العَمْ مَبْرُوُك- الطبعة الثانية من (رواكيب الخريف- مجموعة قصصيَّة، بقلم/ عادل سيد أحمد).
4 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
122 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(3/3)
وردَّتْ حُسْنَة (للعم مَبْرُوُك) اعتباره، بإعادة إنتاج رِوايات فصول أيامهما المشتركة بعينِ الرِّضا، وذكر المحاسن، فناحت وهي تُعدِّد فضائلَهُ، وتنعي سمح خصاله، وجاملنها من النساء من باكتهن في مآتمهن، وناحن معها، كما أيدها في وفائها رهطٌ من المعزين، فلهجوا بشكرِ، وحمد الرجلِ العزيز، الذي توفاهُ الله، للتو.
وفي الدافنة، أنشد الأقاربُ، القادمون من البلد، مقاطع من (مدحة النور البرّاق)، واسترسِل المُنشدُون في هذا المديح الديني الحنين، وأختتموهُ بالمقطع الأخير، فقالوا:
– وأختم قولي بالصلاةِ مُعظِّما
فيا ربَّنا صلي، وبارك، وسلِّمَا…
على المصطفى، والآلِ، والصحبِ، دائما…
صَلاةٌ تفوقُ المسكَ عِطراً مُفخّمَا
يطيبُ بِها كلُّ الوجودِ، وَيَتلألأُ…
اللهُمَّ صلِّي، وسلِّم على حبيبِ الله!
ولكن، وقبل مماتِهِ، كان هناك من يعمل، وبصمت، على إفشال الزواج النزوة، ألا وهو (الدكتور الفاتح)، الإبن الأكبر لمَبْرُوُك من حُسْنَة.
لقد كان من الممكن اســــــتيعاب طاقة العَمْ مَبْرُوُك، وملء فراغه بالمزيد من إعمــــار الزرعة، وتحميله واجــــــبات أكثر، ومهام اكبر في زهزهتها، ونضـــــارها (أي المزرعة)، من وجهة نظر د. الفاتح مبروك، ولمّا لم يكُن مرجُواً منه أدنى جهد بدني، فان علاقته، منذ النشأة، بالزراعة، وخبراته في حياته العَمْلية، الطويلة في إدارة العَمْال، كانت ستجعل منه مُديراً تنفيذياً ناجحاً، وكان الفاتح يعتبر أن الجزء الرئيسي من أهدافِ إحياءِ المزرعة، هو:
– (توظيف العَمْ مَبْرُوُك، بعيداً عن حساباتِ الرِّبح والخُسارة، فإن كان ربحاً، فحمداً وشُكراً لله، وأما إذا جاءتِ الخسائر فهي، إذن، صدقة في سبيل بر الوالدين).
هكذا كانَ يُفكِّر ويقدر (د. الفاتح مَبْرُوُك)، طبيب الأمراض الباطِنة، بالمستشفى الحكومي الكبير.
ولكن، إخوته خالفوه في ذلك…
واقترح أبناء العم مبروك مشتلاً للزهور، والثِّمار الظليَّة، يكون هو، وفقط، النشاط الذي يُسأل عنه العَمْ مَبْرُوُك من شئون المزرعة، وضربوا مثلاً بسهولةِ رعايةِ الورد الإنجليزي، ونبات الفراولة، ومردودهما الكبير بعكس ما يتطلبه ازدهارهما من جهد، واقترح الإبن الأوسط، كبديلٍ لفكرة د. الفاتح بإنعاش المزرعة كلها، اقترح أن يُدير أبوهُم كُشكاً للجرائد، والمجلات، ودافع عن رأيه، فقال:
– (إن الكشك يلم الناس، وبجيب ليهُو أصحابو يونسوُهُوا، ويشترُوا منُّو، وهو ذاتو يقرأ الجرايد والمجلات لحدي ما ينتهي اليوم، ويصطاد سرباً من العصافير بحجرٍ واحد!).
ولكن، لم ترُق الفكرة بعمل كشك الجرائد أولاد مبروك، ولكنها راقت بناتِهُ الثلاثة.
وفي النهاية، وقبل مماته بقليل، أجمع الأولادُ، والبناتُ معاً، على ضرورة أن يقوم العَمْ مَبْرُوُك برحلةِ استجمامٍ، طويلة الأمد، إلى البلد، يُريح فيها جسده، وتستريح أعصابُهُ، ويجد متسعاً ليعيد التفكير في قراره الكارثي الأخير، و يعطيهم فرصةً لمزيد من البحثِ في وسائل تفادي زيجته المزعومة.
ووافقت حُسْنَةٌ، ورحَّبَت بهذه الفكرة بحرارة، لما تعلمه من وقـــعِ أجواءِ البلد على زوجها، وما يُمكن أن تفعـــله، كفعلِ السحر، بوجدان أبو الأولاد (العَمْ مَبْرُوُك).
وراقته هو أيضا فكرة النزول للبلد، فقد كان، بحق، بحاجةٍ إلى استنشاق رائحة الجُرُوف، ورُؤية الخُضرة الممتدة، لا سيّما وأنهُ، في الآونةِ الأخيرة، صار منعزلاً ولا يذهب حتى للنادي، حيثُ الضُّمنَة والكَشَاتيِن، وفقاً لنزعة آخر العَمْر الدينية التي هبطت عليه.
وهكذا، فقد صارت بهجته الأساسية هي تأدية فروض صلواته الخمسة في مسجد الحي، من الفجر إلى العشاء، وكانت أحب سور القرآن لديه هي سُورة الضُّحَى، وكان يخشع أكثر ما يخشع، حين يتلو: (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ).
ولم تكن مؤسسات العَمْل العام لتعجبه، أو لتجذبه، وذلك لاستقامته من ناحية، ولما فيها من صراعات لا تتسم بالنزاهة، والتجرُّد، بالمقارنة مع تجربته الكبيرة في الجمعيات التعاونية، ومجالس الآباء، في أزمانٍ غابرة، وحين يذكُر ذلك التاريخ فإنه يذكُره بحنينٍ صادقٍ، وزفراتٍ حرى، ويترحّم على من زاملُوه في ذلك الزمن البهيج، فيقولُ متأوها:
– (حِليل ناسنا! الله يرحمنا جميعاً!).
وكان في سمره مع أكبر أبنائه (د. الفاتح)، يُردِّد نفسْ المعنى:
– أنا، نَاسِي كلهُم بي غادي، وما فضل لي أي زول بي جاي…
وفي العيد اللاحق لوفاة العَمْ مَبْرُوُك، أحسَّ الجميعُ بفقدهِ، وبانت مكانته الشاغرة، وشَعرَ أولادُهُ باليُتم.
وعانَت حُسْنَة، بالذات، من التَّرَمُّل صباح ذلك العيد.
وتأملوا جميعهم، وفي صمتٍ رهيبٍ، تأمَّلُوا أركان البيت:
– (هناك جلسته، وهكذا كانت ضحكته، وآن الآن أوانُ مباركتهُ العيد للكبير ونفحهُ العيديات للصغير، وهذه الوجبة كانت هي الأفضل بالنسبة له، لا سيّما إن كانت لُقمة بمُلاح الرُّوب، لأنها تناسب مع فمه الخالي، وحلقه الجاف).
ومِسْخَتْ عليهم برامجُ الراديو في العيد، بالذات تلك التي كانت تشجيه، ويطرب لها:
– (المدائح النبوية، وحقيبة الفن!).
ولم يعُد بمقدور أيٍ من أفرادِ الأُسرة، سماعِ أغنية (يا قائد الأسطول)، الأغنية المُحببة لدَى المرحُوم…
ولكنَّ العيد، كان مناسبة لتأكيد إعادة رد الاعتبار للعم مَبْرُوُك، ليس من أولادِهِ، وبناته فحسب، وإنما، وفي الأساس، من أرملته المُلـتاعة (حُسْنَة) أيضا، وفي طريقهم إلى زيارةِ قبرِهِ، أدخلت حُسْنَة يدها في جيب إبنها (د.الفاتح مَبْرُوُك)، واضعةً فيه (صُرةً) صغيرة، وَهمسَت لهُ، تخنقها العبراتُ:
– (دي زكاة المرحُوم، أمانة عليك تفرقها بين المحتاجين، ممن تجدهم في المقابر!).
فَفعلْ! ونفذ وصيتها بدقة، ووزع الزكاة على المحتاجين الذين كانوا يعمرون المقابر.
وهاجت ذكراهُ، وصخبت في وجدان أهل البيت بُعيد العيد.
وتمَّ تكبير صُورته التي كان يظهرُ فيها بكاملِ هَيئهِ، بطلعته البهية، ذات القَسَماتِ الصارِمة، وعيناهُ البرّاقتين، وشاربه المبعثر، مُستنداً إلى عصاهُ الكِرِيـْــزة.
ثُمَّ وُضِعت الصُّورةُ، في بُروازٍ ضخمٍ، مُذهّبٍ وزَاهــــــي، وعُلِّقت بِجِوَار صُورةِ توأمِهِ الرَّاحِل مُنذُ زمنٍ بعـــــيد، على جُدران الصَّالُون الذي يُقَابِل البَابْ!
///////////////////