العميل الإمبراطوري أمين المحكمة الجنائية: بريطانيا في السودان وحجوة الفيلق الباكستاني (1) .. بقلم: مازن سخاروف

تقديم: كل باكستاني بريطاني زائر للسودان في مهمة رسمية هو مندوب مخلص للإمبراطورية
كلما تريد ماما بريطانيا عمل عملة مهببة في السودان (أو التملص من ورطة), تنتدب باكستانيا للمهمة.  في عام 2007 عندما تجرأت المعلمة البريطانية بمدرسة يونيتي بالخرطوم على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم, وحكم عليها بالسجن, “طار” اللورد أحمد (سابقا) والبارونة وارسي مبعوثـَيْن إنابة عن البلاط لعمل “جودية” لإخراج المدرّسة من ورطتها و”تنفيس” الأزمة الدبلوماسية بين خرطوم الإنقاذ ولندن “بالتقاطع” (التقاطع الحربائي لحكم العالم عن طريق مؤسسة لندن (المدينة) أو The London Corporation, التي هي الجهة الفعلية الممثلة للإمبراطورية البريطانية.  راجع كتابنا, “الديمقراطية والتحيز”).  وأنعم بها من جودية.  اللورد أحمد بعد أن استنفذ غرضه (مثله مثل أيّ مندوب استعمار) و”لخبط العجين” بسبب “الشتارة”, تم “فكه عكس الهواء” ليغادر طوابق السياسة العليا غير مأسوف عليه.
في عام 2018 حين هبت بشائر ثورة ديسمبر 2018, بعث البلاط بباكستاني آخر, وهذه المرة “بدون آكسنت” ليقوم بـ”توضيب” الأمور, ويضمن أن قرون استشعار الخنفساء الإمبراطورية العملاقة ترصد وتراقب الثورة مراقبة المضيف الذي يراعي أكيله مبصرا الشعرة في لقمة الضيف.  السفير عرفان صديق كما أرى, ولا أقول أقترح قدم في مهمة خاصة لتدجين سفين الثورة وتحجيمه سعيا للتحكم بدفته, وحتى اختطافه إن استدعى الأمر.  وقد كان.  في أول مرة زار عرفان الباكستاني ميدان الإعتصام في أبريل 2019, تشاءمْتُ وأيم الله!  قلت لنفسي الللللللله يستر!  وعندما كتب مقاله الشهير الذي فرح به الكثيرون من كتيبة “سنة أولى سياسة”, وتهافتوا للإقتباس منه وترجمته ونشره وإذاعته وترويجه بعربي الخرطوم وعربي جوبا معا, إغتـَمَمَت وقلت, تالله إن هذا العرفان لنذيرُ طامة كبرى.  وحين نشر مقاله المذكور وذاع وعم القرى والحضر, سعيت لقراءته من الرحم التي خرج عنها, أي مدونة وزارة الخارجية البريطانية موفدا للخطاب الإمبراطوري مشقوق  اللسان قائلا ضمن ما قال, إقتباس:
“And it is all manned by volunteers.  A burst of civic initiative and collective endeavour to inspire the most cynical about the capacities that exist within Sudan to build, create and support, if unleashed and allowed to flourish”. (1)
========================
كل هذا يديره متطوعون.  رشقة من مبادرة مدنية وجهد جماعي لإلهام أكثر المتشككين ميلا إلى الشك, بالمقدرات الموجودة في السودان للبناء, الخلق والدعم, إن حُل عقاله وسمح له بالإثمار” (1).
========================
أنهِ الإقتباس.  إستوقفتني العبارة الأخيرة كثيرا “إن سُمح له بأن يؤتي ثماره”.  قلت لإثنين من طلابي السودانيين في لندن, عندما بلغت هذا الموضع من مقال عرفان بن صديق, قدّرتها تقدير “العبارات المفخخة”, أو حمّالة الأوجه, بمعنى قريب وآخر بعيد في بطن الراوي.  رجعت لهذه المقالة بعد فض الإعتصام بأيام قلائل.  وقدرت أن الرجل كان يرسل إشارة مشفرة إلى لندن, “أن أدركوا هذه الثورة” قبل أن يفور إناؤها وتخرج عن السيطرة فتهدد معها مصالح بريطانيا.  هذا وأيم الله ما تبادر إلى ذهني.
لقاءات الباكستاني مع “رجالات” النظام الإنتقالي حينها, مثل حميدتي, قد تكون مرت على البعض مرور الكرام.  لكن تقديري أن إبن بريطانيا البار ذوي الأصول الباكستانية حلقة رئيسية من حلقات التحقيق في جريمة فض الإعتصام, واختصارا للمقالة أقول, إن الوجه الحقيقي لمبعوث البلاط إلى الخرطوم حينها لم يظهر إلا بعد فض الإعتصام*, رافعا عقيرته بأسطوانة الإستنكار والشجب والإدانة “ضد الأبرياء”.  ولا أستطيع في هذه السانحة سوى أن أترك فرضية بين يدي القارئ يقلبها بوعي وروِية: قبل فض الإعتصام كان عرفان بن صديق يمارس الدبلوماسية الرقطاء: عصاية مع المعتصمين, حتى بلغ به الأمر أن أمّهم في الصلاة (2), (3), (4) أمام منزله قبل أسبوع وليلة من فض الإعتصام في الثالث من يونيو 2019.  إن تحركات عرفان بن صديق, يمكن وصفها في تقييم ما بعد الحدث, بوضع  الراعي لـ “خراف الرب الضالة” في طور الإسترخاء قبل هجوم الذئاب.
Ambassador Siddiq’s “charm offensive” culminated in giving the people a false sense of security – ‘Look, the whole world is with us, including the UK and the British Ambassador’– before the crushing below falls out of nowhere.
It is the case of the shepherd leading the (unsuspecting) sheep to the slaughterhouse.
الملخص, لهواة الملخصات:
1. أنه في ظروف تمدد المخاض الثورى أو الإنقضاض عليه تأتي لحظات مصيرية لا يدركها الثوريون بسبب قدرة الخصم على تحييد غريزة الخطر لدى كل قلبه مفعم بالإيمان بالعدالة والكرامة الإنسانية.  هذا الدرس وللأسف لم يستوعب جيدا, فقد وقع فيه رؤساء من قبلُ, قبلَ الإطاحة بهم, مثل محمد مصدق في إيران, وكوامي نكروما في غانا (5)
2. كل باكستاني بريطاني  زائر للسودان في مهمة رسمية هو مندوب مخلص للإمبراطورية.
آخر  الباكستانيين من “وليدات الإنجليز” في السودان (وليس أخيرهم بأي حال من الأحوال), وفي نهاية الأسبوع الماضي (الجمعة 13 أغسطس 2021) إختتم كريم أحمد خان, المدعي العام الجديد لما يسمى بالمحكمة الجنائية الدولية زيارة رسمية إلى للسودان.  للقراء وكـ”فتحة خشم”, المدعي “سيد الإسم” باكستاني بريطاني (اسكوتلندي ,ونقول “وليد إنجليز” تجاوزا) من أبناء الطائفية الأحمدية, التي – مِثلُها مثل  الطائفة البهائية (6)–  تمثل إحدى ترسانات العمالة المخلصة للإمبراطورية البريطانية.  وتلك حجية نخوض فيها في مقبل الحلقات بإذن الله.
الهوامش
———————
(1) مقال بالإنجليزية ترجمة عنوانه “حرية سلام وعدالة, والثورة خيار الشعب”**, السفير عرفان صديق, مدونة المكتب الأجنبي والكمونوِلث (وزارة الخارجية البريطانية), 30 أبريل 2019
(2) موقع قناة الجزيرة, نشر بتاريخ 25 مايو 2021
(3) الموقع الشبكي لحركة العدل والمساواة, نشر بتاريخ 26 مايو 2021
(4) موقع آر تي (روسيا اليوم سابقا), بتاريخ 25 مايو 2021
(5) زار نكروما قبل الإنقلاب في عام 1966 بأيام السفير الأمريكي.  وكان نكروما في حالة يُرثى لها من الشد العصبي.  ولم تزده زيارة السفير إلا رهقا – كان, كما يستطيع القارئ الحصيف الإستنتاج جزءً من لعبة التمويه لتشتيت انتباه الضحية قبل وقوع المقدور.  راجع وثائق السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أفريقيا في الستينات, المفرج عنها والمنشورة على موق وزارة الخارجية الأمريكية
Foreign Relations of the United States
(6)  راجع مقالنا “خطاب الجمهوريين العدائي تجاه المرأة، أم تحيز عادل عبد العاطي ضد الجمهوريين؟ رد (1)”. رابط المقال:
https://sudanile.com/archives/142073
* الوجه الحقيقي لعرفان بن صديق ظهر بعد فض الإعتصام في حمله لعصا الوصاية على كثيرين من أولي الأمر والنهي سواء في مجلس الوزراء أو السيادي, أو في غيرهما, حتى ضاق به الناس ذرعا (“كرّهُم البِلّي” كما يقال).  ولعل مجالس المسامرة في سموات السياسة  السودانية التعسة تذكر واقعة “صرف البركاوي” من قبل الرئيس المخلوع عمر البشير لسفيرة سابقة للبلاط في الخرطوم, هي صاحبة الحسب والنسب, والملعنة بلا سبب, روزالين مارْسْدِن (“الكديسة الكبيرة”, كما أسميها).
** مخير الله.
==
jsmtaz2014@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً