الفِيْتُو العَكْسِي: كَيْفََ عطّل َتَرَدُدُ الرُبَاعِيَّةِ وعَجْزُ الخُمَاسِيَّةِ إنْهَاءَ حَرْبِ السُوْدَانِ؟
The Reverse Veto: How a Hesitant Quartet and a Powerless Quintet Have Prolonged Sudan’s War
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
أعاد مؤتمر برلين الأخير تسليط الضوء على سؤال بات محورياً في فهم أزمة السودان: هل تتراجع المبادرات الدولتية لصالح المبادرات المؤسسية، أم أن كليهما عالق في مأزق أعمق يعطل الوصول إلى السلام؟
مع استمرار الحرب، تشكل مساران رئيسيان للتعامل الدولي مع الأزمة: الأول تقوده ”الرباعية“ الدولتية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، والإمارات)، مستندة إلى نفوذ سياسي واقتصادي مباشر على أطراف النزاع؛ والثاني تقوده ”الخماسية“ المؤسسية (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الإيقاد، وجامعة الدول العربية)، مستندة إلى شرعية دولية وإقليمية أوسع.
غير أن المسارين، رغم اختلاف طبيعتهما، انتهيا إلى نتيجة واحدة: العجز عن فرض مسار جاد لوقف الحرب.
من النفوذ إلى التردد: مأزق الرباعية
عند إطلاق الرباعية، كان الرهان عليها كبيراً بحكم امتلاكها أدوات ضغط حقيقية: التحكم في مسارات التجارة، النفوذ المالي، والقدرة على التأثير المباشر على الأطراف المتحاربة.
لكن هذا النفوذ لم يُترجم إلى فعل حاسم. فبدلاً من استخدام أدواتها لفرض الامتثال، انزلقت الرباعية إلى إدارة التوازنات بين أعضائها، خاصة في ظل تباين الرؤى حول دور الجيش ومستقبل السلطة في السودان.
وهكذا، تحولت الرباعية تدريجياً من أداة ضغط إلى إطار تفاوضي متردد، فاقد للقدرة على الحسم.
من الشرعية إلى الشلل: حدود الخماسية
في المقابل، جاءت الخماسية المؤسسية لتسد فجوة الشرعية، مستفيدة من غطاء دولي وإقليمي أوسع. غير أن مؤتمر برلين، وغيره من الاجتماعات، كشف حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن الشرعية، في غياب أدوات التنفيذ، تتحول إلى غطاء لإدارة الأزمة لا حلّها.
فالمؤسسات الدولية، رغم قدرتها على جمع الأطراف وإنتاج البيانات، تفتقر إلى أدوات الضغط الفعلي، ما يجعل مخرجاتها أقرب إلى التوصيات منها إلى القرارات الملزمة.
”الفيتو العكسي“: من تفسير الفشل إلى تعميمه
لفهم هذا العجز المزدوج، يبرز مفهوم ”الفيتو العكسي“الذي بات يحكم سلوك الفاعلين الدوليين والإقليميين.
”الفيتو التقليدي“ يُستخدم لتعطيل قرار لا يوافق عليه طرف ما من الدول الكبرى. أما ”الفيتو العكسي“، فهو حالة أعمق:
حيث يمتنع الفاعلون من الدول الصغرى عن اتخاذ قرارات حاسمة خوفاً من اعتراض شركائهم المحليين، فيُشلّ القرار قبل أن يُطرح أصلاً.
هذا ما حدث داخل الرباعية، حيث أدى التباين، خصوصاً بين السعودية والإمارات بشأن موقع الجيش في أي تسوية، إلى تعطيل استخدام النفوذ المتاح.
لكن الأخطر أن هذا ”لفيتو العكسي“ لم يبقَ محصوراً في المبادرات الدولتية، بل تسرّب إلى المبادرات المؤسسية نفسها.
فخلافات القوى المؤثرة انعكست داخل الخماسية، وأثّرت على مخرجات مؤتمر برلين، لتصبح المؤسسات الدولية أيضاً امتداداً غير مباشر لتوازنات الدول، لا بديلاً عنها.
وهنا تتكشف الحقيقة الصادمة : لم يعد العجز نتيجة نقص في الأدوات أو الشرعية، بل نتيجة تردد جماعي في استخدامها.
نفوذ الرباعية وشرعية الخماسية: تكامل أم تنافس؟
في ضوء ذلك، يطرح سؤال حاسم: هل يجب أن تعمل الرباعية والخماسية في مسارات متوازية، أم في إطار تكاملي؟
التجربة حتى الآن تؤكد أن العمل المتوازي أدى إلى تضارب الرسائل وتفكيك الضغط الدولي، ما منح الأطراف المتحاربة مساحة أوسع للمناورة.
أما المسار الأكثر جدوى، فيقوم على تكامل منسجم للأدوار:
- تستخدم الرباعية نفوذها الاقتصادي والسياسي لفرض الامتثال،
- بينما توفر الخماسية الغطاء الشرعي وآليات المراقبة والتنفيذ،
- ضمن إطار موحد يمنع تكرار ظاهرة ”الفيتو العكسي “.
لكن هذا التكامل لن يتحقق ما لم يُحسم الخلاف داخل الأطراف المؤثرة نفسها حول أولويات الحل.
وقف الحرب أولاً: إعادة ترتيب الأولويات
أحد أبرز أخطاء المسارين الرباعي والخماسي هو الخلط بين مسارات متعددة في وقت واحد. فمحاولة الجمع بين وقف الحرب، وترتيبات الانتقال، وإشراك المدنيين، في آن واحد، أدت إلى تشتيت الجهد وإبطاء التقدم، إن لم تؤدي إلى استحالته.
المطلوب بإلحاح هو إعادة ترتيب الأولويات بوضوح:
- المرحلة الأولى: تركيز كامل من الرباعية والخماسية على فرض وقف إطلاق النار، باستخدام النفوذ والشرعية معاً، والتعامل حصراً مع الأطراف العسكرية المتحاربة.
- بالتوازي: تسهيل حوار مدني واسع، مستقل عن مسار التفاوض العسكري، يهدف إلى إعادة بناء الكتلة المدنية على أسس ثورة ديسمبر، وضمان عدم إعادة إنتاج هيمنة الإسلاميين.
فإشراك المدنيين داخل مسار التفاوض العسكري في هذه المرحلة لا يعزز الحل، بل يربكه. مثلما أن إشراك العسكريين في مسار المدنيين يقود لإحكام الفشل.
الخاتمة: الأزمة ليست في وضع الإطار… بل في اتخاذ القرار
الدرس الذي يكشفه مسار الرباعية والخماسية واضح: المشكلة ليست في نقص المبادرات، ولا في غياب الأطر، بل في غياب القرار السياسي باستخدام ما هو متاح. فالرباعية تملك النفوذ لكنها تتردد، والخماسية تملك الشرعية لكنها تعجز،
وبينهما يتمدد ”الفيتو العكسي“ ليحوّل كل مبادرة إلى نسخة أخرى من الفشل.
إن كسر هذه الحلقة لا يتطلب إطاراً جديداً، بل شجاعة سياسية لتجاوز حسابات التوازن الضيق، وفرض السلام كأولوية غير قابلة للتأجيل، بحيث يحقق بالتدرج والتسلسل: بدءاً بوقف إطلاق النار بين العسكريين، يعقبه تحقيق الوئام بين المدنيين في إطار أهداف ثورة ديسمبر الشعبية الشاملة.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السودان ساحة تُدار فيها الحرب… لا ساحة يُفرض فيها السلام.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم