدد فيها نوايانا وإراداتنا وتصميمنا.

حيثما كان استسلام فلتكن مقاومة
وحيثما كانت ريبة فلتكن ثقة
وحيثما كان شك فليكن يقين
وحيثما كان تخاذل فليكن تصميم
وحيثما كانت فرقة فليكن إجماع
وحيثما كان تمييز فلتكن مساواة
وحيثما كان ظلم فليكن عدل
وحيثما كان يأس فليكن أمل

غازي صلاح الدين العتباني
10 أغسطس 2017 – قاعة الشهداء -جامعة الجزيرة

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً