د. صبري محمد خليل/أستاذ فلسفة القيم الإسلامية فى جامعة الخرطوم
أولاً: طبيعة العنصرية:
تعريف العنصرية : هى إلتقاء على إحدى المميزات القبلية، أو الموروثة عن الطور القبلي، مثل: وحدة الجنس أو الأصل ” العنصرية العرقية كما فى الجماعات القبلية”، أو وحده اللغة أو التقاليد “العنصرية الثقافية كما عند الجماعات الشعوبية “.
أنماط العنصرية :
النمط الاول : عنصرية ما قبل تشكل الأمة : تنشأ عند جماعات لم تتجاوز الطور القبلي، فتكون منعزلة لا تشترك مع غيرها في لغة أو ثقافة أو دين…فهى لم تشكل أمة بعد – فكل منها كل قائم بذاته – وفى ذات الوقت إنشاء دولة ‘حديثة’ تضم هذه الجماعات.
ثانيا:عنصرية ما بعد تشكل الأمة : تنشأ عند جماعات تجاوزت فعلا الأطوار القبلية والشعوبية، إلى طور الأمة- اى أصبحت جزء من كل- لكنها تحاول الرجوع إلى روابط أضيق أو مميزاتها، بسبب ظروف تاريخية معينة، فهي ناتجة عن تخلف النمو الإجتماعي والحضاري .
ثانياً: نقد المفاهيم السلبية التي تستند اليها العنصرية:
1.العنصرية واللون : اللون – علميا – إستجابة فسيولوجية للبيئة، ينتقل بالوراثة، ولا يحمل أي قيمة إجتماعية أو حضارية، لذلك لا يصلح أساساً للتمييز بين البشر.
للمزيد انظر :
- د. عصمت سيف الدولة ، نظرية الثورة العربية، دار الوحدة، بيروت، 1971، ص 258.
- العنصرية والرق: الرق ظاهرة تاريخية، نشأت في المجتمعات القبلية، كحل- لا إنسانى- لمشكلة أسرى الحروب، ومارسته كل المجتمعات، ولم يكن مرتبطاً بلون أو جنس معين. وقد إعتبره كارل ماركس مرحلة من مراحل تطور النظام الإقتصادي الأوروبي.
3.العنصرية في الواقع الإجتماعى السودانى: يسود فى الواقع الإجتماعى السودانى العنصرية من النمط الثاني ، فالجماعات القبلية والشعوبية السودانية تجاوزت – فعليا – الأطوار القبلية والشعوبية، واصبحت جزء من كل” وطنى وقومي ودينى..”، لكنها تحاول العوده الي الأطوار القبلية او مميزاتها ، نتيجة لظروف تاريخية معينة، فمصدرها تخلف النمو الإجتماعى و الحضارى للمجتمع السودانى، كمحصلة لعوامل متفاعلة: داخلية ” كالجمود والتقليد و الإستبداد وشيوع أنماط التفكير البدعى والخرافى والأسطورى..” ، واخرى خارجية ” كالإستعمار ” .
ثالثاً: المذاهب التي تكرس العنصرية:
أ/ مذهب العصبية القبلية العربية” الخلط بين العرب والإعراب” : يستند إلى إفتراض- خاطئ- مضمونه أن العرب الحاليين ” اى العرب فى طور الأمة أو الطور القومى” هم سلالة عرقية لعرب الجاهلية.
نقد المذهب :
اولا: الخلط بين العرب والإعراب : فهو يتجاهل حقيقة إرتقاء الإسلام بالعرب من الأطوار القبلية، التى معيار الإنتماء إليها النسب’ العرق’ ” اى الإعراب فى المصطلح القرآنى”، إلى طور أمه- الطور القومى- الذى معيار الإنتماء إليه لغوى- حضارى ( فمن تكلم العربية فهو عربى).
ثانيا: حصر العروبة فى جماعات قبلية معينه: لذا فهو يقصر العروبة ،على الجماعات القبلية السودانية، ذات الأصول العرقية العربية ، بينما هى تشمل كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية، لأن مضمونها اللغه العربية كلغة قومية مشتركة ، لكل هذه الجماعات، بصرف النظر عن أصولها العرقية، ولهجاتها القبلية ولغاتها الشعوبية الخاصه.
ثالثا: معيار النقاء العرقى : وهو يستند الى معيار “النقاءً العرقي” المستحيل الإستناد إليه فى طور الأمة، لأن كل الأمم هى محصلة إختلاط العديد من الشعوب والقبائل ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
رابعا: إنكار حقيقة الإختلاط والتصاهر: وهو ما يتناقض مع حقيقة إختلاط وتصاهر الجماعات القبلية السودانية، ذات الأصول العرقية العربية ، مع غيرها من جماعات قبليه وشعوبيه سودانية أخرى.
للمزيد انظر:
- علي عبد الرحمن الأمين، الديمقراطية والاشتراكية في السودان، ص 22.
- محجوب الباشا، التنوع العرقي في السودان، ص 17.
ب/مذهب الإفريقانية والعنصرية المضادة:
تعريف المذهب : هو مذهب يضم العديد من المذاهب ذات المنطلقات الفكرية المختلفة ، لكنها تشترك فى إفتراض- خاطئ- مضمونه أن علاقة الإنتماء الإفريقية، ذات مضمون إجتماعى- حضاري، وبالتالى فإن إفريقيا تشكل وحده إجتماعية- حضارية .
نقد المذهب:
اولا : مضمون اساسى جغرافى وليس إجتماعى :إن لعلاقه الإنتماء الأفريقية مضمونين :
الاول: مضمون رئيسى:جغرافي قارى، وهذا يعنى أن الأصل فيها هو انها علاقة انتماء جغرافيه- قارية .
ثانيا: مضمون ثانوى: وهو مضمون اجتماعى- حضارى، اى وجود قيم اجتماعية وحضارية، مشتركة بين الأمم والشعوب والقبائل القاطنة فى قاره افريقيا، لكنها لا ترقى إلى درجة تشكيل وحدة إجتماعية وحضارية واحده” امة”.
ثانيا : الخلط بين الافريقى والحامى: و هذا المذهب يخلط بين مصطلحى “افريقى” و”حامى”، فقاره افريقيا تضم حاميين، وحاميين- ساميين، وساميين” كالعرب شمال القارة ، وحتى بعض الآريين ” كالأوربيين الذين استوطنوا جنوب القاره” … كما أن الجنس الحامي يتوزع فى كل قارات العالم، وغير محصور فى افريقيا.
ثالثا: إلغاء علاقات الانتماء الاخرى: هذا المذهب يفترض ان اقرار علاقة الانتماء الأفريقية، يقتضى إلغاء علاقات الإنتماء الاخرى:
ا/ فهى تقتضى الغاء علاقة الانتماء القومية ” العربية”، للشعوب العربية التى تقطن فى افريقيا، فى حين أنها تشكل اكثر من ٦٠% من سكان الأمة العربية.
ب/ كما تقتضى إلغاء علاقه الإنتماء الإسلامية، فى حين أن الإسلام هو ثانى اكبر ديانه فى إفريقيا “بعد المسيحية”.
ثالثا: تدعيم التمييز العنصري بالسلب: ورغم أن هذا المذهب ظهر كرد فعل على مذاهب التمييز العنصري الإستعمارية، إلا أنها تلتقي معها فى بعض اسسها النظرية، فهذه المذاهب تعطى اللون والخصائص الفسيولوجية الحامية دلاله اجتماعية سالبة، وهو- كرد فعل- يعطيها دلاله إجتماعية إيجابية، بينما مناهضه العنصرية تستند إلى مقوله علميه، هى أن الناس لا يتميزون فيما بينهم بالوانهم وخصائصهم الفسيولوجية، فهى ذات دلاله اجتماعية محايده ” لا سالبة ولا ايجابية”.
رابعا: استبدال وحده مطلقة باخرى: فهو يستبدل وحدة مطلقة فى مجال الهويه ” تلغى اى تعدديه فيها ” بوحده مطلقة اخرى.
رابعاً: الرد على دعاوى عنصرية القومية العربية :
أولا: الخلط بين مذهب العصبية القبلية العربية، الذى يستند إلى معيار عرقى” قبلى” – كما اشرنا سابقا – والقومية العربية كعلاقة إنتماء ” قومية”، إلى الأمة العربية – اى المتصلة بطور الأمة أو الطور القومى، المتجاوز للأطوار القبلية- ذات المعيار اللغوى/الحضارى – غير العرقى.
ثانيا: الخلط بين القومية العربية كعلاقة إنتماء الى الأمة – كما اشرنا اعلاه- والقومية العربية كحركات ومذاهب ” ايديولوجيات” سياسية”.
ثالثا: عدم التمييز بين المذاهب القومية العربيه المختلفه.
رابعا: تجاهل الموقف الإيجابي لحركة التحرر القومى العربي من الإستعمار ، بقيادة الزعبم الراحل جمال عبد الناصر، من حركات التحرر الوطنى الافريقى. ودعمها لها فى شرق القارة وسطها وجنوبها ، ويشمل ذلك دورها في قيام منظمة الوحدة الإفريقية (1963).
خامساً: قراءة نقدية لمصطلحات عنصرية تسود فى الواقع الإجتماعى السودانى:
- مصطلح “حلبي”:
الدلالة التاريخية الصحيحة: الدلالة على من ينتمى لجماعات قبلية غجرية، وافدة من صعيد مصر الجنوبى. ويرى بعض الباحثين أن سبب التسمية أن بعضها نزح إلى هذه المنطقه ” صعيد مصر” ،مرورا بمدينه حلب السورية، بسبب المجاعات والحروب التى حدثت فى الشام ، فى تلك الفتره. وقد إختلف الباحثين حول الموطن الأصلى للغجر ، ويرى العديد منهم أنهم من القبائل القوقازية السمراء، التى كانت مستوطن فى الهند، ولكنهم نزحوا من موطنهم الاصلى، تحت تأثير الإضطهاد والحروب، وجابو البلاد الاخرى” اسيا الصغرى- البلقان- إفريقيا الشمالية- اسبانيا- شرق ووسط وشمال أوربا…”، وقد أطلق عليهم فى البلاد العربية أسماء مختلفه” كالنور والحلب….”.
للمزيد انظر:.
- نبيل عواد المزيني، الغجر في بلاد العرب.
- صبري نبيل حنا، جماعات الغجر، 1980.
الدلالة المكتسبة ” الخاطئة”: وهى إستخدام المصطلح للدلالة على كل شخص ذو بشرة بيضاء، أو بالأصح ذو بشرة أفتح من لون البشرة السائدة بين الجماعات القبلية والشعوبيه السودانيه، وايضا بدلالة قيمية – سلبية- مضمونها من لا ينتمى الي جماعة قبلية او شعوبية سودانية، وبالتالى لا يملك نسقها القيمى- فهى حامل القيم- وهى دلالة خاطئه لأنها تعطى اللون دلاله اجتماعية.
- مصطلح ” عبد”: هو مصطلح مرتبط تاريخياً بالرق، وهو غير صحيح حالياً، لأن الرق مرحلة تاريخية، انتهت منذ فتره تاريخية بعيدة.
الإسلام والتحرير التدريجى للرق: وهنا يجب تقرير ان الإسلام، وجد الرق سائدا فى المجتمع العربى القبلى” الجاهلى”- شأنة فى ذلك شان كل المجتمعات القبلية- فشرع لإلغائه تدريجياً، عبر تقليص أسبابه، وتوسيع وسائل تحريره . فإستمراره فى المجتمعات المسلمة، لا يرجع إلى الأسلام كدين- فقد ساد فى المجتمعات غير المسلمة ايضا- ولكن يرجع إلى أسباب وعامل تاريخية، مرتبطة بالنمو الاجتماعى والحضارى لهذه المجتمعات، ومدى تقدمه او تخلفه ، نتيجة لعوامل داخلية وخارجية متفاعلة. - مصطلح ” ود عرب”: يرتبط بمعيار “النقاء العرقي”، الموروث من الأطوار القبلية، فهو معيار يستحيل الإستناد اليه ،على مستوى الوطنى، لأن معيار الإنتماء فيه جغرافى- إقليمى. والمستوى القومى، لأن معيار الإنتماء فية لغوى- غير عرقى”، ولأن اى أمه هى محصلة إختلاط العديد من الشعوب والقبائل.
سادساً: آليات تجاوز العنصرية:
اولا : العمل “المشترك – التدريجي ‘التراكمي’ ” على محاربة العنصرية ..
ثانيا : تغيير أنماط التفكير “الذاتية” ،والنظم الإجتماعية “الموضوعية”، التى تكرس للعنصرية.
ثالثا: التحرر من وهم “التفوق العرقى”- الموروث من الأطوار القبلية- والتحرر من الشعور- الوهمى- بالنقص.
رابعا: الإنطلاق من الحقيقة الثابتة علميا ان اللون والخصائص الفسيولوجية محايدة اجتماعياً وحضارياً.
خامسا : تقرير ان العنصرية ظاهرة مرتبطة ببقايا الأطوار القبليه، وهى محصلة تخلف النمو الاجتماعى والحضارى، وبالتالى يجب العمل على محاربه العوامل التى تكرس له.
سادسا: تقرير انها ظاهره سلبيةعامة، تسود فى كل الجماعات القبلية والشعوبية السودانية – بدرجات متفاوته – وليست خاصة بجماعة قبلية او شعوبية سودانية خاصة- فالقول بذلك هو عنصرية معكوسة- وبالتالى فإن تجاوزها مسئولية وطنية مشتركة .
sabri.m.khalil@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم