العلمانيَّة وخيار الوحدة في السُّودان (7 من 10) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
فضلاً عن ذلك، فإنَّ المؤسَّسات التي كانت بمثابة أمكنة لممارسة نشاطات العرب السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة قد تبدَّلت أدوارها، وباتت لا تقوم بما كانت تقوم به في الماضي. فعلى سبيل المثال تعني كلمة جامع في الإسلام صيغة أخرى من صيغ السلطة الجماعيَّة في عهدها القديم. إذ أنَّه كان يعني المقر المفتوح الذي كان يرتاده النَّاس كل يوم، وكان لهم حق الاجتماع فيه، وكان الجامع قاعة مناسبات، ومكان اجتماع وفعاليَّات وسمر وفرح وتجمُّع، وصلة بين سكَّان الحي، وإدارة شؤونهم الاجتماعيَّة والثقافيَّة وغير ذلك من وظائف، حيث يشتورون في هذه الجوامع ويديرون الرأي، فلا تنصرم لهم عزيمة، ولا تبرم بأيديهم مِرَّة. أما اليوم فقد حدث خلطٌ بين وظيفة المسجد وبين وظيفة الجامع، حتى تسبَّب في القضاء على هذه الفكرة في مهدها وبدايتها، وكثرت المساجد، وضاع دور الجامع كما ضاع دور الجماعة بتنوِّعها وتباينها، وتبدَّد دورها في الاهتمام بشأنها، والسهر على تحقيق غاياتها وأهدافها. فتنوُّع الأفراد في الطبيعة البشريَّة وسيلة تضامن واسع تنشئه المبادلات والتكاملات لئن أُحسِنت إدارتها، لذا يأتي الكلام ميسَّراً عن تضافر عزائمنا عبر الإعلان المتبادل عن أفكارنا، وبوسع النَّاس أن يتعارفوا فيما بينهم فيتحالفوا تحالفاً اجتماعيَّاً وثيق الأواصر والعُرى. هذا الأمر يقودنا للحديث عن الدستور الإسلامي وما إذا كان سيوفِّر بيئة صالحة ومناخ ملائم للممارسة الديمقراطيَّة لجميع أفراد المجتمع دون تحيز أم لا.
لا توجد تعليقات
