بحصافة
أحسب أنَّه من الضروري أن نناقش بقدرٍ من الصراحة والوضوح بعضَ الظواهر الاجتماعيَّة التي اقتصرت على أهل السودان. وتلحظ هذه الظواهر الاجتماعية في كثيرٍ من دواوين الحكومة ومكاتب المؤسسات والشركات الخاصَّة. ومن هذه الظواهر الاجتماعيَّة السودانية ما يُعرف بالفطور الجماعي الذي يجتمع عليه نفرٌ من هؤلاء، ويُمضون فيه ساعة أو يزيد خصماً من ساعات العمل، حيث يتوسطهم صحن الفول أو صحن البوش وهم بين أكل الطعام وكثرة الكلام. وفي كثير من الأحايين تتجه أحاديثُهم إلى المجادلة بالحسنى وبغيرها في السياسة والرياضة، والتحزُّب إلى درجة التعصُّب لفريقي الهلال والمريخ، أكثر من إظهار الانتماء الفكري والحزبي للأحزاب ذات الوزن الثقيل، وهم للأسف قلة في السودان. ومما لا ريب فيه أن حزبي الهلال والمريخ جماهيرياً هما أكثر الأحزاب شعبية، مما دعا السيد الرئيس عمر البشير إلى الاستشهاد، في أحد ملتقيات التواصل الرمضانية بمنزل الأخ الكابتن أمين زكي، بأن أكبر حزبين في السودان هما الهلال والمريخ. فلا غرو أن انشغل جماعة صحن الفول والبوش عن أداء عملهم الذي سيسألهم عنه الله تعالى يوم القيامة تنزيلاً لقول الله تعالى “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ “.
لقد أُتيح لي من خلال عملي في صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، ومستشاراً إعلامياً للعديد من المنظمات والجمعيات الإسلامية في أوروبا وأميركا، أن أزور قارات العالم كلها عدا قارة أستراليا، فلم أجد ظاهرة الفطور الجماعي، التي انتشرت في دواوين الحكومة ومكاتب مؤسسات وشركات القطاع الخاص، حتى في الدول التي تشارك السودان طقسه وتقاسمه حَروره، بل إنَّ بعض تلكم البلدان تقاسي ظروفاً أصعب من السُّودان، ولكنها عوفيت من إهدار الوقت حول صحن الفول والبوش ولغو الحديث. ومن الغريب أنَّ بعضهم يعلِّل هذه الظاهرة التي يجب تغييرها بأن طقس السودان لا يسمح بتناول الفطور المبكِّر في المنزل قبل مغادرته إلى العمل، فبالتالي يستقطع جزءًا مهمًا من وقت العمل بغير حق في ذلكم الفطور الجماعي، الذي أعتبره مضيعة للزمن وإهدارًا لوقت العمل، الذي كان يجب أن يُستنفد في العطاء والعمل بجد وإخلاص، لا في التحلُّق حول صحن الفول والبوش، ومن ثم يغشاهم النعاس ويحدث لهم ما يحدث من تراخٍ في الأداء، وكسلٍ في العطاء، وإقلالٍ في الإنتاجية. ولنتذكَّر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل”، على الرغم من أن هذا الحديث ذهب كثيرٌ من المحدثين إلى انه حديث ضعيف، ولكنه يُستشهد به على سبيل الترغيب.
من هنا ندعو إلى ضرورة العمل الجاد لتغيير ظاهرة الفطور الجماعي في دواوين الحكومة ومكاتب المؤسَّسات وشركات القطاع الخاص، وحتى لا نكون من الذين يأمرون الناس بالبر وينسَون أنفسهم، فإننا في اجتماع لنا بأسرة تحرير صحيفة “التغيير”، دعَونا إلى تغيير بعض المفاهيم الصحافية والظواهر الاجتماعيَّة، خاصَّة تلكم التي تؤثر سلباً على إنتاجية الفرد وعطائه. وكان تركيزنا على منع الفطور الجماعي المتمثل في التجمُّع حول صحن الفول والبوش، داخل مكاتب مؤسستنا، حتى لا يكون ذلك خصماً من العمل وتجويده. ومن الغريب أنَّ بعض الصحف عندما وصلتها دعوتنا هذه هاجمتنا وسخرت منا، فطريق التغيير يبدأ بخطوة ونحسب أنَّ أول خطوة يجب أن نخطوها هي تلكم المتعلقة بالظواهر الاجتماعيَّة التي تؤثر سلباً على الأداء والعطاء وتكون خصماً على تجويد العمل وترقيته، كلُّ ذلك من أجل إحداث قدرٍ من التغيير.
imam imam [i.imam@hotmail.co.uk]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم